أصحاب أقوال لا أفعالا

حجم الخط
2

لو تمسك العرب والفلسطينيون على وجه الخصوص، بمواقفهم واحترموا الكلمات التي تنطق بها أفواههم ونفذوا التهديدات التي تنطلق بها حناجرهم، ولا أقصد تهديدات الانتقام والثأر الفصائلية، فهذه رواية لوحدها وهي خارج هذا السياق وتحتاج لمقال خاص بها، لفرضوا احترامهم ومصداقيتهم على العالم اجمع، العدو منه قبل الصديق.
ولا أبالغ أبدا عندما أقول إن الإسرائيليين وغيرهم، لا يأخذوننا على محمل الجد ولا يعيرون تهديداتنا أي اهتمام.. ومن يلزمهم على ذلك وهم العدو الذي يعرف عــــدوه أكثر مما يعــــرف العدو «اللي هو احنا» نفسه. إنهم يعـــرفوننا أصحاب أقــوال لا أفعالا.. تهديداتنا فارغة تستخدم للاستهلاك المحلي وتهدئة المشاعر الملتهبة وامتصاص النقمة، خاصة عندما ترتكب إسرائيل جرائمها وهي دوما ترتكب.
ولا أستغرب أبدا إن لم يحترم الإسرائيليون لنا مواعيد أو يلتزموا باتفاقات معنا، لأننا وبدون مبالغة على الإطلاق وهناك أمثلة كثيرة، نفتقر للمصداقية اذا ما تحدثنا أو هددنا. ومن لا يحترم نفسه ولا يلتزم بكلمته ويفتقر للمصداقية ولا ينفذ تهديده، أو وعيده، كيف له أن يتوقع من عدوه أن يحترمه أو يأخذه على محمل الجد.
واستثني هنا فقط إصرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس على التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، بمشروعه لإنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، وإن كان المشروع الذي قدم، يختلف بثمانية بنود عن المشروع الأصلي.. ولكن المهم أنه وعد ونفذ، وهو ما جعل العالم، يتحرك وبسرعة مذهلة للاعتراف بدولة فلسطينية وممارسة الضغوط على دولة الاحتلال، وقد يحظى المشروع بحلته الجديدة بالفوز في مجلس الأمن. وأنا هنا لست بصدد تقييم المشروع ولا كيل المديح للرئيس الفلسطيني، بل من باب الإنصاف، وفقط إعطاء مثال على كيف أن الالتزام بما نقول يأتي اكله ويكسب صاحبه المصداقية والاحترام.
على مدى سنوات ما بعد إعلان المبادئ الذي يعرف باسم «اتفاق أوسلو» المشؤوم الذي وقع في حديقة الورد في البيت الأبيض في 13 سبتمبر 1993، وحتى الآن تنصلت إسرائيل من الكثير من استحقاقاتها، ولن أكون متجنيا إن قلت جميع استحقاقات هذا الاتفاق وما تبعه من تفاهمات وملاحق وهي عديدة، واحتفظت فقط باستحقاقين، هما السلطة الفلسطينية وقواها الشرطية والأمنية.. ليس هذا فحسب، بل ان اسرائيل وعلى مدى اكثر من 21 عاما عربدت وبالغت بالقتل والتدمير ومصادرة الأراضي والبناء الاستيطاني، الذي أصبح أضعاف ما كان عليه قبل أوسلو.. وكان ردنا، نحن، مجرد تهديدات فارغة. وهنا أتحدث عن الجانب الرسمي من «نحن» وليس الجانب الشعبي أو الفصائلي، وإن كانت هناك فصائل تتحمل مسؤولية بعض هذه الإرث من التهديدات والوعود التي لا تحترم ولا تصان.
وسأقدم حسب ما تسمح المساحة المخصصة لهذا المقال، بعض الأمثلة لمسلسل الانتــــهاكات والاعـــتداءات والجرائم الإسرائيلية.. والتهديدات اللفظية لا الفعلية الفلسطينية.. من يومنا هذا فنازلا.
– التسويق الأمني
أقدمت إسرائيل على قتل الوزير المناضل زياد ابو عيد بدم بارد وبدون استفزاز أو رشق بالحجارة، بينما كان ومجموعة من المقاومين شعبيا يزرعون اشتال الزيتون لمنع سلطات الاحتلال من مصادرة أرض.. نعم استشهد الوزير… وانفجرت الأراضي الفلسطينية غضباً، لاسيما عناصر تنظيم فتح الذي ينتمي اليه الشهيد. لا لأن الشهيد وزير، بل لأنه من أبرز المناضلين الذين اتسموا بـالمصداقية وقرنوا القول بالفعل ولم تغير مناصبهم أساليبهم في العمل النضالي.. وكلنا يعـــرف معنى ان تكون وزيرا في عالمنا العربي.
أعربت السلطة عن غضبها وتوعدت وأطلق بعض المسؤولين التهديدات المجلجلة باتخاذ إجراءات ضد القتلة، ومنها وقف التنسيق الامني وترقب الشارع القرار، إلا ان «الجبل تمخض فولدا فأرا»، كما يقول المثل، وجاء رد القيادة بالإبقاء على التنسيق الأمني لا عجزا منها في وجه اسرائيل، ولو قالت ذلك لوجد البعض لها تبريرا، ولكن لفائدة الشعب الفلسطيني حسب قولها.. وصدق إذا أردت. في المقابل كان المسؤولون الإسرائيليون يعرفون مسبقا أن هذه التهديدات ليست اكثر من استهلاك محلي لامتصاص النقمة الشعبية، وأن السلطة لن تقدم على مثل هذه الخطوة.
– التهديد بالانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية
منذ اليوم الاول للحرب على غزة في مطلع يوليو الماضي، أي قبل حوالي خمسة اشهر ونصف الشهر، والسلطة تهدد وتتوعد بالانضمام الى المنظمات الدولية وفي مقدمتها محكمة الجنايات، حتى ينال مجرمو الحرب الإسرائيليون العقاب على الجرائم والمجازر التي ارتكبوها بحق شعبنا في قطاع غزة. وبدلا من التحرك فورا باتخاذ الإجراءات اللازمة، ربطت هذا الحق المشروع بمشروع القرار الفلسطيني المقدم إلى مجلس الأمن.. بمعنى أنها تتعامل معه كعامل ضغط وليس كحق، نجح مشروع القرار أم فشل.
وثمة خطيئة كبرى في هذا التهديد، وهي فتح المجال للمساومة في حق اللجوء للمحكمة الدولية لتدفيع قادة اسرائيل الثمن، وهذا حق لا علاقة له بمفاوضات او سلام، لأن المجرم لا بد أن ينال عقابه.
– تقرير غولدستون
تقرير ريتشارد غولدستون، القاضي اليهودي من جنوب افريقيا، الذي قاد التحقيق في الجرائم الإسرائيلية خلال عدوان 2009/2008 على قطاع غزة، الذي أدان اسرائيل بارتكاب جرائم حرب.. وتوعدنا بمتابعة القضية. ودفن التقرير بنتائجه وبقي مجرمو الحرب الإسرائيليون يصولون ويجولون استعداد لمزيد من المجازر.
– المفاوضات:
اوقفنا المفاوضات ردا على استمرار البناء الاستيطاني.. وربطنا بين العودة الى طاولة المفاوضات ووقف الاستيطان.. عدنا الى المفاوضات.. واستمر البناء الاستيطاني بوتيرة أعلى.
– القدس
اذا عدت الى التصريحات الفلسطينية المتعلقة بموضوع الاستيطان الاسرائيلي وعمليات مصادرة الاراضي والاعتداءات اليومية على حرمة المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، فسيكون الغالب عليها.. عبارة واحدة.. القدس خط أحمر لن نسمح بتجاوزه.. مقدساتنا خط أحمر ولن نسمح بتدنيسها.. الأقصى أقصانا ولن نسمح المساس به وهو خط أحمر.. ومسرى الرسول خط أحمر لن نسمح بتقسيمه زمانيا أو مكانيا.. والنتيجة أنه في كل مرة نمسح هذا الخط الأحمر لنرسم خطا جديدا. إسرائيل تفرض واقعا جديدا باستمرار، الاقتحامات اليومية، والأقصى مقسم زمانيا، وهو الواقع الذي قالت إنها لا تسعى الى تغييره وليس واقع الأقصى بعد احتلاله… «وتهديداتنا وخطوطنا الحمراء نبلها ونشرب ميتها»، كما يقول المثل.
– التهديد بإعلان الدولة في الضفة وغزة في سبتمبر 2000
هددت منظمة التحرير الفلسطينية بإعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وغزة في 13 سبتمبر 2000 وهو الموعد الأخير للتوصل إلى اتفاق الحل النهائي وفقا لاتفاق أوسلو المرحلي.. ومر 13 سبتمبر 2000 و13 سبتمبر 2014 ولم تقم الدولة العتيدة.
– النفق تحت الأقصى 25 سبتمبر 1996
أقدمت إسرائيل على فتح نفق تحت الأقصى.. وأعلنت السلطة رفضها لهذا النفق الذي قالت إنه يهدد الأقصى. فهب الشعب الفلسطيني بكل فئاته بما فيها قوات الشرطة فی مسیرات تحولت الى اشتباكات مسلحة مع قوات الاحتلال استمرت لأكثر من أسبوع سقط فيها حوالي 75 فلسطينيا، منهم الكثير من رجال الشرطة.. وفي النهاية هدأت الهبة وبقي النفق.. وذهبت تهديداتنا هدرا.
– الحرم الإبراهيمي في الخليل
رغم التهديدات الفلسطينية عملت إسرائيل قبل حوالي عشرين عاما على تقسيم الحرم الإبراهيمي في الخليل بين اليهود والمسلمين.. وفي غياب الموقف الجدي تمادت وصارت تمنع رفع الأذان فيه.. ولا حياة لمن تنادي..
ما تقدم ليس الا أمثلة فقط.. فكيف لعدونا أن يتعامل معنا الا بالاستخفاف بتهديداتنا وهو من قال يوما، إن العرب أصحاب ردات فعل عاطفية يثورون في اللحظة ثم يهدأون.

٭ كاتب فلسطيني

علي الصالح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية