لندن – «القدس العربي»: من حين الى آخر، تُصيب أندية الكرة القدم الهدف، بالتوقيع مع لاعبين يحدثون طفرة حقيقية ويكون لهم تأثير هائل على فريقهم، منهم نماذج بالجملة في القرن الماضي، أشهرهم على الإطلاق صفقة إيريك كانتونا، الذي بنى عليه سير أليكس فيرغسون مشروع نهضة مانشستر يونايتد الحديثة، بعد ضمه من العدو الأزلي ليدز يونايتد مقابل 1.2 مليون جنيه إسترليني، ليفوز مع الشياطين الحمر بلقب البريميرليغ 4 مرات في 5 سنوات، ونفس الأمر ينطبق على مواطنه تييري هنري، الذي ورط مواليد الثمانينات والتسعينات في غرام آرسنال، انبهارا بخرافاته في حقبة الأستاذ آرسين فينغر الذهبية، بعد قدومه من يوفنتوس عام 1999، وآخرون في الألفية الجديدة مثل فرانك لامبارد مع تشلسي، ودافيد تريزيغيه مع يوفنتوس، وزين الدين زيدان مع ريال مدريد، وريكاردو كاكا مع ميلان.
كبير السحرة
صحيح هناك صفقات حديثة سيضرب بها المثل في المستقبل البعيد، كتجربة سيرخيو أغويرو مع مانشستر سيتي، وفرانك ريبيري مع بايرن ميونيخ، وما يفعله الآن محمد صلاح مع ليفربول، لكن بنظرة أكثر شمولية وواقعية على الصفقات الخمس الأكثر تأثيرا في الألفية الثالثة، أو بالأحرى الصفقات التي غيرت حظوظ الأندية وجعلتها قوة عظيمة لفترة ليست قصيرة خلال العقدين الماضيين، سيتعين علينا العودة إلى الوراء 17 عاما، لنتذكر ما فعله كبير السحرة رونالدينيو بعد انتقاله من باريس سان جيرمان إلى برشلونة في صيف 2003، في صفقة كلفت الرئيس خوان لابورتا حوالي 32 مليون يورو، بعد معركة حامية الوطيس مع مانشستر يونايتد، والمثير أن المحامي الكتالوني اضطر للقتال على هذه الصفقة، لحفظ ماء وجهه أمام جماهير وأعضاء النادي، بعد فشله في تنفيذ وعده الانتخابي، بالتوقيع مع أسطورة الإنكليز ديفيد بيكهام، الذي لم يقاوم إغراء اللعب مع أحجار الميرينغي الكريمة، التي كانت متمثلة في أسماء بحجم زين الدين زيدان، ولويس فيغو، والظاهرة رونالدو، وروبرتو كارلوس، وراؤول وباقي أساطير تلك الحقبة.
وتجسدت مقولة «رب ضارة نافعة» مع لابورتا، بوصول رونالدينيو إلى ذروة إبداعه وعبقريته كلاعب كرة قدم، متقمصا دور البطل في مشروع الهولندي فرانك رايكارد، منذ عودته من الإصابة مع بداية النصف الثاني من موسمه الثاني، لينتشل الفريق من براثن الضياع ويعيده إلى وصافة الليغا في نهاية موسم 2003-2004، الذي توج به بلنسية للمرة الثانية في غضون ثلاث سنوات آنذاك، وفي الموسم التالي، قاد البلوغرانا لأول لقب ليغا في القرن الجديد، وأول لقب منذ موسم 1998-1999، وواصل الإبهار في موسمه الثالث، بظهوره بنسخة فضائية، استمتع بها المحظوظون بمشاهدة معجزاته في موسم إذلال الريال بالثلاثة في قلب «سانتياغو بيرنابيو»، وإجبار جماهيره على التصفيق له بعد مشاهده العبثية مع راموس والدفاع الأبيض، بخلاف دوره الكبير في عودة كأس دوري أبطال أوروبا إلى «كامب نو» بعد غياب دام 14 عاما، بالفوز على آرسنال في نهائي «سان دوني» 2006، ما ساعده على الاحتفاظ بجائزة أفضل لاعب في العالم عامي 2004 و2005، فضلا عن فوزه بالكرة الذهبية من مجلة «فرانس فوتبول» في 2005، فيما يعتبره الكثيرون بمثابة نقطة التحول الحقيقية في تاريخ برشلونة الحديث، الذي تعاظمت ثرواته ومداخيله الثابتة، إلى أن تربع على عرش كرة القدم تحت قيادة بيب غوارديولا عام 2009، وكان ذلك في سنوات رخاء ريال مدريد وتمرس فلورنتينو بيريز على شراء «غالاكتيكوس» في كل نافذة صيفية.
الأستاذ والتلميذ
قبل أن يتحول باريس سان جيرمان إلى قوة عظيمة في فرنسا وأوروبا مع وصول الإدارة القطرية في 2012، كان ليون يعيش في عالم مواز لخصومه المحليين، بفضل صفقة القرن، بضم الأسطورة جونينيو بيرنامبوكانو من فاسكو دا غاما في صيف 2001، ليقود أصحاب ملعب «الأضواء» إلى حقبة غير مسبوقة في تاريخهم، وصلت لحد إنهاء انتظار لحظة معانقة الليغ1 للمرة الأولى منذ 102 عام، وكانت أول بطولة دوري يتحصل عليها، ولم يكتف بذلك، بل حافظ على اللقب سبع مرات على التوالي، في إنجاز لم يحققه أي ناد منذ انطلاق البطولة في الثلاثينات، والسبب الأول يرجع لعبقرية جونينيو وتأثيره الكبير في جيل غريغوري كوبيه وسيدني غوفو والبقية، بتوقيعه على 100 هدف من مشاركته في 350 مباراة بقميص ليون، منها 44 هدفا بطريقته الخاصة، بركلات ثابتة سينمائية من خارج منطقة الجزاء، ما جعل علاقته بالنادي والجماهير تذهب إلى مستوى أبعد من علاقة لاعب محترف بناديه السابق، والدليل، عودته بعد الاعتزال للعمل كمدير رياضي منذ 2019 وحتى الآن.
أيضا تلميذه الإيطالي أندريا بيرلو، الذي قضى سنوات في تعلم التقنية التي يُسدد بها جونينيو الكرات الثابتة، هو الآخر ساهم في إعادة تشكيل موازين القوى في جنة كرة القدم مع بداية العقد الثاني في الألفية الجديدة، بانتقاله إلى يوفنتوس بعد استغناء ميلان عنه في صيف 2011، وكان ذلك في أحلك سنوات السيدة العجوز المظلمة، بعد الاستفاقة الخجولة من توابع فضيحة «الكالتشيوبولي»، التي أعادت زعيم الطليان إلى المربع صفر، أولا بتجريده من لقبين «سيريا آه»، ثانيا وهو الأسوأ، إرساله إلى دوري القسم الثاني وخصم 17 نقطة من رصيده، وبعد سنواته من ابتعاد اليوفي عن المشهد والمنافسة على الألقاب، وجد ضالته مع انضمام الأنيق بيرلو إلى مشروع أنطونيو كونتي، ليضع حجر أساس الفريق الذي أعاد شخصية وهيبة يوفنتوس، بالسيطرة على الاسكوديتو طيلة العقد الماضي، وفعل ذلك بالمساهمة في احتكار لقب الدوري 4 مرات، من أصل 7 بطولات محلية توج بها على مدار 4 سنوات بالقميص الأبيض والأسود، ولولا الخسارة أمام برشلونة MSN في نهائي 2015، لزين رحلته بالأبطال قبل أن يتخذ قرار الانفصال، كي يختم مسيرته في هدوء في الدوري الأمريكي، ولأنه ترك إرثا لا ينسى في تاريخ «يوفنتوس آرينا» المعاصر، كافأته الإدارة بوضعه في سُدّة حكم القيادة الفنية خلفا لمواطنه ماوريسيو ساري الصيف الماضي، بطريقة مشابهة لما حدث مع جونينيو، بعودته إلى ليون بثوب المسؤول بعد الاعتزال.
المدافع الخارق
في النصف الثاني للعقد الذي شهد توهج بيرلو مع يوفنتوس، تحديدا في شتاء 2018، كان مدرب ليفربول يورغن كلوب على موعد مع شراء القطعة المفقودة في مشروعه الكبير في «آنفيلد»، بإعلان ضم الصخرة الهولندي فيرجيل فان دايك من ساوثهامبتون، مقابل رسوم بلغت حوالي 75 مليون جنيه إسترليني، في ما شكل صدمة للوسط الرياضي، باعتبارها المرة الأولى، التي يصل فيها سعر المدافعين إلى هذه المبالغ، لكن سرعان ما تكفل قائد الطواحين البرتقالية بالرد العملي، بتأثير فوري، تجلى في تخلص المدرب الألماني وفريقه من صداع الهشاشة الدفاعية، التي كانت تمثل نقطة ضعف واضحة، مقارنة بالهجوم الناري في وجود الثلاثي محمد صلاح وساديو ماني وروبرتو فيرمينو، بخلاف دوره التكتيكي داخل المستطيل الأخضر، كمدافع تُبنى عليه إستراتيجية المدرب، بفضل قدرته على التمرير ولعب الكرة بسلاسة من الخلف إلى الأمام، وأشياء أخرى كسلاح ضربات الرأس في الركنيات والألعاب الثابتة، وقبل أي شيء قراءته الخارقة لأفكار خصومه وشخصيته القيادية داخل المستطيل الأخضر. كل ما سبق، ساهم في تحول ليفربول إلى النسخة المرعبة، التي تشكلت في أول ستة شهور من انضمامه للفريق، والتي أسفرت عن تأمين المقعد المؤهل لدوري الأبطال، إلى جانب الوصول إلى نهائي دوري الأبطال للمرة الأولى منذ 11 عاما آنذاك، قبل أن يحدث الانفجار العظيم في العام التالي، بالاستحواذ على ذات الأذنين والكأس السوبر الأوروبية وكأس العالم للأندية، في موسم ختمه فيرجيل بالحصول على جائزة أفضل لاعب في البريميرليغ، في أول موسم كامل له مع عملاق الميرسيسايد، وفي الموسم التالي، كان صمام أمان المجموعة التي كسرت عقدة ليفربول مع الدوري الإنكليزي للمرة الأولى منذ 30 عاما، بجمع 100 نقطة، وما يعكس تأثيره وقيمته داخل الكيان الأحمر، حالة التدهور التي وصل لها الفريق لعدم وجود بديل على نفس مستواه، وذلك منذ إصابته القاسية بقطع في الرباط الصليبي في بداية الموسم.
صفقة القرن
تبقى صفقة القرن، التي صُنفت على أنها الأغلى في صيف 2009، بانتقال كريستيانو رونالدو من مانشستر يونايتد إلى ريال مدريد مقابل 80 مليون جنيه إسترليني، ليعبث بالتاريخ على مدار تسع سنوات، اعتلى خلالها صدارة هدافي نادي القرن الماضي، محطما أرقام أساطير بحجم ألفريدو دي ستيفانو وراؤول، وكل من ارتدى القميص الأبيض منذ تأسيس النادي، بتوقيعه على 450 هدفا من مشاركته في 438 مباراة في مختلف المسابقات، كانت سببا رئيسيا في عودة زمن الخمسينات الجميل، بالفوز بكأس دوري أبطال أوروبا 4 مرات في الفترة بين عامي 2014 و2018، من أصل 16 بطولة جماعية حققها مع الميرينغي، بواقع 3 ألقاب كأس عالم للأندية، و3 ألقاب سوبر أوروبي، ولقبي دوري إسباني ومثلها كأس الملك والسوبر المحلية، ما ساعده على افتكاك جائزة أفضل لاعب في العالم 4 مرات من الغريم الأولي ليونيل ميسي، طوال سنوات التنافس في إسبانيا، دليلا على أنه الصفقة الأكثر تأثيرا في تشكيل موازين القوى في حقبة ما بعد عام 2000، بدوره الكبير بوضع الريال على قائمة الأندية الأكثر تتويجا بالألقاب القارية في أوروبا أول عقدين، وأنت عزيزي القارئ، من تعتقد أنه كان يستحق التواجد بجانب صاروخ ماديرا في هذه القائمة؟