تسخير الشعوب في حرب بالوكالة كآلة للصياغة جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير. إنه جيل تسخير إرادات الشعوب لتنفيذ مخططات العدو، فاللعبة الجديدة في ليبيا خطرة إنْ هي نجحت لأن من يدفع هذا الثمن هم أهل الوطن: «عرب وأمازيغ وطوارق وتبو». ويبقي القصد من كل ذلك ضرب وتفتيت البلد لصياغة منطقة جديدة، سواء من خلال هذا الجيل الجديد من الحروب أو من خلال بعض القيادات العربية الرسمية والتي هي جزء لا يتجزأ من مشروع إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط.
الثورة صادقة في انطلاقتها وآمنت الأغلبية بمبادئها النبيلة، ولها مسوغاتها الداخلية في وقت خرجت جموع الشعوب لإسقاط نظم دكتاتورية من تونس إلى مصر إلى سوريا. وبالنسبة لمديري اللعبة لا بد من صناعة «للشرعية» وصناعة خريطة طريق تضمن المصالح، والعمل على ضرورة بقاء المنطقة أمريكية السياسات وإقليمية التوجهات، ومحلية التنفيذ حيث بدأت نقطة التحول في الأول بخلق أوضاع استثنائية من عدم الاستقرار والاختلال الأمني وتكوين بؤر توتر هنا وهناك باستغلال بعض المتحمسين والسذج. ويقع تحويل القضية برمتها من قضية الحكم والشرعية إلى هاجس الأمن والاستقرار وتتحول القضية من صراع من أجل التحرر والانفتاح على الديمقراطية والتعددية إلى مجرد مسألة وهاجس أمني وتصبح العملية برمتها «إرهاب» يجب محاربته. وفي الآخر تحول الصراع بين الشرعية والمشروعية وبذلك عمت الفوضى وحُرقت البلاد وزادت انتهاكات حقوق الأبرياء المدنيين، ولكن هذا النوع من التطرف وهذه الانتهاكات مسموح بها وفق ازدواجية المعايير وتطبيق العدل مادام يصنع الشرعية, وفي خضم هذا وذاك لا تتكشف الصورة إلا للبعض أما العامة فإن الصورة التي يريدون ترسيخها تبدأ في إظهار الإسلام وكأنه في خطر بما إنهم مهددون بالسقوط وإخراجهم من المشهد السياسي. وهنا تحركت مشاعر مؤيديهم وتدغدغت عواطف العامة من الثوار وتدافعوا لحمايتهم ولتجديد الشرعية لهم في مسيرات ومظاهرات ونزاعات مسلحة. وبذلك انتعشت الفوضى الخلاقة كسياسة أمريكية بررتها أدوات إقليمية ونُفذت بأدوات محلية غايتها تجديد الشرعية. ولكن بسلب إرادة الشعب أو في غفلة من أمره ولتكتمل المسرحية ها هي تتهاطل النداءات والاقتراحات «استقالة حكومة… وحكومة كفاءات .. حكومة توافق ..إنقاذ وطني ..» وفي النهاية بزوغ شرعية جديدة تفرضها الفوضى الإعلامية ويفرضها الهاجس الأمني. شرعية يفرضها الخوف من المجهول. وبذلك يستمر نزاع الجيل الرابع من الحروب والفوضى وتستمر القضية بين من يحكم أنا أو أنت في ظل حرب أهلية لا غالب فيها ولا مغلوب، وفي غياب تام للتعددية بمفهومها البحثي الأكاديمي.
عبدالمنعم الحر