الأوروبيون مولعون بالتنظير وقولبة الأمور وتقنينها ووضع العناوين النظرية العريضة لها إلا في الحالة الفلسطينية حيث تأتي الاعترافات المتعاقبة من الحكومات والبرلمانات الأوروبية بالدولة الفلسطينية الجنينية بعنوان وتأطير ناقصين تماما، فالعنوان، حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لا يخبرنا شيئا عن سارق ذلك المصير وكيف سرقه وبأي ثمن، والتأطير تسوية سلمية تعترف بتعايش دولتين، واحدة إسرائيلية قائمة فعلا وأخرى فلسطينية لا يزال إنشاؤها حلما، جنبا إلى جنب بسلام ووئام، لا يحكي لنا، كذلك، عن الإطار الجيوسياسي الأوروبي الذي نشأت فيه الدولة العبرية، ولا عن المسؤولية التاريخية الأوروبية الأولى وليست الأخيرة في الحاق كل هذا الضرر بالشعب الفلسطيني، عدا عن أنه لا يشير، لا من قريب ولا من بعيد، إلى أي شعور بالندامة أو التوبة حيال ذلك، مما يفقره، بداهة، من اعتذار، ما يجعل ذلك التوجه الأوروبي، على نجاعته وتقدميته، خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى خطوة ناقصة وغير متكاملة الأبعاد تفتقر إلى ما يلزم من الجرأة والشجاعة في المفترقات التاريخية الكبرى.
هذا القصور في المواقف الأوروبية المتباينة من قضية الشعب الفلسطيني يقابله عطالة بائنة على الطرف الآخر، الفلسطيني والعربي، بحيث لم تعل ردود الأفعال العربية حيال موجة الاعتراف الأوروبية عن سقف الترحيب والمباركة من بعيد في حين يستدعي هذا التحول التاريخي بناء ركائز استراتيجية مفتوحة على المواجهة مع كل من يقف عقبة في طريق تطويره واستكماله وصولا به إلى مستوى الاعتذار والاعتراف أولا بالجريمة التاريخية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني على يد الأوروبيين أنفسهم، وذلك ليس من باب التباكي أو التشفي أو تسجيل المواقف، ولكن كي توضع النقاط على الحروف وكي لا يفلت الجاني من العقاب وكي يتحمل مسؤولياته من اقترفت يداه جريمة العصر التي أودت بمصير شعب بأكمله في غياهب الشتات والمجهول والمعاناة، وأدخلت المنطقة برمتها في سلسلة من النزاعات باهظة الثمن التي يستحيل إنهاؤها بمواقف معزولة ومنقوصة تأتي منفردة من هذه الدولة أو تلك.
من المؤسف أن تأتي قراءات موجة الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية على أجنحة ردود الفعل وبعيدا عن الفعل نفسه، ومن المؤسف أكثر ألا يصار إلى تأطيرها ضمن موجة دولية أوسع يمكن أن نقرأ فيها تراجعا ملحوظا حيال وقوف القوى الكبرى في العالم مع الدولة العبرية، مع التركيز على أمرين اثنين، أولا: ان ذلك التراجع لم يأت من فراغ، وثانيا: ان هذا التراجع لن يتبلور بعيدا عن دور فاعل للعامل الذاتي الفلسطيني والعربي، الذي ربما يتجلى، في أحد أهم مظاهره المباشرة، في إطلاق حملة عالمية كاملة الأوصاف تقوم على ركيزتين اثنتين: تراجع الدور الاستراتيجي التقليدي للدولة العبرية مع بروز مؤشرات حقيقية على ولادة نظام إقليمي شرق أوسطي جديد تتبوأ إيران فيه دورا رياديا باعتراف المجتمع الغربي نفسه من جهة، وتنامي قوى اليمين المتطرف في الداخل الإسرائيلي ومحاولاتها المستميتة لفرض قوانين عنصرية بامتياز تستهدف الوجود الفلسطيني برمته على أرض فلسطين كان آخرها قانون قومية الدولة اليهودية الذي يتجاوز في عنصريته قوانين نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا من الجهة الأخرى.
في مفارقة تاريخية ثلاثية الرؤوس، أقرت الحكومة الإسرائيلية مشروع قانون يهودية الدولة، بينما لا تحرك هذه الخطوة البربرية الغارقة في العنصرية والتمييز العرقي والديني ساكنا في المجتمعات الغربية، التي دفعت أثمانا دموية باهظة في سبيل فصل مؤسسة الدولة عن المؤسسة الدينية على قاعدة مبدأ فصل السلطات، بينما تحاول أنظمة وتنظيمات عربية خلع العباءة الدينية والنأي بنفسها عن دائرة الإسلام السياسي تحت شعار محاربة ما يسمى بالإرهاب.
ثلاثية لا تبعث على الدهشة والاستهجان بمستويها الأول والثاني، لكنها تفعل ذلك عندما يتعلق الأمر بمستواها الثالث الفلسطيني والعربي تحديدا، الذي يبدو بأمس الحاجة إلى هذا المناخ الدولي، هدية السماء، في جفائه الأولي حيال صنيعته العبرية، التي توجت حفر قبرها بيدها بمواقفها المتطرفة الأخيرة، بحيث يمكن بناء الخطاب الفلسطيني – العربي انطلاقا من مبدأ التماثل والمساواة في المواقف من ظاهرة التطرف الديني أينما وكيفما حلت في جميع تجلياتها، فإذا كان لا بد من إدانة ومحاربة ما يطلق عليه ظاهرة الإسلام السياسي واعتبارها مظهرا من مظاهر التطرف الديني خارج الدوائر الرسمية في مختلف المجتمعات والدول، فمن الأحرى وسم سعي الدولة العبرية لإنفاذ قانون يهودية الدولة رسميا بالتطرف الديني أيضا.
في سياق مواجهة الخطاب الديني المتطرف السائد في الدولة العبرية نفسه، يمكن قراءة ملمح آخر له على جبهة الربيع العربي أيضا يتمثل في كينونة تفكك الدولة القطرية في العديد من دول المنطقة لصالح بروز دول وكيانات طائفية وانحلال مراكزها لصالح كيانات أو أقاليم ذات طابع عرقي أو ديني أو طائفي أو جهوي، الأمر الذي يمكن أن يشخص حالة الاستعصاء في التجربتين السورية والعراقية وكذلك اليمنية والليبية، مثلما من شأنه أن يقود إلى ايجاد مخارج حقيقية لمجموع الأزمات التي تعيشها تلك التجارب التي من المؤكد أنها باتت تحلق في أجواء ما فوق قطرية حتما وتبقيها في حالة من الانفجار الدائم طالما ظلت القراءات السياسية أو الجيوسياسية بعيدة عن قراءة المشهد في مربعه الأول الذي تتوسطه القضية الفلسطينية أو بالأحرى وجود كيان سرطاني غريب عن نسيج شعوب المنطقة، الأمر الذي ما عاد يكفي إدراكه ومن ثم تداركه على المستويين الوطني والإقليمي فحسب، بل لا بد من أن يتصدر، كذلك، أجندات المجتمع الدولي أيضا في تعاملها مع النزاع العربي الصهيوني. وهي أجندات باتت لا تخلو من إشارات تغييرات حقيقية في الموقف من ذلك الكيان بدءا من مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، مرورا بالمواقف التقدمية لأكاديميين ومفكرين أوروبيين وأمريكيين وكنديين وليس انتهاء بموجة الاعترافات بدولة فلسطين.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة