محمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (2 من 3)
رئيس الوزراء المصري منع أي عربي من إصدار صحيفة وقال للطاهر: إيه ده يا أخينا، إنت ضيف والا حامل سيف؟ الطليعة النابلسية خافت علي سمعة لطفي السيد وخشيت أن يتلوث اسمه بحضور افتتاح الجامعة العبرية محمد علي الطاهر: لمحات من فروسية قلم فلسطيني (2 من 3)د. عصام الطاهرہ في عام 1924 حصل أبو الحسن علي ترخيص لاصدار جريدة باسم الشوري ، واتخذ لها مكتبا في 30 شارع عبد العزيز، مما فتح أمامه المجال الأرحب لعرض أفكاره وأفكار مناصريه من أصحاب نفس التوجه. وقد جعل شعارها جريدة سياسية تبحث في شؤون سورية ، ووضع بعد كلمة سورية بين قوسين (فلسطين، سورية، لبنان، شرق الأردن). وكان صاحب المقال الافتتاحي لعدد الجريدة الأول الأستاذ أحمد زكي باشا. وعندما اطلع الأمير شكيب أرسلان علي عددها الأول، وكان يقيم في مرسين بالأناضول، كتب لأبي الحسن يحييه ويبارك له ويطلب منه ارسال صورته اليه قائلا لقد عبرت الجريدة عن كل ما أريد قوله ونشره وأردت أن أري صورتك لأتعرف علي سنك عسي أن تكون شابا وليس شيخا مثلي حتي أطمئن أن الأمة ستنتفع بجهادك لأطول مدة.. . وهكذا أصبح الأمير شكيب من كتاب الشوري منضما الي جمع كبير من أصحاب الرأي والقلم في العالم العربي والاسلامي مثل احسان الجابري، واسعاف النشاشيبي، وأسعد داغر، والدكتور تقي الدين الهلالي، والشاعر جميل صدقي الزهاوي، والشاعر المهجري جورج صيدح، وخليل السكاكيني، وخير الدين الزركلي، ودرويش المقدادي، والدكتور زكي مبارك، وسيد قطب، وعادل أرسلان، وسليمان الباروني باشا، والشيخ عبد العزيز الثعالبي، وعبد العزيز الرشيد، ومحب الدين الخطيب، والدكتور محمود عزمي، والشاعر معروف الرصافي، والدكتور منصور فهمي باشا، والامام الشيخ محمد رشيد رضا وغيرهم. وعلي هذا فقد أصبحت الجريدة منبرا سياسيا أكثر منها جريدة اخبارية، وهذا ما أدي الي منعها من الدخول الي جميع البلدان الخاضعة للاستعمار؛ فقد منعتها فرنسا من دخول سورية ولبنان وتونس والجزائر والمغرب. كما منعتها بريطانيا من دخول فلسطين وشرق الأردن والعراق والسودان وكافة محميات ومشيخات الخليج. وفعلت مثل ذلك ايطاليا بما يتعلق بليبيا، وهولندا بأندونيسيا. لقد أدرك الأستاذ أبو الحسن كيف أن دول الاستعمار بالرغم مما بينها من خلافات، فانها تتحد ضد شعوب مستعمراتها، وهو ما أوحي اليه بتغيير شعار جريدته الشوري ليصبح جريدة سياسية تبحث في شؤون البلاد العربية والأمم المستعبدة والمظلومة .لقد كان عمل أبي الحسن في جريدة الشوري عملا مضنيا، ذلك أن الرأي العام المصري كان أسير القطرية الشديدة المتمثلة بالدعوة الفرعونية التي استولت علي عقول الكثير من المثقفين المصريين. وكان الصراع في ساحتها الوطنية يتمثل في حركة وطنية تنادي بالديمقراطية ويتزعمها حزب الوفد بزعامة سعد زغلول وخليفته النحاس اللذين لم يكونا علي وفاق مع الملك فؤاد المستعين بالاحتلال البريطاني والمتحالف مع أحزاب الأقلية التي كان يختارها لحكم مصر. وكان الانكليز يشجعون التوجه الاقليمي لمنع أي تقارب مصري مع البلاد العربية، وهو استمرار لسياستهم منذ حاربوا محمد علي باشا سنة 1840 لحصره في حدود مصر الجغرافية المعروفة. وكان أبرز الأحزاب المتواطئة معهم ومع الملك حزب الأحرار الدستوريون الذين لم يكونوا في الحقيقة أحرارا ولا دستوريين، بل كانوا مجموعة من أصحاب المصالح من تجار واقطاعيين ومعهم بعض المثقفين الأرستقراطيين المتشبعين بفكرة القومية المصرية الانعزالية. ولم يخفف من هذا التوجه، علي المستوي الشعبي، سوي بعض الأحداث العربية البارزة التي شكلت ضغطا علي مشاعر المصريين وكان منها حرب الريف بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي، وضرب فرنسا لدمشق بالطائرات، والمقاومة الليبية الوطنية للاحتلال الايطالي بقيادة عمر المختار، وقضية البراق. ثم المؤتمر الاسلامي العام الذي عقد في القدس سنة 1931. وقد أيد الأستاذ أبو الحسن في جريدته جميع هذه الأحداث وأشاد بالزعماء المصريين الذين آزروها.معركة مع المتعاونين مع الصهيونية في مصردخل أبو الحسن في معركة كبيرة مع اليهود المصريين المتعاونين مع الصهيونية التي كانت تقدر ما لمصر من أهمية بحيث يجب ابعادها عن القضايا العربية والفلسطينية علي وجه الخصوص. وكانت لها صحفها التي تصدر بكل اللغات المعمول بها في مصر كالانكليزية والفرنسية والعربية وحتي العبرية. وكان من صحفها العربية جريدة الاتحاد الاسرائيلي التي صدرت سنة 1924، وكانت تنشر عامودا ثابتا عن أخبار اليهود في فلسطين تحت عنوان أخبار أرض الميعاد . وكذلك كانت هناك مجلة اسرائيل التي أصدرها الدكتور البرت موصيري سنة 1920 وكان يصدرها بالعربية والفرنسية والعبرية. وكذلك جريدة صوت اليهودي بالفرنسية وكانت صهيونية صريحة، اضافة الي جريدتي الشمس و المنبر اليهودي . وكانت جميعها تحرص علي طمأنة المصريين تجاه النشاط الصهيوني في فلسطين.ولنا أن نضيف الي كل ذلك، بعض الصحف المصرية العربية مثل المقطم التي فتحت صفحاتها للأقلام اليهودية والتي كان من كتابها الياهو ساسون الذي أصبح سفيرا لاسرائيل في فرنسا سنة 1948 ثم وزيرا للمواصلات سنة 1964. وقد تناولها الطاهر جميعا بالنقد والهجوم مفندا ادعاءاتها، فاضحا أهدافها ومزاعمها، ومنبها الي خطرها.وكان ساسون قد كتب في احدي مقالاته في المقطم سنة 1922 مخاطبا الصحف الفلسطينية العربية بعد أن نسب اليها أشنع التهم بربكم يا رجال الصحف، قولوا لي متي سولت لنا أنفسنا الاستيلاء علي المسجد الأقصي ؟ فرد عليه الأستاذ الطاهر مستشهدا بما قاله زعيم الصهيونية آنذاك، الفريد موند، الذي قال سأكرس ما بقي من حياتي لاعادة هيكل سليمان فوق أنقاض المسجد الأقصي . وعن استشهاد ساسون بقول ملك بريطانيا بأنه لا يساء الي شعب في فلسطين في قوميته وشعوره ودينه رد أبو الحسن عليه وماذا يسمي جعل فلسطين وطنا للآخرين، أليس فيه اساءة الي قومية أهل فلسطين؟، وماذا عن البراق الاسلامي وجعله يهوديا أليس اساءة الي دين أهل فلسطين؟. ان اختيار الحركة الصهيونية لفلسطين بالذات ومنذ خمسين سنة ليس لتكون وطنا قوميا فقط بل ودينيا، لأنه لو كان المقصود قوميا لأمكن أن يكون في أي مكان.منع الشوري في فلسطينكان أول قرار بمنع جريدة الشوري من الدخول الي فلسطين قد صدر بعد عام تقريبا من بداية اصدارها. وقد استنكرت اللجنة التنفيذية في القدس هذا القرار وبعثت باحتجاجها الي المندوب السامي واصفة الشوري بأنها جريدة تنطق بلسان الأكثرية الساحقة من سكان البلاد رغم صدورها في مصر وأن في القرار حرمان الفلسطيني من جميع الحقوق العامة التي يتمتع بالكثير منها حتي سكان المستعمرات . وقد لجأ الأستاذ أبو الحسن في التحايل علي قرار المنع الي ارسال الشوري الي فلسطين بتغيير اسمها، فقد وضع لها عنوانا بأسماء أخري: كالرقيب، والجديد، والمنهاج، والناس. وقد أدي هذا الي زيادة تمسك القراء بجريدتهم. وعلي هذا فقد رأت سلطات الانتداب أن تعدل من قرار المنع فجعلته بمنع الجريدة التي تصدر في القاهرة باللغة العربية ويحررها محمد علي الطاهر من دخول فلسطين . وهنا لم يجد الطاهر من طريق سوي لف الجريدة بجرائد أخري وفي طرود مختلفة الأحجام. وطبيعي أن تفطن السلطات الرقابية بعد مدة لهذه الحيلة الجديدة وتتشدد في رقابتها. وكان آخر ما لجأ اليه هو ارسالها الي أصدقاء له في لندن وباريس أمثال رياض الصلح واميل خوري حيث كانا يلفانها بجريدتي التايمس الانكليزية و الطان الفرنسية ويهربانها الي عناوين أصدقاء آخرين في لبنان وسورية وفلسطين وغيرها من البلاد العربية.إنشاء الجامعة العبريةتناولت جريدة الشوري القضية الفلسطينية بتوسع وشمولية غير مسبوقة في أية صحيفة عربية. وقد ربطت بين الانتداب البريطاني والصهيونية. وحلل أبو الحسن صك الانتداب ووعد بلفور بموضوعية قانونية وسياسية بالغة الدقة مما يعتبر مرجعا في هذا الخصوص.ومن الموضوعات البارزة التي لم يفت الأستاذ محمد علي الطاهر لفت الأنظار اليها مسألة افتتاح الجامعة العبرية سنة 1925 بحضور اللورد بلفور ولطفي بك السيد مندوبا عن الحكومة المصرية، وقد اعتبر انشاء تلك الجامعة من الخطورة بمكان علي مستقبل شعب فلسطين العربي. وبين أن من وظائفها بعث اللغة العبرية من القبر واعادتها الي مصاف اللغات الحية وايجاد أمة عبرية ذات خصائص ومقومات سياسية ذاتية. وقال ان تأسيس جامعة عبرية يعني أن الجيل القادم الذي يلده اليهود القادمون من جميع فجاج الأرض الي فلسطين سيكون شعبا واحدا بل أمة واحدة تجمعها اللغة ووحدة الدين والوطن .هذا وقد قررت جميع الأحزاب في فلسطين اعلان الاضراب العام والاعتكاف في المساجد ومنع اللورد من دخول المسجد الأقصي. كذلك قرر المحامون الامتناع عن المرافعة وأبلغوا قرارهم الي قاضي القضاة، كما أضرب طلاب المدارس كافة.أما عن رحلة اللورد بلفور صاحب الوعد المشؤوم، فقد وصل الي الاسكندرية بالباخرة في 21/3/1925 ثم قام بزيارة القاهرة وأقام في ضيافة المندوب السامي اللورد اللنبي لبضعة أيام حيث غادرها الي فلسطين بالقطار من محطة باب الحديد المعروفة في وسط القاهرة. وقد احتشد لتحيته مندوبو الحكومة المصرية ونائب المندوب السامي فيها، وكذلك جمع غفير من اليهود وكلهم باللباس الرسمي معتمرين القبعات العالية وبعضهم القلنسوة اليهودية، وقد أنشدوا له الأناشيد وحيوه بصوت واحد شالوم شالوم . وكان الأستاذ أبو الحسن قد اختار بعضا من شباب فلسطين المقيمين بمصر وأحدهم من طلبة الأزهر ليكونوا في المحطة. وقد اقتربوا من القطار ومن العربة التي فيها بلفور الذي وقف خلف الزجاج يحيي مودعيه. وصاح أبو الحسن ومن معه بالانكليزية منادين بسقوط وعد بلفور وبحياة فلسطين عربية. وظن بلفور بداية أنهم يحيونه فرد ما ظنه تحية برفع يده ملوحا مبتسما خصوصا وهو يري هذا الشيخ الأزهري بينهم، ولكن لما لاحظ أن أبا الحسن يشوح له بعصاه وملامح الغضب علي وجهه تراجع خطوة الي الخلف. وهنا انقض البوليس المصري علي أبي الحسن وعلي أحد الشباب وهو السيد محمد عبد اللطيف الحسيني وساقهما وسط استغراب المتجمهرين الي مركز شرطة الأزبكية حيث قضيا ليلتهما بالسجن الي أن علم أصدقاء الطاهر بالذي وقع فتقاطروا علي المركز. وكان في طليعتهم أحمد زكي باشا، والدكتور محمود عزمي، والأستاذ الشاعر خير الدين الزركلي، وداود بك بركات رئيس تحرير الأهرام ، والكاتب نقولا حداد، والأستاذ أسعد داغر وقاموا بتقديم الكفالة اللازمة وأطلقوا سراحهماوقد كتبت جريدة اسرائيل المصرية تصف الحادث قائلة: ومن المضحكات المبكيات التي نرويها من قبيل العبر، أن ذلك الفتي صاحب وريقة الشوري حضر الي المحطة وقت سفر اللورد بلفور ومعه بعض الرعاع الفلسطينيين الذين لفظتهم فلسطين.. وهتفوا بسقوط اللورد بلفور وتصريحه وبحياة فلسطين عربية، فأسرع البوليس الي القبض علي هؤلاء الرعاع ومعهم محمد علي الطاهر وساقهم الي قسم الأزبكية وكتب محضرا بذلك ثم احيلوا الي النيابة للتحقيق معهم .وقد أرسلت برقيات تأييد عديدة من مصر وفلسطين الي الأستاذ الطاهر وصحبه مستنكرة اعتقاله متمنين أن لو كان أصحاب البرقيات معه ليكون لهم هذا الشرف، ومنها برقية من عميد تجار فلسطين بمصر عيسي محفوظ، ومن يافا عمر البيطار، وعبد القادر المظفر، وموسي الصوراني، ومن القدس خليل السكاكيني، وعوني عبد الهادي، وعادل جبر، ومن طولكرم عبد الله سمارة، وسليم عبد الرحمن، وكذلك كتبت بهذا الخصوص مستنكرة جرائد فلسطين ولبنان وسورية.وبالعقلية البوليسية الخربة أرادت الدوائر الأمنية في مصر أن تنبه الي احتمال وجود (مؤامرة) علي حياة اللورد، فسارعت الي الاتصال ببوليس فلسطين لأخذ الحيطة والحذر، فداهمت قوات من الأمن منزل شقيق الأستاذ الطاهر ـ نظمي الطاهر، والد كاتب هذا البحث ـ في نابلس وفتشته وصادرت ما فيه من أوراق، ثم تعقبت نظمي الذي تصادف وجوده في يافا فوضعته تحت التحفظ خلال وجود بلفور في فلسطين.زيارة بلفور لفلسطينعن زيارة بلفور باختصار وللتسجيل التاريخي فقد توجه من محطة اللد بالسيارة الي القدس ونزل بضيافة المندوب السامي وحضر افتتاح الجامعة، وفي اليوم التالي زار مستعمرة عيون قارة ، ثم أقيم له حفل غداء في مدرسة نيتر الزراعية، توجه بعدها الي تل أبيب وزار مدرسة الجمناز ، ومنح رعوية مدينة تل أبيب. وكان استقبال اليهود له حاشدا والكل يحمل أعلام صهيون وصور اللورد.أما فلسطين فقد أضربت عن بكرة أبيها وصدرت صحفها مجللة بالسواد، وأصدرت جريدة فلسطين عددا خاصا باللغة الانكليزية مليئا بالاحتجاج والاستنكار.غادر بلفور فلسطين الي دمشق فوصلها يوم 8/4/1925 وأنزلوه فندق فكتوريا، وقامت دمشق كلها تحتج عليه، فلم يستطع مغادرة الفندق الذي انهالت عليه حجارة المتظاهرين فكسرت واجهاته ومنها الجناح الذي كان يقيم فيه. وكان يعتزم زيارة مصانع النعمان، والمستشفي الانكليزي، وقصر العظم والمهاجرين. وجرت مصادمات مع الشرطة أدت الي سقوط قتيلين وأكثر من سبعين جريحا وخمسين معتقلا. ولم يشأ المفوض الفرنسي أن يتحمل مسؤولية وجود بلفور نظرا للاخلال الشديد بالأمن الذي تسببه وجوده، فوجه له طلبا بأن بغادر دمشق خلال ساعتين، وهكذا كان، حيث حملته قافلة مسلحة الي بيروت ثم الي الميناء رأسا بعد أن تجنبت السير في شوارع المدينة الرئيسية تفاديا للمظاهرات.وقد صدر عن مجلس النواب السوري بيان احتجاج جاء فيه: ان الشعب العربي السوري علي اختلاف طبقاته ومذاهبه يغتنم فرصة قدوم اللورد بلفور الي سورية ليجدد احتجاجه علي ذلك الوعد المشؤوم الذي رمي به قلب هذه البلاد فأدماه. ان الشعب العربي السوري الذي يرفع اليوم هذا الاحتجاج وهذه الاستغاثة لا يزال يري في عصبة الأمم محكمة عادلة لانصاف الشعوب الضعيفة التي ليس لها سلاح تتمسك به للدفاع عن حقوقها غير الحق والعدل .موسي كاظم الحسيني يستنجد بالملك فؤادعلي أن الأمر الذي أثار المشاعر وتولت جريدة الشوري عرضه بشكل مكثف وعبر عدة أعداد وفي كل عدد كان له أكثر من موقع علي صفحاتها، هو قبول مصر رسميا المشاركة في افتتاح الجامعة العبرية. فقد كان أول تلك الأخبار هو ما بلغها من أن وفدا من صهيونيي مصر قابل رئيس الوزراء أحمد زيور باشا ونقل اليه باسم الجمعية الصهيونية في لندن دعوة للحكومة المصرية للمشاركة في افتتاح الجامعة. وقد روت الصحف المصرية عن تلك المقابلة أن دولته استقبل الوفد الصهيوني بالبشاشة والترحيب وقال للوفد إنه سيرفع هذه الدعوة الي مجلس الوزراء، ثم أردف مشيدا باليهود، قائلا إنهم عملوا كثيرا لخير الانسانية. وعلقت الشوري علي الخبر بأن ارسال مندوب رسمي من مصر لحضور هذه الحفلة يغيظ أهل فلسطين ويؤلمهم، وأن الصهيونية تريد استثمار هذه الدعوة التي ظاهرها العلم استثمارا سياسيا. وناشدت زيور باشا بعدم مجاملة الصهيونية علي حساب اخوان مصر العرب الذين هم أولي بالمجاملة.. وأكدت أنه يوم حداد بالنسبة للفلسطينيين والمفروض في مصر أن تحترم حزن الأمة.. ( الشوري 19/3/1925).ويبدو أن اعتزاز العرب بالأجداد والآباء كان وما زال عادة لها مكانتها عندهم، فقد فعل أهل فلسطين في ذلك التاريخ مثلما يفعلون اليوم؛ فهذا موسي كاظم باشا الحسيني رئيس المؤتمر الفلسطيني يرسل الي الملك فؤاد مستنجدا: ان جدكم العظيم محمد علي باشا ووالدكم الجليل هما اللذان جمعا قلوب الأمة العربية حول مصر حتي أصبحت تري في عرش مصر عرشها.. فنلتمس العدول عن ذلك مراعاة لشعور الأمة المصرية جمعاء .كما أرسلت اللجنة الفلسطينية بمصر برقية، يلاحظ أنها موجهة الي الملك فؤاد والشعب المصري، تقول نرجو امعان النظر في حالة فلسطين الحاضرة فارسال مندوب مصري لحضور حفلة سياسية بلباس علمي أمر مناف لحقوق الجوار ومفكك للرابطة الشرقية .ومن نماذج البرقيات والاحتجاجات من فلسطين ما أرسله أهل نابلس حيث جاء في برقيتهم: الطليعة المفكرة في نابلس تعوذ بالأستاذ لطفي السيد من أن يتلوث اسمه النقي بحضور الحفلة الصهيونية ومشاركته للشامتين بعواطف فلسطين والعرب وحقوقهم . وقد وقعها العلماء والمحامون والتجار والصيادلة ورؤساء الجمعيات والنوادي الوطنية.وبالمقابل، فقد أثلج حضور مندوب مصر حفل الافتتاح صدر اليهود، فكتبت جريدة بالستاين ويكلي شامتة تقول: ان أمر ارسال الجامعة المصرية ممثلا رسميا لحضور افتتاح الجامعة العبرية لدليل بأنه حتي الدوائر الاسلامية العربية لا تشارك في الحركة التي قامت بها اللجنة التنفيذية الفلسطينية العربية ولا تتعاطف معها . وقد علقت جريدة الشوري علي كلام الجريدة اليهودية قائلة: لقد كسر حضور لطفي بك السيد لهذه الحفلة قلوبنا وجعل اليهود يشمتون بنا.. وحصل ما توقعناه، هذا بينما يصر لطفي بك علي أن الحفلة علمية فقط. ولكن مهلا فسيأتي يوم يعرف فيه الجمهور المصري ما صنعه من الاساءة الي أقرب الناس لمصر وسيكون حكمه شديدا ومن يعش ير . ( الشوري 9/4/1925)دفاع عن القضايا العربيةلقد أيد محمد علي الطاهر الملك فيصل في سورية والعراق، كما أيد الملك عبد العزيز في محاولته اختزال الامارات والمشيخات القائمة. ومدفوعا بنفس المباديء والمشاعر الوطنية فقد أيد الثورة السورية 1925 ـ 1927. كما ناصر المقاومة الليبية وخاصة عمر المختار الذي كان له معه مراسلات عديدة. وكذلك مع الامام السنوسي الذي كتب لأبي الحسن في أحد رسائله يقول بأنه يدعو له من جوار قبر الرسول الأعظم أن ينصره الله ويوفقه. وأرسل له سبحة من الخشب البسيط قائلا إنه لا يملك شيئا يجازيه علي وطنيته واسلامه سوي هذه السبحة. وقد كان أبو الحسن يعلق هذه السبحة علي الحائط في مكتبه ثم في منزله طوال حياته تبركا بها.واصل الطاهر حملته علي فظائع ايطاليا في ليبيا وركز علي الجنرال غرازياني الحاكم العام ونائب الملك مما دعا ايطاليا الي الاحتجاج لدي الحكومة المصرية – الانكليزية. وتصادف أن كان يترأس الوزارة في مصر آنذاك اسماعيل صدقي باشا الملقب بعدو الشعب المصري، فقد ألغي دستور 1922 وظلت مصر في عهده ما بين 1930 ـ 1933 بدون دستور. وتشبثت الحكومة المصرية بقانون حماية رؤساء الدول من النقد معتبرة الجنرال بأنه ذات ملكية لأنه يحمل لقب نائب الملك. ولم تفلح محاولة أبي الحسن في بيان أنه مجرد موظف في وزارة المستعمرات الايطالية. وأصدر صدقي باشا قرارا بتعطيل الشوري . ولما احتج أبو الحسن وطلب مقابلة رئيس الوزراء، بادره هذا بالقول ايه ده يا أخينا، انت ضيف والا حامل سيف ، وأصر علي موقفه والذي أتبعه باضافة مادة وحيدة في قانون المطبوعات المصري لا تنطبق سوي علي الأستاذ محمد علي الطاهر وهي منع غير المصري من اصدار جريدة باللغة العربية، ولم يكن الأستاذ يحمل الجنسية المصرية. وهكذا توقفت الشوري .رسالة محمود عزميلما اشتدت ثورة فلسطين سنة 1936 وعز عليه نصرها، تقدم الدكتور محمود عزمي وهو أحد أعلام الصحافة والأفكار الليبرالية في مصر، باهداء جريدة الشباب الي صديقه الأستاذ الطاهر دون مقابل، ووجه اليه رسالة. وهنا لا بد من الاشارة الي أن الدكتور محمود عزمي قد تولي فيما بعد رئاسة وفد مصر في الأمم المتحدة وانتخب رئيسا للجنة حقوق الانسان بها وصدر طابع بريد مصري يحمل صورته تكريما وتقديرا.واصل الأستاذ محمد علي الطاهر اصدار جريدة الشباب مركزا علي أخبار الثورة الفلسطينية وفظائع الانكليز مما حدا بهم للضغط علي السلطات المصرية لاغلاق الجريدة وهكذا كان. ولم يتردد الطاهر باصدار جريدة جديدة هي العلم والتي سارت علي نفس الخط.ہ كاتب من الأردن7