قبل عام غيّب الموت الشاعر والقاص الأردني/ الفلسطيني نمر حسن حجاب, المولود في قضاء حيفا سنة 1935م، وهو أحد الرواد الكبار في مجال توثيق الفلكلور الشعبي، إلى جانب اشتغاله في النقد والترجمة, كذلك.
حصل نمر حجاب على شهادة الليسانس في الفلسفة وعلم الاجتماع من جامعة بيروت العربية سنة 1970م. وعمل مدرّساً ومُديراً في مددارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بإربد (1958- 1993). بعدها رأسَ حجاب مؤسسة «إحياء التراث الفلسطيني» في شمال الأردن خلال عامي (1981-1983)، وانتُخب عضواً في مجلس بلدية إربد (1995- 1999), التي كرّمته بجائزة بلدية إربد «للمعلمين الأوائل» عام (2009), علماً أنّ حجاب حمل «مفتاح مدينة يوكوهاما الذهبي» عام (1996) تقديراً من الحكومة اليابانية لعمله وجهده البحثي.
الأغنية الشعبية في شمال فلسطين:
اشتغل حجاب على توثيق وجمع كل ما يتعلق بالأغنية الخاصة بشمال فلسطين في مؤلف «الأغنية الشعبية في شمال فلسطين» الصادر سنة (1981), وكان العمل رائداً في هذا المجال لما فيه من عناية كبيرة بموضوع محدد بمنطقة جغرافية محددة في دنيا الأغاني الشعبية. وقد تمكن المؤلف من إيراد (32) قالباً لحنياً شائعاً في شمال فلسطين، تمّ ترتيبها في الكتاب على النحو التالي: (الموال، العتابا، الميجنا، المعنّى، الدلعونا، زريف الطول، الجفرة، ع اليادي، ع العميم، الغزيل، مرمر زماني، أبو الزلف، ليه وليه، جملو، أسمر اللون، مشعل، المهاهاه، جيل الغوى، الشروقي، الجعيدية، المثمن، الطلعة، المحوربة، الشوباش، الحدادي، القرادي، لوع الجمال قلبي، النصرويات، غزالي غزالي، ع الماني، الحلوة). وكان مصدره في عمله البحثي التوثيقي هو الذاكرة الجمعيّة المُتناقلة شفاهاً في مناسبات خاصة كالاحتفالات الشعبية أو الوداع وسواها. اعتاد حجاب العمل ميدانياً ليبحث عن أصل المعلومة التي يذكرها, ويضيف إليها القسم النظري, ففي هذا المؤلَف قدّم كذلك (دراسة في الأوزان الشعرية) للقوالب التي يذكرها، ووضع أوزاناً عروضيةً لكلٍ منها، مُستفيداً من معرفته الواسعة بعلم العروض واللهجات والقوالب اللحنية في المنطقة.
جانب آخر مهم في كتاب «الأغنية الشعبية في شمال فلسطين» هو أنّ الباحث وضع نوتة موسيقية للقوالب اللحنية للاغاني الشعبية التي أوردها، ولتحقيق هذه الغاية بدقة فقد استعان الباحث بالموسيقار «نبيل الشرقاوي» الذي قام بدوره بوضع القوالب اللحنية والنوتات الموسيقية الخاصة للأغاني. بالإضافة إلى سعيه الجاد إلى تقصّي أصول القوالب اللحنية للأغنية الشعبية الدارجة في شمال فلسطين والبحث عن موطنها الأول، فهو يجد مثلاً أنّ (الجفرة) قالب لحني شمالي انتشر كثيراً في شمال فلسطين وانتقل إلى لبنان، وغيره من الأقطار العربية المجاورة، أما لحن (مشعل) فقد رأى الباحث أنه انتشر في جميع ارجاء فلسطين وسوريا ولبنان والعراق، ولا يُعرفُ المصدرُ الأولُّ له. أما (العتابا والميجنا) فهي من أكثر الأغاني الشعبية انتشاراً في شمال فلسطين، ومنه انتشرت في الجنوب اللبناني والأردن وسوريا والعراق.
الشاعر الشعبي الشهيد نوح إبراهيم:
كثير من الأغاتي الثوريّة والوطنيّة حفظها الناس وتناقلوها شفاهاً وهي من قصائد الشاهر الشعبي الفلسطيني نوح إبراهيم الذي استشهد في الثلاثينيات من القرن الماضي ولم يكن يعرف الناس عنه إلا النزر اليسير, وكانت فرقة «العاشقين» الفلسطينية قد أعادت إنتاج قصائده وإحيائها من جديد, ومنها على سبيل المثال لا الحصر أغنية (من سجن عكا وطلعت جنازة.. محمد جمجوم وفؤاد حجازي).
في كتابه المعنون (الشاعر الشعبي الشهيد نوج ابراهيم) الصادر عام 2006 يُعرّف نمر حجاب بالمقاتل القسّامي, وكان مُنشد ثورة عام 1936م وأحد مثقفيها ومندوبها متحدّث باسمها إلى مؤتمرات الملوك والرؤساء العرب، ويذكر لقاءه بالأمير «عبد الله بن الحسين», والملك «عبد العزيز آل سعود» بشأن الاضراب الفسلطيني آنذاك.
ثمّ وبعد استشهاد «عز الدين القسّام» وخروج «أمين الحسيني» من البلاد، انتشرت الفوضى على الرغم من كثرت الزعامات الوطنية والقيادات السياسية، وصار الكثير من السلاح يوجه لغير وجهته الصحيحة, في هذا الوقت العصيب من تاريخ فلسطين قام نوح ابراهيم بدور المصلح الاجتماعي، المهدىء للنفوس. مستغلاً حب الجماهير له.
أغاني ألعاب الأطفال في فلسطين:
عام 1997 أصدر نمر حجاب وبدعمٍ من وزارة الثقافة الأردنية مؤلفه «أغاني ألعاب الأطفال في فلسطين» اشتغل فيه على جمع وتوثيق الأغنيات الشعبية التي تصاحب ألعاب الأطفال الفلسطينيين، ولقد أخذ الباحث نصوص الكتاب من عدد كبير من المسنين، مراعياً حتى أغاني التي تُغنّى للطفل وهو في المهد, وأغاني الشتاء وأغاني الصيف, بالإضافة إلى الأغاني الفردية والأغاني الجماعية, ولم يغفل عن ذكر الأغاني التي تُغنى في الاحتفالات الخاصة بالأطفال ومناسباتهم.
الكتاب غزير النصوص, جمعها الباحث ودونها وأعاد تصنيفها وتبويبها، أمّا أهميّة الكتاب المابعد توثيقيّة فهي سعيه للبحث عن المدلولات التربوية والاتجاهات المسلكية والمزايا العقلية والنفسحركية لهذه النصوص، كلّ على حدة. كذلك فقد اهتم الباحث بتدوين النصوص على النوتة الموسيقية، ما يدل على النفاذ وراء الظاهرة إلى ما يمكن أن يُعمّم الإفادة منها إلى أجيال قادمة.
الأغنية الشعبية في مدينة عمّان:
يأخذ كتاب حجاب المعنون «الأغنية الشعبية في مدينة عمّان» طابعاً موسوعيّاً, وهو صادر عن منشورات أمانة عمان الكبرى عام 2003م. اشتغل فيه حجاب على شكل الأغنية الشعبية وقوالبها اللحنية بالتعاون مع شقيقه موسى حسن الذي قام بمراجعة الكتاب. منطلقاً كما يقول في مقدمة الكتاب من قناعته بأنّ: (خير ما نفعله في هذه الفترة العصيبة من حياة أُمتنا هو جمع ونشر هذا التراث الغنائي…، لأنّ هذا التراث الشعبي من أهم عوامل وحدة الأمة وتلاحمها، فهو المنهل الذي يستقي من جميع أفراد هذا الشعب مقومات وحدته، إذ كلما توحدت المشارب اتحدت الآراء والمنازع والأهواء والعكس هو الصحيح)
قبل أن أختم دراستي لابد من الحديث عن تجربة نمر حجاب الشعريّة، وكان حجاب قد أصدر ديوانه الأوّل «وجع» عام (2001) عقب وفاة زوجته ورفيقة دربه, فكان بوحاً اتخذ شكل القصيدة, وشعراً يتدفق سيالاً بألفاظ جزلة عن الحزن, الفَقدْ والشوق. تمتاز قصائد الديوان بالمجمل تمتاز بالعفوية والصدق، وهي إنسانية مُدهشة، فيها رضى وحب كبيرين.
نخلص للقول إن أعمال نمر حجاب شكلّت نقطة مضيئة في تاريخ الأدب العربي المعاصر، عبر سعيه وعمله على تسجيل التراث الشفهي وحَفظِهِ ودمجه بالتراث الإنساني العالمي, وقد سلّطت أعماله الضوء على أصالة تراثنا وموروثنا الشعبي، وأعطت صورة صادقة عن المجتمع الفلسطيني وعاداته وتقاليده وقيمه الاجتماعية كما هي في الواقع بعيداً عن التكلّف والزخرفة، بالإضافة إلى سجيل جغرافية المكان، وتصوير طبيعة الأرض بكل تفاصيلها, هذا في الوقت الذي تتعرض فيه فلسطين إلى أبشع مشروع استعماري عرفته البشرية في تاريخها الطويل.
نضال القاسم*