رلا يخلو توصيفنا لـ«لأصل» عقديا كان، فكريا، أو إبداعيا، من نزعة إسقاطية تساهم في تكريسه، بوصفه بنية حية، متكاملة، ومستوفية لمقوماتها الدلالية. لكن حالما نتخلص من إجحاف هذا الإسقاط، فإننا سنجد أنفسنا إزاء دلالة مغايرة، تحيلنا مباشرة على حركية «شيء/نص» ما، يبحث عبر امتداد صيرورته الزمنية، عن الآليات الكفيلة بتشكله. فـ«الشيء» ككل، يكف عن اعتبار ذاته أصلا، فور استكماله لمراحل تكونه التي لا تتجاوز حدود ما هو مؤقت. بمعنى أن الدلالة الوافية لـ«لأصل» تنحصر أساسا في مرحلة ما لم يتشكل بعد، أو في ما هو قيد التشكل والتكوين. وهي المرحلة التي لا تسمح بتمثل ملامحه بصورة واضحة ومعلنة. غير أن الشيء، لا يلبث أن يفقد دلالته، وهويته بوصفه «أصلا» فور استيفائه لشروط بنائه، نتيجة اندماجه في قلب سيرورته التي تتميز مبدئيا بطابعها التفاعلي، حيث تتداخل العناصر وتتكامل، انسجاما مع التعالقات التي تمليها إواليات السياق، والتي لا تتوقف عن تجديد ميكانيزمات اشتغالها.
وكما هو معلوم، فإن حركية السيرورة في بعدها الإيجابي طبعا، تؤثر بشكل فعال، في تصعيد الطاقة التحويلية التي تخضع لها العناصر، عبر دمجها لها في سلسلة لا متناهية من التغيرات البنيوية، الموهمة ظاهريا بتتالي نماذج متعددة لأشياء /نصوص، يستقل كل منها عن الآخر. والحال، أن الأمر يتعلق بـ«شيء/نص» مفرد، يحقق استمراريته في الزمن، عبر تخلصه المتواتر من معيقاته الماضوية الملتصقة به.
من هنا يمكن القول، إن «الأصل» هو محض فكرة مجردة لشيء جد غائم وغامض، قد يتشكل لاحقا، أو لا يتشكل، دون أن يحمل بالضرورة بعضا من خصائصه التي كانت سببا في انطلاق مسيرته، حيث سنكون مدعوين للتعامل مع كل نص يعتبر ذاته أصلا، بوصفه مادة جامدة، ليس أكثر ولا أقل، ومجردة من جوهرها التفاعلي، الذي يستمد مصداقيته، على ضوء ما تمده به السيرورة من ميكانيزمات قرائية وتأويلية. وإذا ما نحن سلمنا بإيجابية فكرة الأصل، المتمثلة أساسا في إضفائها لحالة من الهيبة التأسيسية عليه، فإننا في الوقت نفسه، سنكون مدعوين للاعتراف بإشكالية تحوله إلى مجرة من النصوص، بفعل انصهاره في مجرى سيرورته التداولية. حيث تساهم كل قراءة جديدة، في إعادة إنتاجه بصورة مختلفة ومغايرة. مع التذكير بأن حديثنا عن حتمية التحول النصي، لا تعني بالضرورة حتمية تطوره المنفتح على المستقبل، ما لم تتوافر الشروط المساهمة في ذلك. إذ لا يمكن بحال، إغفال الخصوصية المعرفية، التي تطبع هوية كل محطة تاريخية من محطات هذا التحول. باعتبار أن واقع النص، يتأثر هو أيضا بالدينامية الثقافية العامة المؤطرة الواقع ككل، بوصفها بنيات وأنساقا فكرية وإبداعية، تساهم بشكل أو بآخر في توجيه حركيته. بمعنى، أن السيرورة ذاتها، قد تتسم في بعض مراحلها، بإيقاع ثابت وسكوني، ينعكس سلبا على حياة النص، ويعرضه للمحو والنسيان، بالقدر نفسه الذي قد تلعب الشروط المضادة دورها الأساسي في انبعاثه، كي يضطلع بمهام الفاعل الفكري أو الإبداعي، متموضعا بذلك في مركز الرؤية، والإنصات.
الخطابات المتنكرة تماما لمقولة الأصل، تشي بعمق تجذر السؤال الديني في دواخلها، مهما بالغت في تفريغ مرجعياتها منه. بمعنى أن تفكيكنا للخطابات المعنية هو أيضا بتفكيك الأصل الإيماني، سيضعنا مباشرة في قلب إشكالياته المركزية، التي تستعيد بها عناصره تلاحمها الرمزي.
ففي قلب السيرورة المصطخبة بتناقضاتها، يختبر «النص /الشيء» حدود حضوره أو غيابه، على ضوء السياق المتواجد فيه. مع الإشارة إلى أن الشروط الفاعلة في غيابه أو انبعاثه، تتغير من ظرفية ثقافية /معرفية لأخرى. ودائما في سياق تساؤلنا عن إشكالية الأصل، وعن مكابدات ترسيخه أو عدوانية محوه، سوف تستوقفنا حتما، الرؤية الدينية بمختلف مشاربها وتفريعاتها، بالنظر لتجذرها الكبير في الوجدان البشري. فبقطع النظر عما يمكن أن يتمتع به العقل من قناعات نظرية، إلا أنه سيظل عالقا في حبال الديني. كما أن أساليب الحجاج والبرهنة والاستدلال كافة، الموظفة عادة في استبعاد سلطة هذه الحبال، لن تكون في مجملها سوى الدليل الموضوعي على تحكمها الملموس في لجام الروح، حيث يمكن اعتبار الخطاب المتنكر للأصل ضمن هذا السياق، مجرد تنويع على المكابدة الحقيقية، التي يعيشها الكائن بتأثير من حدة السؤال الديني. وإن كانت تبدو من حيث الظاهر مكابدة معكوسة. أو بصريح العبارة، مكابدة مضادة.
والملاحظ أن الخطابات المتنكرة تماما لمقولة الأصل، تشي بعمق تجذر السؤال الديني في دواخلها، مهما بالغت في تفريغ مرجعياتها منه. بمعنى أن تفكيكنا للخطابات المعنية هو أيضا بتفكيك الأصل الإيماني، سيضعنا مباشرة في قلب إشكالياته المركزية، التي تستعيد بها عناصره تلاحمها الرمزي. وهو أمر على درجة هائلة من التعقيد، يجعل من الأصل الديني سلطة متجذرة في حياة الكائن. حيث لا تعدو الإبدالات، بمشاربها الفكرية والإبداعية المتعددة، أن تكون امتدادا لصورة الأصل، ومنجذبة لقدر التطواف حول مركزه. خاصة أن آليات التفكيك، ومهما أكدت فعاليتها الإجرائية، فإنها تظل عاجزة عن الصمود أمام أزمنة طويلة من بحث الكائن عن ميتافيزيقا الجذور، حيث يكون بإمكان الأصل، وبغير قليل من التشفي، استعادة بريقه الآسر والخلاب.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن الأصل لا يتوقف عن الحديث إلينا، وعن إغرائنا بالتفكير في إشكالياته. وحينما يحدث أحيانا أن يتيح لنا إمكانية الاحتفاء بما توفقت الذات في إبداعه خارج مداراته، فلا لشيء، إلا لأنه يخطط لاستقدامنا إليه، كي يذكرنا بأهمية وجوده في حياتنا، كما في مماتنا، باعتبار أن استمراريته أيضا، تتوقف على إكراهنا، أو بالأحرى على استدراجنا للإنصات إلى خطابه وإعمال الفكر فيه. ما يدعونا للاقتناع بحاجته الدائمة إلى هذا النسيج المتعدد من الاهتمامات، التي تتداخل فيها خيوط الشعري بالفلسفي، بالميثولوجي، والخرافي حتى. ولعل تعدد تشكيلات وتلوينات هذه الخيوط، تتطابق تماما مع سحرية مقوماته الداخلية. تلك الخبيرة بتحفيزها لسيل من الأحوال والمقامات، المجسدة في تنافر وتعارض خطاباتها ومقارباتها. إلا أنها ورغم ذلك، تظل محتفظة بتكاملها، بفعل تمحورها أساسا، حول سلطته المتعالية. أي بوصفه «أصلا».
شاعر وكاتب من المغرب