يستمر الكثير من الخبراء في الاهتمام بخريطة النفوذ في العالم بين روسيا والصين والولايات المتحدة ونسبيا الاتحاد الأوروبي، أو بتعبير آخر بين الغرب وفي مواجهة الحضارات القديمة المنبعثة في أقصى الشرق. لكن التنافس الجيوسياسي حقق قفزة نوعية تعد منعطفا حقيقيا في تاريخ البشرية من خلال احتدام الصراع حول التمركز في الفضاء. ويأخذ الصراع منحنيين، الأول وهو عسكرة الفضاء ضمن ما يصطلح عليه حرب النجوم، والثاني هو الاكتشافات الفضائية الكبرى التي تستهدف الوصول إلى الكواكب. وهذه الأخيرة ستكون عنوان الصراع على شاكلة الاكتشافات الجغرافية الكبرى في الكرة الأرضية خلال القرون الماضية.
وقد انطلق اكتشاف الفضاء سنة 1957 من خلال إطلاق الاتحاد السوفييتي القمر الاصطناعي سبوتنيك، ثم وصول الأمريكيين إلى القمر سنة 1969، وبدء مرحلة من الاكتشاف الممزوج بالتنافس الأمريكي-الروسي لاحقا، ثم انضم عدد من الدول مثل الصين أو التكتلات مثل الاتحاد الأوروبي إلى هذا التنافس.
ومن عناوين الصراع حاليا هو رهان الدول الكبرى وخاصة الصين وروسيا والولايات المتحدة على تثبيت أكبر نسبة من الأقمار الاصطناعية التي تدور حول الأرض لأغراض شتى منها علمية واقتصادية وعسكرية. وتبرز خريطة انتشار هذه الأقمار الازدحام حول كوكب الأرض وكأن الوضع يحتاج إلى تنظيم مرور هذه الأجسام، كما يعلق بعض الخبراء. وتفاقمت خلال الآونة الأخيرة ظاهرة «المخلفات الفضائية» التي تشمل النفايات الناتجة عن الأقمار الاصطناعية التي انتهت خدمتها وبقايا الصواريخ ومنصات الإطلاق ضمن أخرى، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 5 ملايين كلغ من هذه النفايات التي تسبح حول الكرة الأرضية ويزداد خطرها على الرحلات الفضائية مستقبلا وعلى الأقمار الاصطناعية نفسها.
عسكرة الفضاء
وهكذا، فبينما يستمر البعض في الاهتمام بالصراع حول الممرات البحرية الاستراتيجية ومناطق النفوذ، يتبلور صراع آخر لا يمكن لمسه في الخريطة الأرضية وإنما هو التموقع في الفضاء عسكريا.
وعلاقة بهذا، ففي يوم 21 كانون الأول/ديسمبر 2019، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار هام للغاية يتم بموجبه إنشاء فرع جديد من القوات العسكرية، وهي القوة الفضائية الخاصة وتنضاف إلى القوات البرية والبحرية والجوية وإن كانت ستكون تحت قيادة القوات الجوية في الوقت الراهن. وكانت بعض الجمل الواردة في خطابه دالة للغاية «وسط التهديدات التي تحدق بالأمن القومي الوطني، يبقى التفوق الفضائي الأمريكي حيويا، نعم، نحن الآن في الريادة ولكن ليس بالشكل الكافي، وقريبا سنكون في الريادة المطلقة». وكان ترامب قد طور فقط البرنامج الذي بدأه سلفه الرئيس باراك أوباما سنة 2015 عندما صدر تقرير حساس للغاية عن الاستخبارات الأمريكية يبرز خطورة الصين وروسيا في ضرب الأقمار الاصطناعية الأمريكية.
ولا يعني إنشاء قوات عسكرية فضائية خاصة تمركز قوات عسكرية بشرية في الفضاء بل إنشاء مجموعات عسكرية تعمل من قواعد أرضية في الوقت الراهن مكلفة بحماية الأقمار الاصطناعية الأمريكية من أي هجوم لدول معادية. ويأتي القرار بعدما تأكد للبنتاغون التقدم المذهل الذي حققته كل من الصين وروسيا في مجال الصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية واستعمال تقنية لايزر في ضرب هذه الصواريخ بل وطائرات. ويبلغ عدد العاملين في هذه القوة الخاصة 16 ألفا من عسكريين ومدنيين.
ويوجد اهتمام أمريكي بعسكرة الفضاء منذ مدة طويلة تماشيا مع التقدم التكنولوجي وهوس الأمريكيين بتأمين أمنهم القومي: لكن المنعطف المقلق كان سنة 2017 وهو الذي دفع بالبنتاغون إلى الإسراع بإنشاء «القوة الفضائية الخاصة». فقد أقدمت روسيا خلال تشرين الأول/أكتوبر من تلك السنة على إطلاق قمر اصطناعي غير عادي، حيث فشل خبراء الغرب من أمريكيين وأوروبيين في تحديد دور هذا القمر الاصطناعي بين من يعتقد أنه سلاح جديد وبين من يعتقد في تحقيق موسكو قفزة نوعية في طبيعة الأقمار الاصطناعية.
وبعد ثلاث سنوات، تفاقمت شكوك البنتاغون باعتقاده بإجراء روسيا تجارب عسكرية من الفضاء خلال منتصف تموز/يوليو 2020. وجاء في بيان للقوة الفضائية العسكرية الأمريكية يوم 23 تموز/يوليو 2020 «تجربة روسيا خلال الأسبوع الماضي هو مثال آخر بأن المخاطر التي تهدد النظام الفضائي الأمريكي واقع وخطير ومتصاعد».
وكان المتعارف عليه في عالم عسكرة الفضاء أن الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا ولاحقا الهند قادرة على إسقاط أقمار اصطناعية انطلاقا من الأرض بأسلحة، ولكن هذه أول مرة من خلال التجربة الروسية الصيف الماضي يتبين مدى صحة فرضية إسقاط قمر اصطناعي لقمر آخر أو اقتراب قمر اصطناعي من آخر للتجسس عليه، وهو ما حاول الروس تنفيذه ضد قمر فرنسي-إيطالي الصيف الماضي. وقتها صرح رئيس القوة الفضائية الخاصة الأمريكية الجنرال جون رايموند «الفضاء أصبح مجالا للحرب مثل البر والبحر والجو».
ويمكن الحديث عن مرحلتين من عسكرة الفضاء، الأولى وهي إرسال الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أقمارا اصطناعية للتجسس على بعضهما البعض، وكان ذلك ابتداء من الستينات وفي عز الحرب الباردة. وهذا النوع من الصراع يستمر في وقتنا الراهن وانضم إليه عدد من الدول بل حتى الدول المتوسطة لديها أقمار ومنها الدول العربية مثل المغرب والجزائر ومصر وتونس. وتتجلى المرحلة الثانية في تطوير الأسلحة الفضائية سواء المضادة للأقمار الاصطناعية أو عبر أشعة لايزر لضرب أهداف معينة وغالبيتها الأقمار الاصطناعية. وإذا نجحت دولة ما في شل الأقمار الاصطناعية لدولة أخرى، فهذا يعني تدمير الطرف الآخر نظرا لأهمية الاتصالات في الوقت الراهن عسكريا ومدنيا. ولهذا، تتوفر الصين وروسيا والولايات المتحدة على أقمار اصطناعية مهمتها هي مراقبة الأقمار الأخرى وفحصها وهل وظيفتها عسكرية مثل تخريب أقمار اصطناعية. وتمتلك واشنطن منذ سنة 2014 برنامج «جي إس إس إيه» المكون من أربعة أقمار اصطناعية مهمتها مراقبة الأقمار الروسية والصينية.
وسيتغير مفهوم الحرب خلال الثلاثين سنة المقبلة، إذ ستصبح الحرب من الفضاء حاضرة. ويبرز عدد من خبراء الحروب المستقبلية كيف تحقق الدول الكبرى تقدما ضخما في مفهوم الحرب، إذ سيتم الهجوم على بعض الدول من الفضاء الخارجي عبر القصف بالصواريخ مباشرة بدل استعمال الطائرات المقاتلة. ويمتلك عدد من الدول قوات فضائية، ولا يقتصر فقط على روسيا والصين والولايات المتحدة بل يمتد إلى الهند واليابان وفرنسا وبريطانيا ضمن دول أخرى.
غزو الفضاء
عسكرة الفضاء هو واقع نلمسه في الوقت الراهن من خلال تطوير الدول الكبرى لبرامج عسكرية فضائية، لكن التحدي الكبير هو برامج الفضاء الموجهة لغزو الفضاء على شاكلة الاكتشافات الجغرافية الكبرى التي شهدتها البشرية ما بين القرنين 14 و17. وتفكر الدول الكبرى في هذا الموضوع بشكل جدي لإدراكها حجم الثروات والفرص الاقتصادية والرقي العلمي الذي تقدمه كواكب المجموعة الشمسية وخاصة المريخ أو القمر.
في هذا الصدد، تفوق الغرب في مختلف المجالات لا يعود إلى العقود الأخيرة بل يعود إلى القرون الأخيرة وخاصة مع الاكتشافات الجغرافية الكبرى. والدول الكبرى في مجال الفضاء لا تتوفر على برامج تتعلق بسنوات بل بعقود طويلة أو القرون المقبلة لأن من سيكون سباقا إلى غزو الفضاء سيضمن التفوق الحضاري. وفي هذا المجال، يجري التنافس بين فريقين، الولايات المتحدة التي تتزعم الغرب، ثم الصين التي ستأخذ بيد روسيا.
ويعتقد دارسو المستقبليات كيف ستتفوق الصين مستقبلا لتصبح الدولة التي ستقود غزو الفضاء نظرا للإمكانيات الكبيرة التي توظفها في صمت في هذا المجال. وعلاقة بهذا، يكتب إريك بيرغر يوم فاتح نيسان/أبريل الجاري في موقع «سي إن إن» النسخة الإنكليزية مقالا تحليليا يبرز استمرار تفوق الولايات المتحدة حاليا في برامج الفضاء خاصة بالمزج بين الإنفاق العمومي والخاص التجاري، ولكنه يحذّر من قوة البرامج الفضائية الصينية من خلال استثمارات ضخمة وانخراط القطاع الخاص الصيني في هذه البرامج. ويتكهن أنه إذا استمر هذا الوضع ستصبح الصين سيدة الفضاء خلال القرن الواحد والعشرين. وينطلق من معطيات منها كيف نجحت الصين في إرسال مركبة فضائية للجانب المظلم من القمر، وكيف ستكون الدولة الثانية التي سترسل البشر إلى القمر بعد الولايات المتحدة.
ومن جهته، يقول جيم بريدنستين أحد كبار مدراء وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» أن «ما يقلقني هو أن الصين بصدد بناء المحطة الفضائية الدولية الصينية وتتفاوض مع شركاءنا، يحدث هذا في وقت تقترب المحطة الفضائية الدولية ISS من نهاية صلاحيتها» وكانت وكالة الناسا قد تزعمت تشييد هذه المحطة الفريدة من نوعها في التعاون الدولي مع أربع وكالات أخرى وهي الروسية والكندية واليابانية والأوروبية، ولم تكن الصين مشاركة في هذا المشروع. ولا تشارك الولايات المتحدة في المحطة الفضائية الصينية لأن الكونغرس الأمريكي صادق سنة 2011 على قرار يمنع التعاون مع الصين في مجال أبحاث الفضاء.
وتمتلك الصين والولايات المتحدة برامج للوصول إلى المريخ خلال العقد المقبل، ثم إقامة قواعد قارة في القمر وربما حتى في المريخ. ولكي تربح أشواطا أو مراحل في هذا الصراع، تنسق بكين مع موسكو بحكم التقدم الروسي في هذا المجال. ووقع البلدان يوم 9 آذار/مارس الماضي على اتفاقية سيتم بموجبها توظيف «خبرتهما المتراكمة في علوم الفضاء والبحث والتطوير بالإضافة إلى استخدام معدات الفضاء وتكنولوجيا الفضاء لوضع خريطة مشتركة لبناء محطة أبحاث علمية قمرية دولية (ILRS) « وجاء في بيان الاتفاقية، أن وكالة الفضاء الروسية والصينية المحطة القمرية ستكون «مجمعاً من المرافق التجريبية والبحثية مع احتمال التواجد البشري الدائم على القمر». كما وقع البلدان اتفاقيات لإنشاء مركز بيانات مشترك لاستكشاف القمر والفضاء السحيق، ويخططان للتعاون في المستقبل في بعثتي «Chang’e-7» الصينية و»Luna 27» الروسية، واللتين تهدفان إلى استكشاف القطب الجنوبي للقمر.
ويعد كوكب القمر أساسيا في التنافس حول الفضاء بين الولايات المتحدة والصين بل وللبشرية جمعاء. والدولة التي ستقيم محطة قارة وتتحكم في الأسفار من الأرض إلى هذا الكوكب ستكون القوة الكبرى لأنها ستنجح في استخراج واستخدام مادة هيلوم 3، حيث يعتقد أن القمر يتوفر على مليون طن من هذه المادة التي قد تمنح للبشرية الطاقة الكهربائية لآلاف السنين وليست بالمادة المشعة.
ويسود الاعتقاد وسط خبراء الدراسات المستقبلية بأن غزو الفضاء قد يصبح من الملفات التي ستوحد البشرية خلال العقود المقبلة، وستتم بشكل جماعي وليس بشكل أحادي لأن الأمر يتعلق مغامرة إنسانية أكثر منها مغامرة تخص دولة أو تجمع دول.