تواصل حكومة الكاظمي رغم ضغوط القوى الولائية وإيران مساعيها للانفتاح على الخارج لحل أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، عبر الحفاظ على علاقتها مع الولايات المتحدة وتطويرها مع الدول العربية.
بغداد-»القدس العربي»: رغم الضغوط الهائلة للفصائل الولائية وإيران، أعلنت حكومة بغداد، نجاح الجلسة الجديدة من الحوار العراقي الأمريكي، والاتفاق على أسس التعاون المشترك وخاصة في المجال العسكري والأمني، وسط حملة تفجيرات على قوافل التحالف الدولي بعد يومين من زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إلى بغداد ولقاءه بأحزاب وفصائل مسلحة شيعية.
وفي أعقاب الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، أعلنت الدولتان، اتفاقهما على تحول دور القوات الأمريكية والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم «الدولة» في العراق إلى «استشاري تدريبي» مع انسحاب القوات القتالية وفق جدول زمني يتفق عليه الطرفان في «محادثات فنية مقبلة». وقال الطرفان في بيان مشترك إن «دور القوات الأمريكية وقوات التحالف قد تحول الآن إلى المهمات التدريبية والاستشارية» على «نحو يسمح بإعادة نشر المتبقي من القوات القتالية خارج العراق».
وقال رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي في تغريدة على «تويتر» إن «نتائج الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بوابة لاستعادة الوضع الطبيعي في العراق» مبينا أن الحوار هو الطريق السليم لحل الأزمات، «لا الصراعات والحروب والسلاح المنفلت والمغامرات» وهو رد على طلب الفصائل المسلحة الولائية إخراج القوات الأمريكية فورا.
وخلال الحوار، جدد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، طلب استمرار التعاون العسكري والاقتصادي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، لاستمرار «حاجةً العراق إلى البرامج التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية المتعلقة بالتدريب والتسليح والتجهيز وتطوير الخبرات، ومواصلة التنسيق والتعاون الأمني الثنائي».
وفيما أكد وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكين، ان «الاجتماع يأتي تأكيدا على علاقة الشراكة بين العراق والولايات المتحدة» مشيدا بانفتاح العراق في علاقاته العربية والدولية، فإن مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود، أعلن في مقابلة خاصة مع قناة «الحرة» أن الحكومة العراقية لم تطلب خلال الحوار الاستراتيجي، مغادرة القوات الأمريكية من العراق.
وقد جاء الحوار وسط أجواء من الضغوط والتهديدات من قبل القوى الشيعية والفصائل الموالية لإيران، التي هددت بتوجيه ضربات «كبيرة ودقيقة» للقوات الأمريكية في البلاد، إذا لم تعلن بغداد وواشنطن موعداً واضحا لانسحاب تلك القوات، وذلك حسب بيان «الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية» التي تضم فصائل شيعية مسلحة مرتبطة بإيران، ولذا فقد صاحبت الحوار الأمريكي العراقي حملة واسعة من تفجير العبوات الناسفة، على القوافل التابعة للتحالف الدولي التي تنقل المعدات والتجهيزات، في جنوب ووسط العراق، إضافة إلى ضبط قاعدة صواريخ فيها 24 صاروخا معدا للإطلاق نحو قاعدة الأسد في الأنبار التي يتواجد فيها جنود أمريكان. وهذا التصعيد جاء بعد زيارة سرية إلى بغداد، قام بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري العميد اسماعيل قاآني، لم يلتقِ خلالها بالكاظمي أو أي من القيادات الحكومية، بل اقتصرت لقاءاته على زعماء الفصائل المسلحة الولائية وشخصيات سياسية شيعية، في توقيت واضح الدلالات له علاقة بالحوار العراقي الأمريكي، والمباحثات الأوروبية الإيرانية حول الملف النووي الإيراني، بهدف ممارسة مزيد من الضغط على واشنطن وأوروبا لفك أزمتها الخانقة جراء العقوبات الأمريكية.
الا ان التطور اللافت بهذا الصدد، هو المعلومات التي نشرتها وكالة «اسوشيتد بريس» الأمريكية، من ان الكاظمي وجه رسالة شديدة اللهجة إلى إيران، قبل بدء الحوار الأمريكي العراقي، بضرورة لجم الفصائل التي تسيطر عليها وإلا فإن العراق سيكشف الجهات التي تدعم الفصائل، كما أبدى فيها استعداده لمواجهة الميليشيات التي تتحدى الدولة، حسب الوكالة. وإذا صح وجود هذه الرسالة، فهو تطور مهم جدا في موقف الكاظمي ازاء التعامل مع تحدي الفصائل لحكومته، ربما يستند إلى دعم أمريكي وعربي، للحد من نفوذ إيران في العراق.
وضمن ردود الأفعال على نتائج الحوار، لم يكن مستغربا، ترحيب ودعم رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، لنتائج الحوار الاستراتيجي العراقي الأمريكي، داعيا إلى مزيد من المشاركة والتعاون. بل ان قوى شيعية، اتهمت ممثل الوفد الكردي في الحوار، بانه أبدى الرغبة ببقاء القوات الأمريكية في الإقليم، كما كان الإقليم أعلن صراحة رغبته ببقاء القوات الأمريكية في قاعدة أربيل. ويلتقي الموقفان الكردي والسني في عدم الرغبة بالانسحاب الكلي للقوات الأمريكية، بهدف الحفاظ على نوع من التوازن على الساحة العراقية، مقابل تغلغل النفوذ الإيراني، وهو ما جعل النواب الأكراد والسنة، يمتنعون عن التصويت على قرار البرلمان في5 كانون الثاني/يناير 2020 بإخراج القوات الأجنبية من العراق.
وفي شأن ذو صلة وتزامنا مع الحوار العراقي الأمريكي، فقد أعلنت الحكومة العراقية، عن التأجيل الثاني للقمة الثلاثية المزمعة مع مصر والأردن إلى أجل غير مسمى، حيث ربط المراقبون، بين هذا التأجيل، وبين تلقي الكاظمي تهديدات من فصائل مسلحة ولائية تحذر من الاندفاع باتجاه البلدان العربية على حساب العلاقة مع طهران. وقد أثار التأجيل المتكرر لتلك اللقاءات، مخاوف من ضغوط إيرانية لافشال العلاقات العراقية العربية.
وهكذا فإن حكومة الكاظمي تواصل، ورغم ضغوط القوى الولائية وإيران مساعيها للانفتاح على الخارج لحل أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، عبر الحفاظ على علاقتها مع الولايات المتحدة وتطويرها مع الدول العربية، وهو النهج الذي لا يلقى قبولا من إيران وحلفائها في العراق بالتأكيد، مما قد يدفع الفصائل الولائية إلى تصعيد مواقفها المتشددة، سواء في افتعال المزيد من المشاكل مع حكومة الكاظمي، أو استهداف المصالح العربية والأمريكية، وذلك للابقاء على العراق ضعيفا وتحت الهيمنة وبالتالي سيكون الكاظمي أمام الخيار الأصعب، وهو مواجهة أذرع إيران في العراق، فهل سيفعلها أخيرا مستفيدا من الدعم الأمريكي العربي؟