كان آية الله خامنئي يضع الكوفية الفلسطينية على كتفيه- في المناسبات العسكرية فقط، كزيارة الجبهات القتالية مع العراق في الثمانينات من القرن الماضي، لكنه ومنذ بداية الألفية من النادر رؤيته بدونها. ويقول أحد أقاربه إن تبنيه الكوفية الفلسطينية جاء بعد الفوز المفاجئ للرئيس الإصلاحي محمد خاتمي في 1997 والذي وصل إلى السلطة على وعد بالإصلاحات في الداخل والتقارب مع الغرب. وأصبحت الكوفية رمزا للمقاومة في أذهان الإيرانيين وتعني الدفاع عن الأيديولوجية الإسلامية في الداخل والخارج بما في ذلك المشروع النووي والسياسات العسكرية إلى التوسع الإقليمي. وفي ظل التطورات الدولية والإقليمية فارتداء المرشد الكوفية له معنى، ذلك أن إيران خرجت من أكبر عملية حصار وعقوبات مشددة عليها منذ 2018 وهو ما عرف باستراتيجية «أقصى ضغط» التي فرضتها إدارة دونالد ترامب على طهران بعد رفضها لاتفاقية العمل الشاملة المشتركة أو ما عرفت بالاتفاقية النووية الموقعة عام 2015 أملا منها لتركيع إيران على القبول باتفاقية جديدة حسب الشروط الأمريكية وتشمل كما ناقش ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو «السلوك» الإيراني بالمنطقة وبرامجها للصواريخ الباليستية أو دفع الشعب الإيراني للثورة على الحكم الإسلامي الذي مضى عليه 40 عاما. واللافت أن بومبيو نفسه ألقى خطابا متغطرسا في 21 أيار/مايو 2018 بمؤسسة التراث في واشنطن وضع فيه 12 مطلبا على إيران تنفيذها ولم ينفذ منها طلب واحد. ورغم ما كلفته الاستراتيجية من مصاعب اقتصادية فاقمها انتشار فيروس كورونا وتزايد في سلطة المتشددين وتراجع بمصداقية المعتدلين الذين يمثلهم الرئيس الحالي حسن روحاني ووزير خارجيته وكلفت الاقتصاد الإيراني 200 مليار دولار حسب الأرقام الرسمية، إلا أن ترامب ووزير خارجيته المتشدد غادرا الساحة بدون انتصار على إيران.
استراتيجية فاشلة
ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (10/4/2021) أن استراتيجية ترامب فشلت ولهذا قررت إدارة الرئيس الحالي جوزيف بايدن العودة إلى الاتفاقية السابقة وتعديلها بحيث تأخذ جوانب القصور السابقة. وبدأت محادثات غير مباشرة في فيينا. ويصر الطرفان كما في حالة المحادثات الدبلوماسية على مطالب الحد الأعلى، فإيران حسب تصريحات ظريف وغيره من المسؤولين الإيرانيين تصر على رفع العقوبات كشرط لعودة بلاده إلى الإلتزام بالاتفاقية، وهو ما ترفضه إدارة بايدن التي ترى في العودة أولا صورة عن صدق نية إيران وبعدها يمكن الحديث عن العقوبات وغيرها من الملفات. والطرفان لديهما «نافذة وقت قصير». وترى «نيويورك تايمز» أن الاتفاقية الأصلية التي تمت بناء على رفع العقوبات مقابل قبول إيران بتفتيش صارم لمنشآتها 24/7 أي طوال الوقت لم تكن «اتفاقية سلام» ولكنها اتفاقية لحل الموضوع النووي بطريقة سلمية.
ومن التداعيات السلبية لسياسة ترامب هي عودة طهران لتطوير مشروعها النووي وزادت من معدلات تخصيب اليورانيوم بمعدلات فوق المسموح به حسب الاتفاقية، ففي كانون الثاني/يناير أعلنت عن زيادة بنسبة 20 في المئة من معدلات التخصيب، وبعد سلسلة من المواجهات مع الجهات التي تحاول التخريب على استئناف إدارة بايدن المحادثات مع إيران أعلنت عن زيادة المعدل إلى 60 في المئة، مما يجعلها حسب المحللين قريبة من إنتاج السلاح النووي. وبحسب الاتفاقية النووية سمح لها بتخصيب نسبة 3.67 في المئة من اليورانيوم وبدرجة أدنى من الوصول إلى إنتاج السلاح. وسمح لها بالحصول على 202.8 كيلوغرام من اليورانيوم أما الآن فهي تخزن ما يقدر ثلاثة أطنان. وبحسب الاتفاقية سمح لمفتشي الأمم المتحدة بفحص كل بوصة من دورة الوقود النووي وبدون إنذار. وأخبر المفتشون الآن أنهم سيخسرون كل أنواع المنافذ إلى البرنامج. وبحلول أيار/مايو سيخسر المفتشون كل معرفة عما يجري داخل المنشآت النووية لو يتم إحياء الاتفاقية.
تعب دولي
جانب سلبي آخر هو أن إيران التي عانت من العقوبات لم تواجه العزلة الدولية الكاملة التي حاولت إدارته فرضها، فهناك دول وقعت على الاتفاقية النووية عبرت عن قلقها من القرارات الأحادية الأمريكية، كالصين مثلا، ومن هنا ألمحت أمريكا أنها قد ترفع عقوبات «أقصى ضغط» التي صممت لعزل إيران عن الاقتصاد العالمي واستهدفت المؤسسات الإيرانية بما فيها المصرف المركزي ووزارة النفط وشركة النفط الإيرانية. بالإضافة إلى أن استمرار الحصار قد يزيد من السوق السوداء. وطالما لم ينجح سلاح العقوبات وتضرر منه الناس العاديون، كما حدث في العراق أثناء صدام حسين، حيث مات المئات بسبب العقوبات الدولية على النظام وما نراه اليوم من أزمة اقتصادية ومعيشية في سوريا بسبب قانون قيصر والحرب المستمرة هناك، كما ولم تنجح عقوبات أمريكا على كوريا الشمالية وفي حديقتها الخلفية كوبا وفنزويلا. وحذر وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في 2016 من آثار العقوبات العكسية، من ناحية تقوية النظام المعاقب أو تعب الدول التي تتعامل معه، وفي هذه الحالة الصين التي وقعت اتفاقية للتنمية ومشاريع البنية التحتية بقيمة 400 مليار دولار.
صقور أمريكا
وفي هذا السياق أثارت عودة بايدن للمفاوضات إلى مطالب الصقور من جمهوريين وديمقراطيين بمواصلة الضغط على إيران وعدم تضييع ما تم إنجازه خلال السنوات الثلاث الماضية، وهذا هو موقف إليوت أبرامز، الجمهوري الذي عمل مبعوثا لإيران في إدارة ترامب وموقف الديمقراطي بوب ميننديز، سناتور ولاية نيوجيرسي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ. لكنهما ومن معهما يعللون أنفسهم بالأماني، فلو أرادت إيران الاستسلام للمطالب الأمريكية لفعلت منذ وقت طويل. وموقف المتشددين في هذا الوقت لا يحمل أي منطق، فلو رفضت الولايات المتحدة الوفاء بالتزامات الاتفاقية الأولى فلماذا يجب على الإيرانيين الثقة بها وأنها ستلتزم بمبادئ اتفاقية ثانية؟ وهم لا يفهمون إن استراتيجيتهم قد فشلت. وعودة إيران إلى برامجها النووية كانت محاولة منها لتذكير أمريكا كيف سيكون شكل العالم بدون التزام الأطراف بما تم الاتفاق عليه. إن الصقور وغيرهم لا يزالون يحلمون بحدوث ثورة في إيران مع أن تجارب الربيع العربي أثبتت وهم فنتازيا الثورات الملونة. ولم تحدث في إيران ثورة ملونة بعد، رغم الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في العامين الماضيين بسبب الأوضاع المعيشية.
المخربون
ومن هنا ليس أمام بايدن إلا مساحة قصيرة من الوقت لكي يتوصل لتسوية مع إيران، توقف طموحاتها النووية ولفترة طويلة. فالمخربون مثل إسرائيل يحاولون تخريب المحادثات وإرباك البرنامج النووي لفترة قصيرة ولكن بايدن يبحث كما قال ماكس بوت في «واشنطن بوست» (12/4/2021) عن طرق لوقفه وللأبد، مما يعني أن الدبلوماسية هي الحل. وعلق بوت على آخر عملية تخريب إسرائيلية تسببت بانقطاع التيار الكهربائي في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم نهاية الأسبوع الماضي. والتي تعتبر جزءا من حرب الظل الإسرائيلية المستمرة ضد إيران. فقد أشارت الصحافة الأمريكية الشهر الماضي إلى عمليات استهداف إسرائيلية للسفن الإيرانية. وكذا الحرائق الغامضة الصيف الماضي في منشآت حيوية بما فيها منشأة لصناعة الصواريخ ومقتل عالم ذرة إيراني في الخريف الماضي. وكانت أنجح الهجمات هو ستاكسنت كجزء من عملية أمريكية-إسرائيلية أطلق عليها «الالعاب الأوليمبية» والتي خربت كما قيل 1.000 جهاز طرد مركزي من 5.000 جهاز بمفاعل نطنز عام 2010.
وعلى العموم لم تؤد العمليات الإسرائيلية لمنع إيران عن مواصلة تطوير برامجها النووية. فإسرائيل دمرت المفاعل النووي العراقي في 1981 والسوري في 2007 ولكن ليست لديها القدرات لتدمير البرنامج النووي الإيراني. والدولة الوحيدة القادرة على عمل هذا هي الولايات المتحدة إلا أن الثمن سيكون حربا شاملة لن يعرف أحد مداها. وحتى الغارات الأمريكية لن تؤدي لسحق البرنامج بقدر ما ستؤدي إلى تأخيره. ولا شك أن قرار ترامب ترك الاتفاقية يعد اسوأ القرارات في السياسة الخارجية منذ غزو العراق في 2003. فرغم العقوبات التي فرضتها إدارته على النظام الإيراني لم يتوقف عن دعمه للجماعات الوكيلة ولا ذرة واحدة. بل وزاد الحوثيون في اليمن وحلفاء إيران من هجماتهم الصاروخية على السعودية.
عملية معقدة وطويلة
ولا يمكن فصل الهجمات الإسرائيلية عن السياق الداخلي الذي يحاول فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بناء حكومة ائتلافية بعد فشله بالفوز بغالبية في انتخابات الشهر الماضي. ولهذا يرى أن استعراض العضلات في المنطقة يعزز من مكانته وصورته. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» (13/4/2021) عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن نتنياهو الذي يواجه محكمة بتهم الفساد وسوء استخدام السلطة، ويكافح من أجل تشكيل حكومة ائتلاف ربما حاول عبر العملية الأخيرة إقناع الأحزاب الأخرى أن الوقت ليس مناسبا للتخلص من رئيس وزراء مجرب. وبالنسبة لإيران فإن إعلان إسرائيل عن العملية يضعها أمام خيار الرد. فلطالما احتوى الطرفان مواجهات الظل بتجنب الحديث علنا عنها. إلا أن تسريب المعلومات حول هجوم الأحد الماضي قد يجبر إيران على رد من أجل حفظ ماء وجهها. وقال مدير الموساد السابق داني ياتوم: «عندما يتم الإستشهاد بمسؤولين إسرائيليين فهذا يعني ردا انتقاميا إيرانيا». وقال «هناك أعمال من الأفضل أن تظل في الظلام». ومع ذلك فطهران لا تريد مواجهة في الوقت الحالي بل صفقة، إلا أن عمليات كهذه تزيد من تشددها وتعقد دبلوماسية بايدن كما قالت صحيفة «واشنطن بوست» (12/4/2021)، مشيرة إلى أن العملية تزامنت مع زيارة أول مسؤول في إدارة بايدن إلى إسرائيل وهو وزير الدفاع لويد اوستن. ولم تستبعد الصحيفة أن العملية محاولة لتخريب الدبلوماسية الأمريكية. وينظر إلى العملية الإسرائيلية الأخيرة أنها تستهدف عملية العودة وتعقيدها. ولو استطاعت إدارة بايدن انقاذ الاتفاقية النووية فإنها ستكون حرة لسحب الأرصدة العسكرية من الشرق الأوسط والتركيز على التحدي النابع من الصين. فحتى نهاية الأسبوع الماضي كانت المبادرة الأمريكية تتقدم على ما يبدو. ووصفت كل الأطراف محادثات فيينا والتي شاركت فيها الحكومات الأوروبية وروسيا والصين بالبناءة. وقدمت إيران بادرة حسن نية بالإفراج عن سفينة كورية جنوبية كانت تحتجزها.
صقور إيران
ومثل الصقور الأمريكيين أدت عودة إيران إلى المحادثات النووية لخلافات بين المتشددين والإصلاحيين الذين قد يخسرون الانتخابات في 18 حزيران/يونيو المقبل. وبدأت الحملة عليهم مبكرا من خلال مسلسل تلفزيوني موجه على ما يبدو ضد وزير الخارجية ظريف. ففي «غاندو» الذي أوقف عرضه بعد عرض نصف حلقاته، يصور وزيرا يعتمد على المستشارين الإيرانيين-الأمريكيين الذي اخترقتهم الموساد. وكما قالت «إيكونوميست» (17/4/2021) فقد أبدت المخابرات الإسرائيلية حرية للحركة والمناورة داخل إيران، وقتلت العام الماضي عالما نوويا وقياديا في القاعدة وقامت بعمليات تخريبية بدون رد إيراني. ولعل محاولاتها أو نتنياهو، تهدف لردع بايدن عن العودة إلى المحادثات أو تعبيد الطريق له بإضعاف الموقف الإيراني. ومهما يكن فإن الساحة الداخلية الإيرانية منقسمة كما جاء في تحليل لصحيفة «فايننشال تايمز» (15/4/2021). ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الإيرانية يخشى الإصلاحيون أن يهيمن المتشددون عليها. إذ يمكن لمثل هذه النتيجة أن تحد من مجال التفاوض بشأن الاتفاق النووي بعد الانتخابات. ويخشى المعسكر الإصلاحي من أن تغذي حكومة متشددة في طهران وجهات نظر متشددة في واشنطن، وكذلك قوى إقليمية مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ما قد يعني المزيد من الضغط الاقتصادي على إيران.
ويقول المتشددون إن بإمكانهم مواصلة المحادثات، مع أن الإصلاحيين يتساءلون عن كيفية حدوث هذا وهم يرفضون الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وترى «فايننشال تايمز» أن المحللين يعتقدون أن آية الله خامنئي خلص إلى أن المشاركة المنخفضة بشكل محرج في التصويت، أي أقل من 50 في المئة، ستضر بمصداقية نظامه في الداخل والمفاوضين الإيرانيين في أي محادثات مع الولايات المتحدة. فقد وصف في خطاب عام في آذار/مارس بأن الانتخابات «استثمار» للمستقبل. وأضاف أنه «كلما زاد الإقبال، زادت الفوائد» التي ستعود على الدولة ككل في جهودها لـ «إبعاد العدو». وفي النهاية يقول قريب للمرشد: «سيظل خامنئي يرتدي الكوفية طالما اعتقد أن الجمهورية الإسلامية مهددة من خلال إصلاحات جذرية، لإظهار أنه لن يتنازل عن المبادئ، ولن يسمح للولايات المتحدة وإسرائيل والإصلاحيين بدفع إيران إلى الوراء في المنطقة مرة أخرى، أو تقويض برنامج الصواريخ الباليستية أو التشكيك في سلطته المطلقة».