الخرطوم ـ «القدس العربي»: ارتفعت حصيلة الاشتباكات القبلية في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، إلى 56 قتيلا و132 جريحا، أمس الثلاثاء، وفيما ناشدت حركة «جيش تحرير السودان» قيادة عبد الواحد نور «المجتمع الدولي لحماية المدنيين» اتهمت «الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال» الحكومة المركزية بالتورط في القتال.
وقال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان «أوتشا» في بيان «قتل 56 شخصا في القتال بين المساليت والقبائل العربية».
وأضاف «سمعت أصوات إطلاق النار صباح يوم السادس من نيسان / إبريل في كل أجزاء المدينة، كما تم تدمير محطة كهرباء المدينة مما تسبب في حرمانها من خدمات الكهرباء».
«لجنة أطباء» ولاية غرب دارفور أكدت أن «الجرحى والمصابين يتلقون العناية الصحية في مستشفيات الجنينة والسلاح الطبي بجانب مستوصف النسيم».
والعنف الذي يدور بين قبيلة «المساليت» الأفريقية وقبائل عربية في المدينة، اندلع حسب وسائل إعلام محلية، على خلفية مقتل شخصين من أبناء قبيلة «المساليت» (الأفريقية) في شارع يفصل بين المناطق السكنية للقبائل الأفريقية والعربية، وفرّ الجناة إلى جهة مجهولة.
ووفق بيان اللجنة، فإنه «رغم الهدوء النسبي للأحداث، منذ ليلة أمس الأول، إلا أن الطواقم الطبية التي تتوزع على هذه المستشفيات ما زالت تعاني صعوبات بالغة في الحركة، وكذلك تعاني المؤسسات الطبية من غياب التأمين، خاصة مستشفى الجنينة التعليمي».
وأضافت: «لا يزال بإمكان المسلحين الدخول إليها والخروج منها دون أن يعترضهم أحد، مما يثير حالة من الفزع والخوف وسط العاملين ويعيق بصورة كبيرة تقديم الخدمة العلاجية بالسرعة والكفاءة اللازمة».
وأكد مواطنون من المدينة لـ «فرانس برس» سماعهم دوي إطلاق نار صباح الثلاثاء من ناحية جنوب غرب المدينة.
وقال محمد أحمد عبد الرحمن أحد سكان المدينة للوكالة عبر الهاتف «ليلة(الاثنين) كان هناك هدوء لكن صباح اليوم (أمس) سمعنا أصوات إطلاق نار من ناحية حي الجبل استمر لحوالى ساعة».
وأكد مواطن آخر سماعه إطلاق النار، على الرغم من بعد مسكنه بحوالى ثلاثة كيلومترات من حي الجبل في الجنينة.
في السياق، كشفت مصادر لموقع «دارفور 24» في غرب دارفور عن إصابة ضابط برتبة رائد من قوات «الدعم السريع» وأفراد آخرين في اشتباكات مع حركة «التحالف السوداني» (أغلبيتها من المساليت) في منطقة الجبل في مدينة الجنينة.
واعتبرت حركة «جيش تحرير السودان» قيادة عبد الواحد نور في بيان رسمي أمس أن «الأحداث المتكررة وظاهرة الانفلات الأمني الممنهج في دارفور وكثير من مناطق السودان، تؤكد عجز حكومة الخرطوم وأذرعها الولائية في حفظ الأمن وحماية المدنيين ونزع السلاح من أيدي الميليشيات والمواطنين».
وناشدت «المجتمع الدولي للقيام بواجبه الإنساني والأخلاقي وحماية المدنيين في إقليم دارفور» قاطعةً بـ«ضرورة إعادة النظر في قرار مجلس الأمن الدولي الذي قضى بخروج بعثة يوناميد من دارفور».
وأضافت: «هنالك ضرورة قصوى لإرسال قوة أممية تحت الفصل السابع لها القدرة والإمكانات في حماية المدنيين وفرض الأمن على الأرض».
وتابعت إنّ «تسارع الأحداث الدامية واتساع رقعتها وغياب دور الحكومة التي أصبحت تتفرّج على الأشلاء والدمار وتشريد المواطنين، ينذر بانفلات أمني خطير ومقدمة لحرب أهلية شاملة تقود إلى تفكيك السودان».
تعليق الأنشطة الإنسانية
وعلقت الأمم المتحدة ومنظمات العمل الإنساني جميع الأنشطة الإنسانية في ولاية غرب دارفور.
وحسب تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية «أوشا» «مع بدء إطلاق النار أغلقت الأسواق المحلية، وصدرت تعليمات لموظفي الأمم المتحدة بالبقاء في منازلهم وتم إلغاء الرحلات الإنسانية».
وأضاف: «وفقا للشركاء على الأرض، تم إغلاق جميع الطرق حول الجزء الجنوبي من الجنينة وتم تعليق جميع الأنشطة الإنسانية».
وكشف عن «فرار سكان حي الجبل والجمارك من منازلهم حيث لجأوا إلى المساجد» ولفت إلى أن «الصراع بين المساليت والمجتمعات العربية قاد في منتصف شهر يناير/ تشرين الثاني الماضي إلى نزوح أكثر من 108000 شخص، ما زالوا إلى اليوم يحتمون بالمدارس والمرافق الصحية في بلدة الجنينة».
قلق أوروبي… ومجلس الدفاع يفوض القوات النظامية لحسم الفوضى الأمنية
ودعا رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة «يونيتامس» روبرتس فولكر، في تغريدة على «تويتر» جميع الأطراف إلى «وقف القتال والسماح للقوات الحكومية باستعادة الأمن».
وأردف: «لإيجاد حل يجب معالجة الأسباب الكامنة وراء النزاعات».
كما دعت السفارة البريطانية لدى الخرطوم، جميع الأطراف في الجنينة إلى وقف العنف.
وتحدث السفير البريطاني لدى السودان جوليان رايلي، في تغريدة على «تويتر» عن «تقارير مروعة ترد من الجنينة بغرب دارفور، وتراقب المملكة المتحدة الوضع عن كثب».
كذلك أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ، وطالب جميع مكونات الحكومة الانتقالية ببذل قصارى جهدها لوقف العنف. ولفت إلى تكرار المشاهد المؤلمة ذاتها لإحراق المنازل والقتلى والجرحى، بعد أكثر من ستة أشهر على توقيع اتفاق جوبا للسلام.
وجدد التأكيد على أن المواطنين في الجنينة وجميع المناطق في السودان يستحقون السلام والأمن. وكان مجلس الأمن والدفاع السوداني عقد جلسة طارئة ليل أمس الأول، أقر خلالها «إعلان حالة الطوارئ في ولاية غرب دارفور وتفويض القوات النظامية لاتخاذ كل ما يلزم لحسم النزاعات القبلية».
وأعلن وزير الدفاع اللواء الركن يس إبراهيم يس، عقب الاجتماع الذي ترأسه عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة «عن تشكيل المجلس لجنة عليا بتفويض وسلطات كاملة منه، للتعامل مع الخروقات في نصوص اتفاق السلام».
وأوضح أن «المجلس قرر سن تشريعات قانونية خاصة تضمن للفرد النظامي حسم التفلتات الأمنية بالطرق المشروعة، واحتكار أجهزة الدولة النظامية والأمنية لاستخدام القوة العسكرية، فضلا عن مواصلة حملة الجمع القسري للسلاح وردع كل من يحمل السلاح خارج الإطار القانوني».
وأضاف: «المجلس قرر رفع درجة التنسيق بين الأجهزة النظامية والأمنية، وتكثيف وتفعيل العمل الأمني والاستخباراتي ضد الأنشطة الهدامة لحسم المظاهر العسكرية السالبة».
وكان المجلس، حسب البيان «استعرض خلال الاجتماع الموقف الأمني، وتلقى تنويرا عن الأوضاع بشكل عام، وبصفة خاصة في ولايات شمال وشرق وغرب دارفور، في كل من الجنينة ومنطقة ود السريف بني حسين ومناطق البترول في شرق دارفور، واطلع على الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومات الولائية والأجهزة الأمنية والنظامية لاحتواء الموقف».
تأييد القرارات
وسارعت الجبهة الثورية (تضم كافة الفصائل الموقعة على سلام جوبا) إلى إصدار بيان صباح أمس الثلاثاء تؤيد فيه قرارات مجلس الأمن والدفاع.
وأوضحت في بيان «الجبهة الثورية تؤمن على قرارات مجلس الأمن والدفاع بفرض حالة الطوارئ وتفويض القوات النظامية لفرض هيبة الدولة وفي الوقت ذاته تدعو لتبني الحلول السياسية لإيجاد حل جذري لأزمة الولاية».
وتابعت «تدعو الجبهة إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للنظر في أسباب النزاع المتكرر ولتقديم المتسببين في الأحداث إلى محاكم عادلة، مع الإسراع في تشكيل القوات المشتركة لحماية المدنيين في دارفور المنصوص عليها في اتفاق جوبا لسلام السودان».
لكن «الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال» اتهمت الحكومة المركزية بالتورط في القتال.
وأكد السكرتير العام للحركة، عمار آمون دلدوم، في بيان أن «هذه الأحداث المؤسفة وبالأسلحة التي استخدمت فيها تؤكد تورُّط السلطات المركزية في الخرطوم وتواطؤها مع مُرتكبيها». وطالبت الحركة السلطات بـ«حسم الفوضى والتفلُّتات الأمنية وبسط سيطرتها على هذه الميليشيات التي ترعاها وتقوم بحمايتها»
وأدانت «تكرار الأحداث في الجنينة وصمت السلطات المريب وتقاعسها عن الالتزام بواجباتها وحماية المواطنين كما لو أنهم لا ينتمون إلى الدَّولة»
وطالبت بـ«حل قوات الدعم السريع ودمجها في القوات المسلحة».
واعتبرت «انتشار السلاح في أيدي الميليشيات القبلية وقوات الدعم السريع يجعل السلام والأمن والاستقرار مُستحيلاً، ولذلك لا بد من حلها ودمجها في القوات المُسلحة لتكون تحت قيادة موحَّدة وبعقيدة عسكرية جديدة».
وذكرت أن مثل هذه الأحداث المُتكرِّرة، وباستراتيجية واضحة لا تُساعد على بناء السَّلام الشامل» وأكدت أنه «ما لم تتدخَّل الدَّولة وتتعامل بجدية مع هذا العنف الوحشي والبربري فإن الإقليم يُمكِن أن يخرُج عن السيطرة وينفرط عقد الأمن».
واعتبرت أن «هذه الأجواء تؤكِّد عدم وجود سلام برغم توقيع اتفاق جوبا في 3 أكتوبر 2020، ولا تُبشِّر أيضاً بسلامٍ قادم».
واعتبر الكاتب الصحافي عبد الله رزق، رئيس تحرير صحيفة «الجماهير» أن تجدد أحداث العنف في الجنينة دليل على فشل قادة الأجهزة الأمنية.
وقال في مقاله أمس «ما يحدث في الجنينة، منذ مطلع الأسبوع الحالي، من اقتتال هو الثاني من نوعه، خلال شهرين، والثالث خلال أربعة عشر شهرا، يقدم دليلا ملموسا ودامغا على فشل المكون العسكري للسلطة الانتقالية، الذي يحتكر التعاطي مع الملف الأمني وإدارته» وذلك «بعد أن شهدت الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور، مطلع هذا العام، ومطلع العام الماضي، زيارات لكبار المسؤولين بالدولة، عقب كل جولة من جولات الاقتتال القبلي».
وتابع : «يعزز تجدد هذا الاقتتال للمرة الثالثة، والذي تنطلق شرارته، عادة، من مشاجرة شخصين، لأبسط الأسباب، فرضية أن المسؤولين، وفي مقدمتهم، مسؤولو الأمن، الاتحاديون والولائيون، لم يحسنوا مخاطبة جذور الأزمة، حسب العبارة الذائعة، وهو سبب كاف لإقالتهم، إن لم يستقيلوا من تلقاء أنفسهم. وهو مؤشر لاحتمال تجدد القتال في أي وقت».
وحسب رزق «لا يتعلق الأمر بالجنينة وحدها، وإنما بالعديد من مدن دارفور مثل سرف عمرة وقريضة، وبرام أو نيرتيتي».
ولفت إلى أن «سلام جوبا الذي وقع على اتفاقه أكثر من ثمانين حركة مسلحة، لم ينعكس إيجابا، بأي شكل من الأشكال، على واقع دارفور، من حيث خفض حدة الصراع واستتباب الأمن، ما يمكن من الادعاء، أيضا، بأن التجمع الذي استضافته جوبا، عاصمة جنوب السودان، كان أبعد ما يكون من مخاطبة جذور المشكل الدارفوري، في تطوره الراهن».
وختم بالقول «يقتضي فشل المكون العسكري، وواجهته الممثلة في مجلس الأمن والدفاع في اختبار الأمن، إعفاء كافة المسؤولين عن الملف، وإعادته لمجلس الوزراء، كجهة اختصاص، ومن ثم إعادة هيكلة الشرطة والمخابرات، وتكوين جهاز الأمن الداخلي، واستكمال تشكيل المنظومة العدلية، وإعادة المفصولين سياسيا وتعسفيا، من القوات النظامية، كافة، للعمل، وإصلاح القوانين بما يتسق مع شعارات الثورة، والشروع الفوري في دمج كافة الميليشيات في القوات المسلحة».