واشنطن-»القدس العربي»: أكدت صحف أمريكية أن الوقت قد حان لتدخل حاسم من الولايات المتحدة بعد أن تزايدت المؤشرات على اتجاه مصر وأثيوبيا إلى صراع على المياه، وقالت إنه من الواضح أن ست سنوات من المفاوضات العقيمة والإجراءات الأحادية قد دمرت «النوايا الحسنة» التي أظهرها قادة الدول عندما وقعوا إعلان مبادئ بشأن سد النهضة المثير للجدل في اذار/مارس 2015.
وأشارت وسائل الإعلام إلى أن المفاوضات انهارت بشأن بناء وتشغيل السد الكبير على نهر النيل، والذي تخشى مصر في أن يتسبب في حالة من الجفاف بالبلاد، كما حذر الرئيس المصري من أنه «لا يمكن لأحد أن يأخذ قطرة مياه واحدة من مصر، ومن يريد فليحاول» كما كشف الجيش المصري في اليوم التالي عن تدريبات مشتركة للقوات الجوية مع السودان، أُطلق عليها اسم «نسور النيل» في حين تمضي الحكومة الأثيوبية قدماً في خططها لملء خزان السد، الذي تريد استكماله بحلول عام 2023.
وعلى الرغم من رفض أثيوبيا للدعوة المصرية-السودانية لوساطة خارجية إلا أن العديد من المحللين الأمريكيين قالوا إنه يجب التفاوض على حل طويل الأمد، حيث يوفر النيل الأزرق 85 في المئة من المياه المتدفقة في نهر النيل بمصر، مع الإشارة إلى أن المصريين يعتمدون لقرون على النهر في جميع احتياجاتهم المائية، كما أن مصر تعتبر أي تخفيض في حصتها الحالية تهديداً وجودياً، في حين تنظر أثيوبيا من جانبها إلى النيل على أنه مورد وطني غير مستغل، ويمكن أن يحسن بشكل كبير من مستوى معيشة سكانها.
وعلى حد تعبير صحيفة «واشنطن بوست» فقد أدت السياسة المصرية الفاشلة والمتغطرسة في شرق أفريقيا إلى تعقيد الأمور بشكل أكثر مع تاريخ من عدم الثقة بين مصر وأثيوبيا، بما في ذلك عداء أنور السادات للنظام الشيوعي للبلاد في السبعينيات وقيام حسني مبارك بعزل منطقة جنوب الصحراء الكبرى.
وبالنسبة لأثيوبيا، فإن النيل يُعامل على أنه مورد طبيعي وطني وليس مشتركاً، مما زاد من توتر القادة في مصر.
وقال المحللون الأمريكيون إنه لا جدوى من إلقاء اللوم على الفشل الدبلوماسي الحالي، حيث لم تقترب الأطراف من اتفاق، وأكدوا أن هناك فائدة قليلة من المشاركة في المناقشات القانونية حول الحقوق والالتزامات المتعلقة بالممرات المائية العابرة للحدود.
وعلى الجانب الرسمي، ناقش مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، مع نائب رئيس وزراء أثيوبيا، ديميكي ميكونين، أهمية استمرار الحوار لحل قضية سد النهضة بشكل سلمي.
وبحسب بيان صادر عن البيت الأبيض حول المكالمة الهاتفية، فقد ناقش سوليفان وميكونين أهمية استمرار الحوار بين القادة الإقليميين، بدعم من الاتحاد الأفريقي، لحل الخلافات الحالية المتعلقة بالسد، كما أعرب سوليفان عن «القلق البالغ لإدارة بايدن بشأن استمرار الأزمة الإنسانية وحقوق الإنسان في منطقة تيغراي».
وأكد سوليفان أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة أثيوبيا في معالجة الأزمة، بالبناء على شراكة وصداقة ثنائية طويلة الأمد.
وجاءت هذه المكالمة وسط تصاعد التوترات بين مصر والسودان وأثيوبيا بشأن السد الضخم، وبعد أن وصلت جولات المفاوضات بين الدول الثلاث إلى طريق مسدود عدة مرات، وبحسب رأي العديد من المحللين، فإن المكالمة تبتعد عن طموحات الخبراء بضرورة قيام الولايات المتحدة بتدخل حاسم في الخلافات، التي تهدد بنشوب صراع كبير في المنطقة.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تعمل كوسيط محايد في النزاع بشأن سد النهضة، إلا أن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب لم تبذل أي جهد يذكر في تهدئة الموقف، وحينما تراجعت أثيوبيا عن الاتفاقيات، منعت إدارة ترامب مساعدات خارجية بقيمة 272 مليون دولار لأثيوبيا، ولكن إدارة بايدن قامت بفصل توقف المساعدات عن مفاوضات سد النهضة.
ورأى العديد من المحللين الأمريكيين أن الولايات المتحدة بحاجة لتزويد مصر بحلول زراعية لتخفيف المخاوف بشأن ندرة المياه، وقالوا إن على واشنطن التركيز على المساعدة المالية لتحسين نظام الري في مصر.
وردد خبراء واشنطن مقترحات قد لا تعجب القاهرة حول ضرورة تحويل نسبة من المساعدات الضخمة التي تقدمها الولايات المتحدة إلى الحكومة المصرية للمساعدات الاقتصادية بدلاً من المساعدات العسكرية، التي تشكل 89 في المئة من المساعدات، في محاولة لإقناع مصر بإعادة النظر في قبول قرار أثيوبيا لملء السد، مما يترك مساحة لظهور أبعاد جديدة في الصراع.
أثيوبيا، كما أشار العديد من الخبراء، هي الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في القرن الأفريقي، وأشاروا، أيضاً، إلى أن عدم تدخل الإدارات الأمريكية في الجهود السابقة للتوصل إلى اتفاق بشأن السد قد أدى إلى نتيجة متوقعة هي التوصل إلى أي تسوية مقبولة.
إدارة بايدن عينت مسؤولاً كبيراً سابقاً في الأمم المتحدة ليكون مبعوثاً خاصاً للقرن الأفريقي، وهو منصب جديد يهدف إلى معالجة الأزمة المتفاقمة في أثيوبيا وعدم الاستقرار في المنطقة الأوسع، وبحسب ما ورد في تقارير أمريكية، فإن المبعوث جيفري فيلتمان سيعزز الضغط على أثيوبيا في مسألة الحرب الدامية في منطقة تيغراي، ولكن هناك غموضا بشأن خطواته تجاه قضية السد.
وزعمت إدارة بايدن مراراً أن أفريقيا تمثل «أولوية» لواشنطن، ولكن وفقاً لرأي العديد من المحللين، فإن هذا الادعاء لن يعني أي شيء إذا لم تتدخل الإدارة لحل الخلافات الكبيرة هناك، خاصة فيما يتعلق بسد النهضة، وقالوا إن ملف السد هو في الواقع الاختبار الحقيقي الأول لبايدن في المسألة الأفريقية.