المشادة الكلامية التي حصلت بين وزيري خارجية البلدين في المؤتمر الصحافي كشفت حجم وصعوبة الملفات الخلافية وفتحت الباب أمام جولة جديدة من التصعيد بين أثينا وأنقرة.
إسطنبول-»القدس العربي»: وصل وزير الخارجية اليوناني إلى العاصمة التركية أنقرة، الأربعاء، في أهم خطوة على طريق مساعي البلدين لتهدئة التوتر بينهما عقب أشهر من التصعيد الخطير الذي وصل حد خطر حصول مواجهة عسكرية شرق المتوسط، إلا أن المشادة الكلامية التي حصلت بين وزيري خارجية البلدين في المؤتمر الصحافي كشفت حجم وصعوبة الملفات الخلافية وفتحت الباب أمام جولة جديدة من التصعيد بين أثينا وأنقرة.
فعقب أسابيع من المساعي الدبلوماسية لفتح قنوات الاتصال بين البلدين لخفض التصعيد وبحث ملفات الخلاف بضغط من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، زار وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس أنقرة والتقى نظيره التركي مولود جاوش أوغلو كما استقبله الرئيس رجب طيب اردوغان في خطوة اعتبرت بمثابة مسعى تركي لتأكيد رغبة الرئيس في احتواء التوتر ودعم جهود خفض التصعيد.
ولكن على عكس المتوقع، شهد المؤتمر الصحافي الذي جمع وزيري خارجية البلدين مشادة كلامية حادة افتقرت للدبلوماسية وتخللها تراشق للاتهامات بثتها شاشات التلفزة على الهواء مباشرة. حيث وجه الوزير التركي خطاباً حاداً بعدما اعتبر أن نظيره اليوناني حاول إحراج بلاده وتوجيه اتهامات «غير محقة» ضدها من العاصمة أنقرة.
واعتبرت وسائل إعلام تركية أن تصعيد الوزير اليوناني كان «استفزازا مدبرا» بهدف «حسابات داخلية ومحاولة إظهار القوة من أنقرة لتوجيه رسائل للداخل اليوناني» كما قالت صحف يونانية إن وزير الخارجية كان على اتصال دائم مع رئيس الوزراء الذي وجه إليه تعليمات بضرورة الرد الفوري على ما اعتبره «أي محاولة استفزاز تركية».
وبعدما سار المؤتمر الصحافي الذي استمر لأكثر من 30 دقيقة على نحو إيجابي، اتهم وزير الخارجية اليوناني تركيا بـ»انتهاك القانون الدولي والتعدي على سيادة اليونان» في بحر ايجه وشرق المتوسط، كما اتهم أنقرة بـ»إساءة تطبيق اتفاق الاتحاد الأوروبي حول المهاجرين».
وبلغة حادة غير معتادة في المؤتمرات الصحافية، رد الوزير التركي على نظيره اليوناني بالقول: «لم أدل بأي اتهامات لليونان خلال المؤتمر الصحافي وكنا نرغب باستمرار أول لقاء في أجواء إيجابية، لكن ديندياس وجه خلال كلمته اتهامات لا يمكن القبول بها بتاتا ضد بلدي وأنا مضطر للرد على ذلك».
وأضاف جاوش أوغلو: «بداية قال إن تركيا انتهكت الحقوق السيادية لليونان، لا يمكننا القبول بذلك، فتركيا تواصل أنشطتها في جرفها القاري الخاص بشرق المتوسط الذي حددته وسجلته لدى الأمم المتحدة» وتابع: «تركيا أظهرت ما يمكنها فعله إزاء إقصائها وتجاهل حقوق القبارصة الأتراك، ولديها القدرة على الدفاع عن حقوقها وحقوق القبارصة الأتراك في شرق البحر المتوسط».
وقال موجها كلامه لديندياس: «لدينا خلافات في وجهات النظر حول هذا الموضوع، إذا وجهت اتهامات لتركيا رغم اتفاقنا مسبقا على إجراء مباحثات ثنائية حول هذه القضايا، فإنني سأضطر للرد» ووجه اتهامات لليونان بانتهاء حقوق الأتراك في اليونان والتضييق على ممارساتهم الدينية واستخدامهم للأسماء التركية، معتبراً تصرف اليونان «ليس إنسانيا ولا يتناسب مع القانون الدولي» كما اتهم اليونان بانتهاك حقوق اللاجئين وإلقائهم في البحر لمواجهة الموت.
وفور انتهاء المؤتمر الصحافي، غادر وزير الخارجية التركي لزيارة قبرص التركية محور الخلاف الأكبر بين البلدين وذلك قبيل يوم من الموعد المقرر للزيارة، حيث التقى، الجمعة، رئيس قبرص التركية أرسين تتار مؤكداً أن بلاده سوف تواصل «نضالها بقوة لحماية حقوق القبارصة الأتراك» وجدد التأكيد على ضرورة التفاوض على أساس حل الدولتين في قبرص «وعدم إضاعة الوقت في التفاوض حول الحل الفدرالي».
والجمعة، اعتبر الرئيس التركي أن وزير خارجيته أوقف وزير الخارجية اليوناني «عند حده» وقال: «استقبلت الوزير في القصر الرئاسي وجرى اللقاء في أجواء دافئة لكن مع الأسف، انحرف الأمر إلى أرضية مختلفة جدا خلال اللقاء الذي أجراه مع وزير خارجيتنا» مضيفاً: «بالطبع، وزير خارجيتنا أوقف نظيره اليوناني عند حده بعد تصرفاته وموقفه ولم يكن بوسعه أن يتحلى بليونة أكثر لأن ذلك لم يكن ليليق بنا كشعب ودولة».
وأثار اردوغان مجدداً قضية أتراك اليونان معتبراً أن أثينا «لا تولي الاهتمام اللازم لمواطنيها من الأقلية التركية في تراقيا الغربية بالإضافة إلى ذلك تمنع أبناء الأقلية التركية من انتخاب مفتي عام بأنفسهم وتقوم هي بتعيينه وهذا انتهاك لمعاهدة لوزان» مشدداً على أن المفتي العام في تراقيا الغربية يجب أن ينتخب بنفس الطريقة من قبل المسؤولين عن الإفتاء أو الأئمة أو ما شابه لكن اليونان لا تتحمل ذلك.
من جهتها، حاولت اليونان تلطيف الأجواء عقب التصعيد الأخير، وشدد وزير خارجيتها على أن بلاده «تريد أجندة إيجابية مع تركيا» وقال في مؤتمر صحافي الجمعة: «لكل طرف آراؤه التي تم التعبير عنها بوضوح خلال المؤتمر الصحافي الذي شاهده الكثيرون منكم، لكنني أود أيضا أن أشدد على التزام الحكومة اليونانية بقيادة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس بالسعي إلى وضع أجندة إيجابية في علاقتنا مع تركيا بدءا بالعلاقات الاقتصادية والتجارية» لافتاً إلى أنه وجه دعوة لجاوش أوغلو لزيارة أثينا.
ورغم التصعيد الأخير، يتوقع أن يعود البلدان لاستئناف المباحثات بضغط من الاتحاد الأوروبي والناتو، حيث وجه الوزير اليوناني دعوة لنظيره التركي لزيارة أثينا، كما يواصل الجانبان التحضيرات في محاولة لعقد قمة بين اردوغان ورئيس الوزراء اليوناني وذلك في إطار مساعي احتواء التصعيد الخطير الذي تصاعد طوال الأشهر الماضية ومحاولة التوصل إلى أرضية للتباحث حول حزمة كبيرة من الخلافات العميقة بين البلدين لا سيما فيما يتعلق بملف قبرص وشرق المتوسط وجزر بحر ايجه والأقلية التركية وغيرها الكثير من الملفات.