محمد باهيفي سياق التداول المفرط لمختلف النظريات السوسيولوجية وعلاقتها بالتحولات التاريخية وما تبدى راهنيا عقب التشخيصات والتقييمات الأولية للعديد من البحوث والدراسات المرتبطة عضويا بالأوضاع العربية وعلاقة الحكام والأنظمة بالشعوب، ورصدا لسيكولوجية الجماهير على امتداد العقود السالفة، المشوبة في عمقها ببروز حركات تحرر وانتفاضات وثورات ضد بعض الأنظمة من منطلق تاريخانية المرحلة آنذاك، حيث اتسمت الظرفية بنضالات قوى تقدمية حية، تزعمتها نخب ثقافية وفكرية وسياسية ذات بعد قومي وامتداد جماهيري بنزوعات أيديولوجية ذات منشأ لينيني ماركسي، وجدت الفضاءات الجامعية ومقرات العمال والكادحين ملاذا لاحتضان أفكارها ومبادئها. في هكذا سياقات متلاحقة، فإن جدلية التاريخ هذه بمفهومها التقليداني وتطوراتها المؤثرة على مسارات الشعوب في علاقتها بالأنظمة الحاكمة على صعيد الوطن العربي، كان من بين التداعيات الزج بآلاف المناضلين من خيرة المفكـــــرين والمثقفين في المعتــــقلات الســــرية والمنافي القسرية على امتداد الوطن العربي الكبير، فكانت الهجمة الشرسة للأجهزة الاستخباراتية والبوليسية والقمعية قد بلغت ذروتها في محاولة للنيل من الحمولة التاريخيــــة للمرحـــلة ورأسمالها الرمزي، وأعقب ذلك حالة كمون وانتظارية كانت السمة البارزة لسيكولوجية الجماهير العربية، مع تسجيل بعض التحركات والتجاوب الوجداني والعضوي والحماسي مع القضية الفلسطينية والشأن العراقي بشكل متنام انتهى به المطاف إلى اختزال انتفاضات وردات فعل ‘الشعب العربي’ في ما اصطلح عليه برأي المنظرين ‘بالشارع العربي’. إلا أن ما عرفته بعض الدول العربية من حراك شعبي في سياق ما اصطلح عليه بهبات نسائم الربيع العــــربي، أربك كل الحسابات، وأعلن فشل كل السياسات القمعية والاستبدادية وشكل وقفة تأمل جديرة بإعادة قراءة التاريخ وتحولاته، ونظريات الثابت والمتحول وعلاقتها بإرادة الشعوب التي أبانت عن وعي متقدم ونكران ذات، وتجدر وتمسك عميق بقيم العروبة، واستشراف آفاق أرحب للحرية والديمقراطية ومختلف القيم الكونية المتعارف عليها ضمن مقتضيات المواثيق الدولية لحقوق الإنسان المدنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. الآن والوطن العربي في خضم التطورات المتلاحقة للربيع العربي، يشهد العالم الأوروبي مخاوف واسعة النطاق، ارتقت من حيث دواعيها ومسبباتها لتمس السياسات الاقتصادية المعتمدة، وبوادر التقشف الممنهجة التي اعتبرت برأي المراقبين في بعض بقاع التراب الأوروبي مخلة بالتزامات الدول اتجاه مواطنيها بالنظر إلى تدهور القوة الشرائية، وتردي مؤشرات الدخل الفردي والإعلان عن فشل النظم الرأسمالية وتأثيراتها على أنماط المعيش اليومي في ظل الفوارق الاجتماعية، وتنامي مظاهر العطالة جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية التي أرخت بثقلها على القارة العجوز.
إلا أن ما يمكن استخلاصه، كون الشعوب العربية المنتفضة في حمأة ربيعها العربي تختزل مطالبها في الحرية والديموقراطية، وإسقاط الفساد والديكتاتورية، وتوزيع الثروات بشكل عادل، والالتزام بالمواثيق الكونية لحقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية، وضمان السكن والتشغيل والسلامة الصحية ومحاربة الرشوة والمحسوبية والزبونية، وهي مطالب تبدو برأي المراقبين في مرحلتها الجنينية تاريخيا مقارنة مع ما يطفو على الساحة الأوروبية من تحولات وتطورات متلاحقة ترسم خارطة طريق جديدة للشعوب الأوروبية، بعيدا عن الهيمنة الرأسمالية والليبرالية المتوحشة والهجوم الكاسح للعولمة، حيث الرساميل العابرة للقارات والشركات العملاقة والأسواق الضخمة تحدد لنفسها مسارات ملتبسة المآلات، تبدو أمامها باقي النظم عبارة عن كائنات قزمية مهددة بالابتلاع والالتفاف في سياق قوانين لا تعطي فرصا للضعفاء بقدر ما تمنح الأغنياء هامشا مفتوحا لمراكمة الثروات واكتساح البورصات والتحكم في رؤوس الأموال ومؤشرات الأسعار، وهي سياسات تعتبر برأي المراقبين وشيكة الانهيار، بالنظر إلى كون النظم بمختلف مرجعياتها لايمكن أن تعمر أزيد من خمسين سنة بنفس الوتيرة، إذا ما أخذنا في الاعتبار نظريات المؤرخين والباحثين السوسيولوجيين في مناحي شتى أخضعت للبحث العلمي والفكري في علاقته بالتطور البشري، وهو ما يؤشر برأي المراقبين لتفكك البنية الاقتصادية الأوروبية وانهيار الأورو كعملة موحدة.
وفي سياق هكذا مقاربات لرصد تحركات الشعوب في شقيها العربي والأوروبي، سواء ذات الزخم ذي النكهة المستمدة أنفاسها من نسائم الربيع العربي بكافة إشكالاته وقضاياه وتوجهاته وتجاذباته وتأثيراته على المحيطين القاري والدولي، وتجاوب المنتظم الأممي مع تجلياتها وتمظهراتها، أو سواء ذات الأصداء المستوحية تداعياتها من زحف الخريف الأوروبي الذي لايترقب أحد مدى انعكاساته وضغوطاته وما ستفرزه تاريخيا من مكتسبات لصالح الشعوب الغاضبة.
قد تبدو التمظهرات غير خارجة عن المألوف بموجب وتيرة الحراك الاحتجاجي، إلا أن أوجه فصول السنة لا تتشابه من حيث مظاهرها وتأثيراتها المناخية، وعلاقتها بالنشاط العملي للشعوب ومزاجيته، حيث الربيع بنسائمه وأريحيته وعبقه وعنفوانه مؤشر على التجدد والعطاء والانطلاق نحو آفاق أرحب، فيما الخريف بكآبته وبشاعته وسواده مؤشر على الاستعداد للتجرد من قشيبة لم تعد تتحمل الإفراط والمبالغة في تغطية التجاعيد والترهل بمساحيق تجميل لم تعد تساير تطورات الظرفية أمام ضغط التحولات التاريخية في زمن العولمة وفزاعات ويكيليكس والربيع العربي.’ كاتب من المغرب