يوئيل ماركوس
الموقع أدناه تربى في مؤسسة شبيبة دينية في قرية متدينين. وكانت الصفوف مختلطة بنون وبنات. البنات كن ينسجن للبنين القبعات. وكانت المؤسسة تحت رعاية حركة هبوعيل همزراحي، حزب صهيوني معتدل، خرج منه لاحقا أوائل رجال بلاد اسرائيل الكاملة. المرشدون والمعلمون كانوا في معظمهم ‘ياكيم’ (مدللون). الانضباط كان شديدا. كنا ملزمين بالاستحمام يوميا بماء باردة، وفي يوم الجمعة فقط كنا نحظى بدلال الحمام الساخن. مفهوم ‘استبعاد’ لم يكن قائما في حينه. في عشية السبت بعد الصلاة كنا نرقص البنات والبنون معا. لم أحد يمت ولم تشتعل نار جراء هذا. بجوار المؤسسة، في قرية المتدينين، كانت مدرسة دينية أحببنا زيارتها. ليس كي نستفز الطلاب الذين كانوا يتعلمون باصواتنا العالية. كنا نذهب الى هناك، ونحن نعتمر القبعات المحبوكة كي نتنافس كم ذبابة يمكن كل واحد منا ان يمسك بها في يد واحدة. إذ أن لسبب ما كانت المدرسة الدينية مليئة بالذباب.
ولاحقا فقط علمنا بانهم سيواصلون التعلم فيما اننا سنذهب الى الجيش. هم سيواصلون التعلم ونحن قد نصاب أو نقتل. في عهود نضوجنا تلك لم نفكر بانه مع الوقت سيقوم هنا شعبان يهوديان معادٍ الواحد للاخر: أغلبية صهيونية في دولة علمانية مقابل أقلية اصولية عنيفة ومتوحشة. قلة تتطلع الى ان تفرض بالقوة معتقداتها على الكثرة، وبعد ذلك قلة من الاقلية تتطلع الى أن تفرض بلاد اسرائيل الكاملة على الاغلبية، مهما كلف الامر. وكل هذا خلافا للحركة السياسية الشرعية التي تكافح بوسائل سياسية ضد اعادة المناطق، وخلافا لحزب العمل، الذي بادر الى المستوطنات بأمل ساذج في أن ما احتليناه سيبقى في أيدينا. الصحوة من هذا الحلم بدأت رويدا رويدا، ليس فقط في العمل. فحتى كبير بناة المستوطنات صحا. اريك شارون حذر، حين حان وقت الاستيقاظ من حلم بلاد اسرائيل الكاملة. قال، أخلى، واختفى من حياتنا. وعندها ظهر بيبي. واضح اليوم، أنه بدون اعادة المناطق ليس فقط لن يكون السلام بل اننا سنتدهور ايضا من حرب الى حرب. حركة بلاد اسرائيل الكاملة السياسية ولدت فتيان التلال، والصراع بات عنيفا. مهما كلف. رغم قبعاتهم الكبيرة فانهم يستفزون العرب، يقتلعون اشجار الزيتون لديهم، يهدمون بيوتهم، يفسدون مساجدهم. وهم لا يترددون في ان يرفعوا أيديهم ايضا على الشرطة والجيش. من الصعب أن نصدق بان اسرائيل التي عانى ابناء شعبها على مدى الاجيال من احراق الكنائس ومن الاعتداءات الوحشية، يمكنها أن تحتمل هذا السلوك. يدور الحديث هنا عن جنون زاحف، يجد تعبيره في اشكال مختلفة من العنف. عنوان ‘شارة الثمن’ ليس معناها العين بالعين، بل سبع عيون ولكمات بالعين. فهم يذكرون بـ ‘الاشرار’ في الغرب المتوحش الذين يندفعون نحو بلدة نائية ويطلقون النار في كل صوب. في العبرية المنطوقة يسمى هؤلاء بالزعران. مخربو السلام وهادموه خرجوا من داخلنا، يقول مواطنو الدولة عن الثمار الفجة التي انبتتها حركات الاستيطان الشرعية. وهم يستخفون بالشرطة، بالجيش وبالدولة ومن شأنهم أن يلحقوا مصيبة من خلال احراق الاقصى مثلا او عمل لا مرد له آخر. من كان يصدق بان رئيس مدرسة دينية معروف يعلن بان ‘من الافضل الوقوف امام ثلة النار على سماع صوت امرأة’؟ من كان يصدق بان يحاول احد ما الفصل بين الجنسين في الباصات العامة النساء في الخلف، الرجال في الامام، مثلما في جنوب افريقيا ذات مرة؟ المتطرفون يزيفون روح اليهودية التي كانت دوما معتدلة ومتصالحة. ‘كونوا لي مقدسين’، اقتبس عن الحاخام مناحيم مندل، ‘ولكن كونوا بشر’. يمكن لنا أن نأتي بمئات الاقتباسات عن انسانية اليهودية. المسألة هي أين الحكماء الان؟ أين الحاخامين الرئيسيين الذين يتلقون الراتب من الدولة؟ اين حاخامي المدن ورؤساء المدارس الدينية؟ لماذا يسكتون؟ واكثر من أي شيء آخر يطرح السؤال اين محافل الامن؟ هل يحتمل أن يعرفوا كيف يصلوا الى المبحوح في دبي ومغنية في دمشق هكذا على الاقل تدعي مصادر أجنبية ولكن لا ينجحون في الوصول الى رؤساء الارهاب اليهودي في الضفة؟ بعد أحداث هذا الاسبوع حان الوقت للعمل ضد رجال شارة الثمن بيد قوية.
هآرتس 16/12/2011