هل حقا صمد جيش الأسد؟

حجم الخط
6

■ إذا كان الأسد ما زال في قصره، والعاصمة ما زالت بيده، ومراكز المحافظات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ما زالت بيد قــــواته (عدا الرقة)، فماذا يسمى ذلك؟
قبل أن يأتي الرد مبررا بأن الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية وإيران تساند النظام، علينا أن نتذكر ان نسبة هذه الميليشيات لا يتجاوز ربع القوات التي تقاتل إلى جانب النظام، وتوجد على جبهات أقل من قوات النظام وميليشياته.
بالطبع النظام متفوق بالطائرات والترسانة، ببساطة لانه جيش، ويبيح القتل والتدمير ولا رادع له، لأنه مبني على عقيدة الإبادة، ولأنه صمم أصلا ليدافع عن النظام ضد شعبه. وبالطبع لولا الدعم الايراني والميليشاوي الشيعي العراقي واللبناني لما صمد النظام شهرا واحدا.. ولكن هذا أيضا إقرار بنجاح نظام أقلوي في سوريا ببناء حلف اقليمي اقلوي، استطاع مواجهة أكثرية سنية فشلت تماما في الاستعانة والاستقواء بمحيطها السني.
وبعيدا عن الميليشيات الشيعية علينا ان نتذكر ان فصائل الثوار العسكرية ظلـــت حتى اليوم متفـــرقة متصارعة في ما بينها، كجماعات محلية متقاتلة على النفـــوذ لا يجمعها أي قيادة موحدة، ما جعلها عاجزة عن تشكيل جبـــهة مكافئة لنظام يقاتل على قلب رجل واحد، وبقيادة مركزية بمؤازرة من حلف يمتد من طهران حتى بيروت.. بيـــنما لم تتمكن فصائل الثوار السنة من تكوين رؤية تدرك فيــها جوهر النزاع لتشكل تعريفا لذاتها وخصومها، يمكنها بالتالي من توحيد مجموعاتها داخل مناطق المعارضة في سوريا، فضلا عن تشكيل حلف إقليمي يساندها أمام حلف النظام..
وبعيدا عن الحلف الإقليمي، فان قوات النظام النخبوية قاتلت بعقيدة صلبة وشراسة حقيقية بقيادة الضباط العلويين الذين يشكلون ثلاثة ارباع ضباط الجيش وكل قادة الوحدات الخاصة، كالحرس الجمهوري والفرقة الرابعة. إضافة الى قوات الشبيحة من ميليشيات الدفاع التي تشكلت بالغالب من أبناء القرى العلوية والدرزية التي أذكت الطابع الاهلي الطائفي للحرب في سوريا.
ولا يمكن ان نتحدث عن تفوق الطائرات لدى النظام، ونغض النظر عن صلابة مقاتليه في قطعات ومواقع عسكرية صمدت لأشهر طويلة، ولم يكن بها سوى مئة وخمسين جنديا الى مئتين بقيادة ضباط وقناصة علويين يقاتلون باستماتة كما يقاتل السلفيون الجهاديون تماما..
ويعرف الجميع قصصا لا تنتهي عن مقاتلين علويين رفضوا الاستسلام حتى حوصروا وفجروا انفسهم بابتلاع قنابل يدوية، تماما كما يفجر الجهاديون السنة انفسهم بالأحزمة الناسفة.. امثلة كثيرة يمكن الحديث عنها، عن وحدات للجيش السوري صمدت لاشهر في مواقع معزولة ولم يكن معهم اي مقاتل اجنبي او ميليشيا شيعية او ايرانية، تسعة اشهر الى عامين ظلت محاصرة هذه المواقع، بعضها سقط وبعضها ما زال محاصرا، مدرسة المشاة ومطار منغ ومطار كويريس والفوج 46 وسجن حلب المركزي ومطار الطبقة ومواقع الرقة الثلاثة، واخيرا وادي الضيف ومجمع الحامدية، كلها كان بداخلها جنود ومقاتلون سوريون فقط، كثير منهم من السنة الممنوعين من العودة لزيارة أهلهم، في معسكرات أشبه بالمعتقلات يقودهم فيها ضباط علويون ترسخت فيهم عقيدة المؤسسة العسكرية التي صممها حافظ الاسد ببراعة، وابعد معظم الضباط السنة الفاعلين منذ ان سيطر على اللجنة العسكرية لحزب البعث هو واربعة ضباط من العلويين والاقليات.
جميع من تابع هذه المعارك عن قرب وتحدث الى المنشقين من تلك المواقع يعرف انهم كانوا يتغذون أحيانا على السيروم المالح وتحثهم قياداتهم على الصمود، وكثيرا ما يرفضون الاستسلام وان انهزموا، فانهم يحاولون الانسحاب نحو موقع آخر، كما حصل في مطار منغ عندما انسحبوا نحو عفرين الكردية، وكما حدث في مدرسة المشاة عندما انسحبوا نحو سجن حلب المركزي، قبل ان يقتلوا خيرة قادة الثوار ابو فرات والبيانوني في خطأ ارتكبه الثوار بتركهـــم لمبنى التدريب الجامعي وانشغالهم بالغنائم.
القيادة العسكرية لجيش النظام تقاتل بعقيدة واصرار تماما كالثوار الإسلاميين السنة.. لذلك طالت حرب سوريا كما طالت الحروب الأهلية في لبنان والعراق.
أما تبرير إخفاق فصائل المعارضة بالسيطرة على اي مركز محافظة، عدا الرقة، بالحديث عن الدعم الايراني والاقليمي، فهو يناقض حديث الثوار انفسهم عن هروب جنود الاسد بلباس النساء، كما حصل في وادي الضيف مثلا! فإذا صمد جيش النظام يكون بفعل خارجي، واذا هزم يصبح جبانا يهزم كالنساء!
لذلك كان السؤال الأبرز لماذا يصمد موقع كوادي الضيف لعشرة أشهر كاملة تحت الحصار؟ ولماذا يسقط بمجرد إنهاء نزاع داخلي بين فصيل جمال معروف والنصرة على أدلب؟ العقل الغرائزي يريد فقط تشويه خصمه والانتقاص منه فيستمر في رؤية النزاع كما يحب لا كما هو.. من دون فهم طبيعة الصراع ومدى قوة الخصوم، ليحجب عن نفسه الواقع ويستمر في مسلسل التراجع ليرى ان ساعة الصفر قد حلت في دمشق قبل ان تدق ساعة حصار حلب!
هذه الذهنية تدخل صاحبها في غيبوبة تمنعه من إدراك المشكلة. ولو تغيرت منذ البداية واتضحت الرؤية وشخصت المشكلة ما كان هذا هو الحال.

٭ كاتب فلسطيني

وائل عصام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية