تحويلات المصريين العاملين في الخارج الرقم الصعب في معادلة الصمود الاقتصادي

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

على الرغم من أزمة كورونا، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وانكماش الإنفاق في الدول المستضيفة للعمل، فإن تحويلات المصريين العاملين في الخارج ارتفعت في النصف الأول من السنة المالية الحالية (تموز/يوليو – كانون الأوب/ديسمبر) إلى 15.5 مليار دولار بمعدل نمو 13.5 في المئة، وهو ما يزيد عن 6 أمثال معدل النمو الاقتصادي للفترة نفسها الذي بلغ 2 في المئة. وتتضح أهمية هذا الرقم إذا عقدنا مقارنة بينه وبين قيمة ومعدل تغير محركات النمو الأخرى مثل الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تراجعت جميعا ما أدى إلى زيادة عجز الحساب الجاري بنسبة 67 في المئة ليصل إلى 7.6 مليار دولار. وإذا استبعدنا التحويلات فإن العجز سيقفز إلى 23 مليار دولار أو ما يعادل نحو 15 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. المصريون العاملون في الخارج هم منجم الذهب الحقيقي الذي تملكه مصر، وهو أساس صمودها في مواجهة الصدمات الاقتصادية المحلية والعالمية.
وإضافة إلى التحويلات النقدية فإن المصريين العاملين في الخارج يسهمون في تنمية الاقتصاد من خلال قنوات أخرى، مثل الجمارك والتأمينات الاجتماعية ورسوم إصدار وتجديد جوازات السفر وتصاريح العمل في الخارج ورسوم المغادرة، وتذاكر الطيران والسلع والهدايا العينية الواردة بصحبة المسافرين وغيرها. وطبقا لبيانات البنك المركزي ووزارة المالية، فإن قيمة تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال النصف الأول من السنة المالية يعادل حوالي 248 مليار جنيه، وهو ما يغطي 93 في المئة من قيمة الفوائد المستحقة على الدين العام المحلي والأجنبي خلال الفترة نفسها التي بلغت 266 مليار جنيه.
وإذا نظرنا إلى التحويلات ضمن سلسلة زمنية منذ حزيران/يونيو 2014 إلى كانون الأول/ديسمبر 2020 فإننا نجد أن قيمتها الإجمالية قد تجاوزت 153 مليار دولار، أو حوالي 2.2 تريليون جنيه مصري، عبارة عن تدفقات نقدية بالعملات الصعبة بدون مقابل ولا شروط. كما أن التحويلات تتجاوز قيمة الديون الخارجية المستحقة على مصر، بما فيها تلك المستحقة لصندوق النقد الدولي، والدول والبنوك الأجنبية.

خطأ توقعات البنك الدولي

وكانت تحويلات المصريين العاملين في الخارج قد سجلت رقما قياسيا وصل إلى 27.8 مليار دولار في عام أزمة كورونا (حتى نهاية حزيران/يونيو 2020) مخالفة كل توقعات البنك الدولي، كما واصلت الارتفاع في السنة المالية الجديدة. وإذا استمر معدل نمو التحويلات حتى نهاية النصف الأخير من السنة المالية في الحدود التي تحققت في النصف الأول، فإن قيمة التحويلات السنوية ستتجاوز 30 مليار دولار لأول مرة في تاريخ مصر، متفوقة على كل إيرادات الصادرات السلعية بما فيها النفط والغاز والذهب والقطن والملابس الجاهزة والبطاطس والبرتقال وغيرها.
وكان البنك الدولي قد توقع انخفاض التحويلات المالية بواسطة العاملين في الخارج إلى الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بسبب تداعيات أزمة كورونا، بنسبة 14.5 في المئة، منها 7 في المئة في عام 2020 ثم 7.5 في المئة في العام الحالي، وأن منطقة الشرق الأوسط ستكون الأكثر تضررا. وتعاني المنطقة من أزمة ثلاثية الأبعاد بسبب تأثير هبوط أسعار النفط في العام الماضي، والحاجة إلى زيادة الإنفاق المحلي لمواجهة تداعيات كورونا، وتأثير انكماش الاقتصاد العالمي على كل القطاعات، خصوصا القطاعات الموفرة للسيولة الأجنبية مثل السياحة. وعلى الرغم من ذلك فإن عددا مهما من الدول العربية سجل ارتفاعا في تحويلات العاملين في عام وباء كورونا، مثل مصر بنسبة زيادة 10.4 في المئة إلى 27.8 مليار دولار، والمغرب بنسبة 5 في المئة إلى 7.5 مليار، وتونس بنسبة 11.3 في المئة إلى 2.1 مليار دولار.

التحويلات أساس الصمود الاقتصادي

تعتبر تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وليس «مكتسبات الإصلاح الاقتصادي» حسب زعم وزير المالية، هي المصدر الرئيسي لقوة الاقتصاد وقدرته على الصمود في وجه الضغوط المحلية والأزمات الخارجية. وترسم التحويلات في السنة المالية الأخيرة 2019/2020 الملامح التالية:
أولا: تمثل 70 في المئة من صافي احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري. فإذا عرفنا أن هذا الاحتياطي هو مجرد قيمة دفترية، نظرا لأن ديون مصر الخارجية تقدر حاليا بما يقرب من 133 مليار دولار، فسوف ندرك أيضا أن التحويلات السنوية يمكنها أن تسدد كل الديون الخارجية المستحقة على مصر في خمس سنوات تقريبا. كذلك فإنها تمثل سندا قويا لسعر صرف الجنيه المصري، إذ أنها تسهم في زيادة الطلب على العملة المحلية في البنوك، بما يعزز قيمتها لدى البنك المركزي.
ثانيا: هي المصدر الرئيسي لصافي تدفقات النقد الأجنبي في الدولة، حيث تتجاوز قيمة الصادرات السلعية بما يتراوح بين 5 إلى 20 في المئة، وتبلغ أكثر من ثلاثة أمثال قيمة الصادرات النفطية، وما يزيد عن الصادرات غير النفطية بنسبة 55 في المئة، وما يقرب من ثلاثة أمثال عائدات السياحة والسفر قبل جائحة كورونا، وخمسة أمثال إيرادات قناة السويس، وأربعة أمثال الاستثمار الأجنبي. وهي فوق كل ذلك عبارة عن دخل صاف لا تقابله مدفوعات.
ثالثا: أن معدل النمو السنوي للتحويلات في السنة المالية الأخيرة الذي بلغ 10.4 في المئة يقرب من ثلاثة أمثال معدل النمو الاقتصادي، الذي بلغ حسب تقديرات الحكومة 3.6 في المئة. وتتعاظم أهمية معدل نمو التحويلات بمقارنته مع متوسط معدل نمو قطاع الإنتاج السلعي، الذي بلغ 1.2 في المئة فقط، وهي نسبة نمو هزيلة، على الرغم من أنها تتضمن صناعات تكرير البترول. وتوفر التحويلات سيولة مالية قوية لانعاش الطلب المحلي على السلع المنتجة محليا والمستوردة، وهو ما يفسر حقيقة أن الاستهلاك الذي تغذيه التحويلات هو المحرك الرئيسي للنمو، لكن التضخم يمثل أهم الآثار الجانبية للخلل بين معدل نمو التحويلات ونمو الاقتصاد العيني.
رابعا: وبحساب تحويلات العاملين في الخارج بالعملة المحلية، نجد أنها بلغت في السنة المالية الأخيرة حوالي 453 مليار جنيه مصري، بما يعادل 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وبمقارنتها بالتدفقات المالية الأخرى فانها تصل إلى 35 في المئة من الإيرادات الكلية للميزانية. وإذا أضفنا قيمة الضرائب التي تعادل نحو 75 في المئة من إيرادات الميزانية، فإن حصيلة الضرائب التي يدفعها المصريون وتحويلات العاملين معا تصل إلى 110 في المئة من إجمالي الإيرادات. المصريون إذن هم الممولون الحقيقيون لميزانية الدولة، والعمود الفقري للصمود الاقتصادي.
خامسا: بالمقارنة مع المصروفات سنجد أن قيمة تحويلات العاملين والإيرادات الضريبية معا تغطي نسبة 83 في المئة من المصروفات الكلية للدولة، بما فيها الفوائد المستحقة على القروض الأجنبية، التي بلغت قيمتها في السنة المالية الأخيرة 569 مليار جنيه. وتجدر الإشارة إلى أن قيمة التحويلات بلغت 22 مليار دولار، في العام الذي حصلت فيه مصر من صندوق النقد على قرض بقيمة 12 مليار دولار. أي ما يقرب من ضعف قيمة القرض، بلا شروط وبلا مقابل وفي سنة واحدة فقط وليس على أقساط ممتدة مشروطة بموافقة الصندوق.

خطورة هبوط التحويلات

هذه الأهمية الفائقة لتحويلات المصريين العاملين في الخارج تعني أن أي هزة تتعرض لها يمكن أن تسبب ارتدادات سلبية في الاقتصاد الحقيقي، بداية من تدهور سعر الصرف، وانخفاض موارد النقد الأجنبي الحقيقية، إلى تراجع القدرة على تمويل الطلب الاستهلاكي المحلي، والعجز عن تمويل الاستثمارات المحلية في كل القطاعات، باستثناء قطاع البترول والغاز الذي تتكفل به وتحصل على القسم الأعظم من خيراته الشركات الدولية العاملة في مصر. ومن الملاحظ أن صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في النصف الأول من السنة المالية الحالية قد هبط بنسبة 32 في المئة، ليبلغ 3.4 مليار دولار، منها 159 مليونا فقط في قطاع النفط والغاز، الذي يستحوذ وحده في العادة على أكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج تمثل في نهاية المطاف أهم محركات نمو الاقتصاد، فهي تسهم في تمويل الطلب الاستهلاكي، والادخار العائلي، والاستثمار المحلي، خصوصا في العقارات وقطاع الإنتاج الصغير. وهي تساعد العائلات المستفيدة على الوفاء بتكاليف المعيشة، وزيادة القدرة على التكيف مع الأعباء المختلفة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم وغيرها. ولذلك فإن هناك مصلحة مشتركة بين الدولة والمجتمع تقتضي تعزيز وجود العمالة المصرية في الخارج، وتعظيم القيمة المضافة لها، وتطوير دورها، بما يتلاءم مع احتياجات الدول المجاورة. كما يجب أن تأخذ السياسة الاقتصادية بعين الاعتبار أنه على الرغم من أن صناعة البناء والتشييد ما تزال مهمة في توفير فرص العمل للعمالة المصرية، إلا أن هذه الصناعة تمر الآن بتغييرات تكنولوجية هائلة، تتطلب عمالة أكثر مهارة وأرفع تعليما.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية