وطني جميل على الشاشة… لكنه يبحث عن رغيف في الواقع… وقطار الحكومة يدهس أحلام الفقراء

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: في الغالب لم يعلم أغلب المصريين بالاجتماع الذي عقده أرلخ هاجاي الخبيرالإسرائيلي المختص في شؤون مياه النيل وإثيوبيا منذ ستينيات القرن الماضي، حيث حاضر مؤخراً أمام السفراء الأفارقة في إسرائيل، وكشف عن أن سد النهضة سيحدث زلزالا في افريقيا، وقال “من المؤسف أن الشعب المصري لا يدري حجم الكارثة التي حدثت”. وعلى الرغم من الصراخ اليومي الذي مارسه على مدار الأسابيع الماضية عشرات الكتّاب إلا أن يوم أمس الاثنين 19 إبريل/نيسان، جنحت الصحف وكتّابها نحو السلم، رافعين الراية البيضاء، فهل وراء التحول توجهات حكومية، ورغبة السلطة في الاستمرار في السير بطريق التفاوض، وإن لم يكن لدى إثيوبيا ما تقدمه للمصريين؟ أم أن القاهرة اكتشفت مؤخراً، أن القوى الكبرى في العالم تدعم إثيوبيا.. وعلى الرغم من جنوح الكثيرين لصف السلطة إلا أن عدداً من الكتاب القابضين على الجمر مضوا في دعوتهم لتدمير السد، منددين بتراخي الحكومة في مواجهة الكارثة..
على أي حال لم يعدم الكتاب الذين نأوا بأنفسهم عن معركة السد الحيلة في الاشتباك مع قضايا أخرى، فها هو عماد الدين حسين في “الشروق” يتخلى عن حذره ويندد بتعاظم الدين الخارجي، مشدداً على أن الأجيال القادمة ستدفع الثمن. في ما أعرب محمد أمين في “المصري اليوم” عن صدمته من الحالة التي تبدو عليها مصر في الدراما “صورة مصر في الدراما الرمضانية حاجة تكسف.. بلطجة وقتل وسلب ونهب وحشيش ومخدرات.. بينما صورة مصر في إعلانات رمضان “حاجة تانية خالص”… أما هشام مبارك في “الوفد” فعثر على نسختين من مصر، الأولى يعاني أهلها العوز والفاقة في الواقع. والثانية أنيقة ومرفهة ومخملية وحالمة، لكن عبر الإعلانات التلفزيونية.
وفي صحف أمس الاثنين كذلك شغل حادث قطار طوخ حيزاً كبيراً من الاهتمام، وتجدد طلب عدد من الكتّاب والنواب والمراقبين بضرورة إقالة وزير النقل كامل الوزير. ومن جانبها قامت هيئة السكة الحديد في وزارة النقل، بتجديد قضبان السكة الحديد في موقع حادث قطار طوخ، الذي شهد الحادث أمس، وإعادة حركة القطارات مرة أخرى على خط “القاهرة – بنها”، بعد ما تم تحويل حركة القطارات على خط الشرق. ومن جانبها أعربت النائبة أميرة العادلي عضو مجلس النواب عن صدمتها لعدم إقالة رئيس هيئة السكة الحديد حتى الآن، لافتة إلى أن حادث قطار بنها، يؤكد استمرار الفشل في الإدارة، وعدم رفع كفاءة العاملين.
ومن تقارير البرلمان: صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 8 لسنة 2021، بإصدار قانون تنظيم عمليات الدم، وتجميع البلازما لتصنيع مشتقاتها وتصديرها، بعد أن وافق عليه مجلس النواب.. في ما أعلن الدكتور محمود ياسين المتحدث باسم هيئة الدواء المصرية، أن الهيئة استطاعت خلال العام الماضي تسجيل 16 مستحضرا من المستحضرات الدوائية الخاصة بعلاج فيروس كورونا، وفقا لآلية التسجيل الاستثنائي لبعض المستحضرات التي أقرتها في إبريل/نيسان 2020.. ومن التقارير الأمنية: تمكنت وزارة الداخلية من تحرير عدد 11302 محضر عدم ارتداء الكمامات الواقية، وتم التصالح وسداد الغرامة المقررة لعدد 11250 شخصا، واتخاذ الإجراءات القانونية والعرض على النيابة العامة حيال 52 شخصا لم يسددوا الغرامة المقررة، وتحرير 548 مخالفة للمحلات التي لم تلتزم بقرار الغلق، وضبط 130 قضية في مجال منع تداول الشيشة بإجمالى مضبوطات 701 شيشة.
أوراق القوة

المواجهة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة من وجهة نظر عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” لن تكون بالشعارات، إنما بقدرة كل طرف على حشد أوراق القوة، والضغط لحسم المواجهة المرتقبة لصالحه. لقد امتلكت إثيوبيا ورقة التعاطف الافريقي، ولم تسفر كل المفاوضات التي رعاها الاتحاد الافريقي (مقره أديس أبابا) عن أي تقدم في المفاوضات، كما أن حياد الإدارة الأمريكية الجديدة، بدا وكأنه في صالح الموقف الإثيوبي، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي عن ضرورة التمسك بالمظلة الافريقية، بدلًا من التدويل. في المقابل، فقد نجحت مصر في بناء تحالف مصالح «وجودي» مع السودان، تجاوز الكثير من التفاصيل السياسية، التي شابت العلاقات بين البلدين عقب الثورة السودانية، وأسس لتحالف مصلحي بين البلدين، في مواجهة التهديدات الوجودية الإثيوبية لأمنهما المائي، خاصة أن هذا التحالف مُحصَّن من سجالات العلاقات العربية – العربية أو المصرية – السودانية، التي تقوم أحيانا على اتهامات بالاستغلال، أو الحديث الجارح عن مساعدات هنا أو هناك، لأنه تحالف يستفيد منه الشعبان لصالح أمنهما القومي والمائي. أما ورقة العلاقة مع الإدارة الأمريكية الحالية، فمازالت معطَّلة، فهناك شكوى مصرية من أن أمريكا غير مهتمة بحل ملف سد النهضة، وأنها متمسكة بالمظلة الافريقية، والمعروف أنه في العلاقات الدولية لا توجد شكاوى ولا بكائيات، إنما أوراق ضغط وإغراءات بأهمية التفاوض، فيكفي مشهد التفاوض/ الصراع بين أمريكا وإيران حول الاتفاق النووي، وكيف تُدار معركة التفاوض بكل أدواتها الناعمة والخشنة، ولم يغضب أحد من تصريح عن حقوق الإنسان أو غيره.

العطش وارد

شدد عمرو الشوبكي، على أنه يجب على مصر أن تبذل قصارى جهدها لفتح قنوات اتصال مع الإدارة الأمريكية، وجعل الرباعية (أمريكا – الاتحاد الأوروبي – الأمم المتحدة – الاتحاد الافريقي) مظلة مفاوضات اللحظات الأخيرة مع إثيوبيا، وطَيّ صفحة الاتحاد الافريقي. مطلوب القيام بحملة دولية من أجل إقناع العالم بعدالة قضيتنا، وتبنِّي خطاب سياسي وإعلامي تحريضي، يوضح للعالم المخاطر الجمّة على 150 مليون مصري وسوداني، جَرّاء الملء الثاني، وتهديدهم بعطش مائي وبوار للأرض الزراعية، ومواجهة الخطاب الإثيوبي، الذي يتهم مصر بأنها تكرس اتفاقات الحقبة الاستعمارية، ويتناسى أنها قادت حركات التحرر الوطني في افريقيا والعالم الثالث ضد الاستعمار. ستظل مصر بحاجة في أوراق المواجهة، إلى دور الرأي العام، ونخب العلم والإبداع والثقافة في الداخل والخارج، في معركة لن تكون سهلة مع طرف متعنت ويرغب في الهيمنة والاحتكار. تفعيل أدوات التفاوض ليس هدفا في ذاته، إنما هو من ناحية وسيلة للوصول إلى اتفاق ملزم مع الطرف الآخر، ومن ناحية أخرى يمثل حماية كبيرة في حال اضطررنا إلى الذهاب إلى «الفعل الخشن» إذا أصرت إثيوبيا على أن تضرب بعرض الحائط المصالح الوجودية للشعبين المصري والسوداني وتملأ السد أحاديا في يوليو/تموز المقبل.

أباطيل إثيوبية

تُصر إثيوبيا كما اشار عبد المحسن سلامة في “الأهرام” على صب الزيت على النار في ملف سد «الأزمة»، بعد أن جددت رفضها الوساطات الدولية واستمرارها في تعنتها بدون حساب المخاطر التي يمكن أن تلحق بالمنطقة جراء تصرفاتها. وزير الخارجية الإثيوبي أعلن رفض بلاده القاطع تدويل ملف السد، «العالق» منذ سنوات، مشددا على أن الإقدام على مثل تلك الخطوة لن يُجبر بلاده على القبول بأي اتفاق. بيان الخارجية الإثيوبية مملوء بالمغالطات والأكاذيب، كالعادة استمرارا للنهج العبثي من أديس أبابا لمد أمد التفاوض إلى ما لا نهاية في إطار سياستها الرامية إلى فرض الأمر الواقع، والضرب بمصالح دولتي المصب (مصر والسودان) عرض الحائط. تصريحات وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق، جاءت قوية وفضحت محاولات إثيوبيا تغييب الوعي، مشيرة إلى أن العالم يعيش في عصر المعلومات التي لا تغيب، وأن الأنهار الدولية ليست مقصورة على نهر النيل، وهناك مرجعية قانونية، واتفاقيات دولية تحكم هذه الأمور. الأهم، من وجهة نظرى أنها فضحت ألاعيب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وما يتعرض له في الداخل من انشقاقات، وصراعات، واستقطابات سياسية، وأنه يريد صرف الأنظار عن كل ذلك، في إطار المحاولات العقيمة، التي تقوم على إرسال رسائل غير صحيحة، ومحاولة لتغيير الوقائع، وكذلك إشعال نيران الفتنة، والشائعات بين الدول الإفريقية.

لهذا يكرهوننا

لا يبدو والكلام للدكتور صلاح أبو الفضل في “الشروق”، أن بين الإثيوبيين من يتفهم أن النبوغ المصري لم يكن مجرد نتيجة لمياه النيل بل نتاج نشاط إنساني فريد عبر العصور. كما لا يبدو أنهم يسألون أنفسهم لماذا لم تصنع بلادهم حضارة مماثلة وقد حبتهم الطبيعة، أضعاف ما حبت به المصريين من ماء. ولأن الحقد قديم وموروث فقد درج الإثيوبيون على تخيل أن ماء النيل هو هبة إثيوبيا، وليس السماء، وأنه ماؤهم وأنه من حقهم أن يمنعوه أو يسمحوا به، وأن ساعة الانتقام قد جاءت في غفلة من الزمن حين نامت نواطير مصر عن ثعالب كثيرة تربصت بها وكانت تتحين الفرص. ورغم أن الهضبة الحبشية تضم منذ قرون قبائل وأعراقا متباينة ومتنافسة، إلا أن فكرة السد، حين تجسدت أصبحت بؤرة تجمع الفرقاء وتوحد الأشقياء، بحيث أن أي خطر يهدد السد أصبح عاملا يوحدهم، وينقل العداوة نحو مصر والسودان، وهو ما يجعل التفكير في هدم السد سلاحا ذا حدين. وينقلنا ذلك إلى مشكلة القوى الخارجية التي طالما وجدت في مصر خطرا تنافسيا وظلت تعمل على إضعافها ووضع العراقيل أمام نهضتها، حتى تحينت الفرصة عند نهاية مبارك، ونفثت في آذان الإثيوبيين وعقولهم سمومها وشجعتهم وأعطتهم المشورة في أسلوب للتفاوض اعتمد التسويف والمماطلة، ومبدأ أكذب واستمر في الكذب حتى يصدقك الجميع. وهي أساليب أعلى من ثقافة وكفاءة الإثيوبيين الذين يصرون من خلالها على تجاهل القوانين الدولية التي تضمن حقوق دول المصب إزاء دول المنبع، ويرفضون اتفاقيات عقدت مع بريطانيا والتزمت بها مصر بعد استقلالها، يجثمون بمقتضاها على أراض سودانية، وفي الوقت نفسه يرفضون الالتزام بعدم إقامة منشآت على نيلها الأزرق كما اقتضت الاتفاقيات نفسها. وهو ما يجعل من إثيوبيا دولة مارقة لا تعبأ بالقانون الدولي، ولا تحترم معاهداتها وتمارس القرصنة التي مارستها مع بعض جيرانها سابقا، ويضع المجتمع الدولي بالضرورة أمام مسؤولية أساسية لحماية الشعبين المصري والسوداني المهددين وجوديا بالفناء.

نزيف الديون

الديون الخارجية لمصر تواصل الارتفاع، وهذا مؤشر خطر، كما يرى عماد الدين حسين في “الشروق”، ووفقا لبيانات البنك المركزي الأخير، فإن الدين الخارجي، ارتفع خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي 2020 ـ 2021»، بنسبة 3.7% ليصل إلى 129.195 مليار دولار، مقابل 125.337 مليار دولار في الربع الأول. البيانات تقول أيضا إن الدين طويل الأجل، زاد بنحو 3.7% ليسجل 117.2 مليار دولار، مقارنة بـ113.14 مليار دولار في الربع الأول، كما تراجع الدين قصير الأجل في الربع الثاني بنسبة 2.96 % ليبلغ 11.958مليار دولار مقابل 12.323 مليار في الربع الأول. هذه القفزة في الديون سببها المباشر هو تسلم مصر الشريحة الثانية من قرض صندوق النقد الدولي، بقيمة 1.2 مليار دولار. والسبب الثاني إصدار مصر لسندات دولية خضراء بقيمة 750 مليون دولار، وثالثا بيع البنك المركزي أذون خزانة حكومية مقومة بالدولار، نيابة عن وزارة المالية بنحو 1.585 مليار دولار، وقبلها بيع أذون خزانة حكومية مقومة بالدولار بنحو مليار دولار لأجل 364 يوما بمتوسط عائد 3.395 وفي سبتمبر/أيلول باعت مصر سندات خضراء بقيمة 750 مليون دولار لأجل 5 سنوات بسعر عائد 5.25%. سيقول المسؤولون إن هذه الإصدارات والإقبال عليها، تعكس ثقة المستثمرين في العالم والمؤسسات الاقتصادية الدولية الكبرى في الاقتصاد المصري، وهذا أمر صحيح لأن هذا الاقتصاد حقق ما يشبه المعجزة، بعد تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حينما تم تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، إضافة إلى بدء برنامج واسع لهيكلة وتخفيض الدعم الحكومي، خصوصا دعم الوقود، الذي تبيع الحكومة معظم أنواعه للمواطنين الآن بالسعر العالمى، طبقا لآلية التسعير التلقائي كل 3 شهور.

ورطة للأحفاد

واصل عماد الدين حسين، تفنيد رأي المدافعين عن التوسع في الديون: سيقول المسؤولون أيضا إن زيادة الدين طويل الأجل وانخفاض الدين قصير الأجل، مؤشر جيد جدا، باعتبار أنه يؤكد عدم وجود خطورة حاليا للديون الخارجية، لأن معظمها يحين موعد سداده بعد فترة طويلة، مقارنة بالديون قصيرة الأجل. وسيقول المسؤولون أيضا إن هذه الديون الخارجية، كانت أمرا لا مفر منه لتمويل عملية التنمية واسعة النطاق، التي تتم في مصر منذ عام 2014، وإن هذه التنمية واستدامتها كفيلة بتغطية أقساط وفوائد الديون، حينما يحين موعد سدادها، إضافة إلى أن الحكومة بدأت بتسعير السلع والخدمات بأسعارها الحقيقية تدريجيا، وأنها أصدرت قرارات واضحة بعدم الاقتراض، إلا إذا كانت هناك رؤية واضحة لكيفية السداد، وأن هناك لجنة حكومية يرأسها رئيس الوزراء، للموافقة على أي قرض، ولا يتم ترك ذلك لأهواء وأمزجة الجهة المقترضة، وأننا اضطررنا للاقتراض أيضا بسبب تداعيات فيروس كورونا، الذي ضرب كل اقتصادات العالم. وسيقول المسؤولون أيضا أن حجم الديون مقارنة بالناتج المحلى لاتزال في مستوى الأمان، وإننا نعمل على تخفيضها تدريجيا.
كل ما سبق صحيح. لكن وصول حجم الديون الخارجية إلى مستوى 130 مليار دولار، أمر مفزع، ويحتاج لدق كل أنواع الأجراس، في كل مراكز اتخاذ القرار. لا أعرف هل رقم 130 مليار دولار يشمل ديون الهيئات الاقتصادية المختلفة والبنوك الحكومية أم لا؟ وهل يشمل مبلغ الـ25 مليار دولار الخاص بالقرض الروسي لإنشاء المفاعلين النوويين في الضبعة أم لا؟ ودعا الكاتب لأن نعيد النظر في السياسة المتبعة للاقتراض، ويجب أن نتذكر ما حدث لمصر في عهد الخديوي إسماعيل، حينما استغلت الدول الغربية الكبرى، الديون التي بنت بها مصر مشروعات كبرى، لكي تتدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما انتهى بالاحتلال الإنكليزي لمصر في 1882.

بجوار المومياوات

لم يشأ الدكتور خالد العناني وزير السياحة والآثار، أن يجعل ذكرى يوم التراث تمر بدون أن يربطها بهذا المتحف الفريد، فدعا إلى حفل سحور بجوار المومياوات، وكان سحورا فريدا من نوعه هو الآخر، بحسب رأي سليمان جودة في “المصري اليوم”، لأنها المرة الأولى ربما التي يتناول فيها الصائمون سحورهم في متحف. لك أن تتخيل إحساسك جالسا تتناول سحورك، وأنت على مرمى حجر من مومياء البطل رمسيس الثاني، تتطلع إليك من مرقدها في المتحف، أو مومياء المنتصر تحتمس الثالث، الذي لم ينهزم في معركة دخلها، إلى حد أنهم أطلقوا عليه لقب: نابليون الشرق. ولو أن الذين أطلقوا عليه هذا اللقب أنصفوا أنفسهم وأنصفوه معهم، لكانوا على حد تعبير الدكتور مصطفى وزيري أمين عام المجلس الأعلى للآثار، قد فعلوا العكس فأطلقوا على نابليون: تحتمس الغرب. هذه حقيقة منصفة.. لأن نابليون انتصر كثيرا، ولكنه انهزم في النهاية في معركة ووترلو 1815، ثم مات مهزوما في جزيرة سانت هيلانة 1821.. أما تحتمس فكانت روحه من روح مصر التي لا تعرف الهزيمة ولا تقبلها. كان الدكتور وزيري رائعا وهو يصحبنا في جولة نرى من خلالها بعينيه، كيف كان أصحاب المومياوات الممددة أمامنا، أبطالًا في زمانهم، وكيف كانوا روادا في الكثير من أمور الحياة التي نعرفها اليوم، وكيف كانت مصر تنجب البطولة فلا تتوقف عن إنجابها على مرّ الزمان. أما الدكتور العناني فشاء أن يضع النقاط فوق حروفها في شأن المتاحف الثلاثة: المتحف المصري في التحرير، الذي جرى افتتاحه 1902، ومتحف الحضارة الذي لن تنسى الدنيا مشهد نقل مومياواته، والمتحف الكبير في الهرم الذي سيجر2 افتتاحه قريبا في مشهد مماثل لمشهد المومياوات.. فالأول سيبقى في مكانه كما عاش أكثر من قرن من الزمان يستقبل زائريه، ولن يغادره إلا توت عنخ آمون إلى الهرم، كما غادرته المومياوات الملكية إلى متحف الحضارة في الفسطاط. سوف تخرج من زيارة المومياوات وأنت على يقين بأن هؤلاء الأجداد قد صنعوا العظمة في زمانهم، وأن الأحفاد يستطيعون؛ لأنهم يحملون الجينات نفسها.

بين واقعين

سعى هشام مبارك في “الوفد” لعقد مقارنة بين مصر التي في الواقع، وتلك التي نراها في إعلانات التلفزيون فكانت النتيجة مروعة: مصر التي في خاطري لا مكان فيها لهذه الطبقية البغيضة، التي جعلت نصف إعلانات التلفزيون عن تلك الكومباوندات التي انتشرت في طول البلاد وعرضها كالنار في الهشيم، بينما النصف الآخر من الإعلانات يدعونا نحن أيضا للتبرع لمستشفيات الأطفال والكبار الغلابة، الذين ينتظرون يدا حانية تطبطب عليهم، وتداوي أوجاعهم. موازين مختلة تلك التي تطالب ذلك المواطن الغلبان، الذي يشاهد إعلانات القصور واليخوت، وهو يمصمص شفتيه حسرة على شبابه، بأن يمصمصها مرة أخرى على هؤلاء الغلابة الذين يحتاجون للتبرع. يحدث ذلك في الوقت الذي لا حديث فيه في جميع المنتديات الرمضانية وعلى موائد الإفطار، إلا عن الأرقام الفلكية التي تصل إلى ملايين الملايين التي يتقاضاها نجوم الفن، مقابل ظهورهم في أعمال فنية أو إعلانية. تخيل شعورك وأنت الموظف المجاهد والمجتهد بعد أن تكون قضيت عمرك حسن السير والسلوك في وظيفتك، ثم تجد في نهاية خدمتك (هذا إن وجدت أصلا) مبلغا ضئيلا لا يكفي حتى أن يشترى لك ولو قالب طوب في تلك الكومباوندات، التي تطاردنا في الإعلانات ليل نهار. تعديل طفيف في المعادلة، يعني أن أي نسبة ولو ضئيلة من تلك الملايين كفيلة بأن توفر العلاج، ومن قبله الكرامة لهؤلاء الذين يتم ابتزاز مشاعرنا للتبرع لهم. كيف أقتنع بدعوة للتبرع يقوم بها من قبض في مسلسله أربعين وخمسين وستين مليونا.

لو عندهم ضمير

لو كل واحد من هؤلاء الممثلين، بحسب ما يأمل هشام مبارك، تبرع ولو حتى بمليون من تلك الملايين التي قبضها مقابل تمثيله، لما احتجنا لكل هذه الحملات التي تدعو للتبرع لإنقاذ مريض أو توفير مكان في عناية مركزة، أو حتى مجرد سرير في أي مستشفى. بعد أن أصبح وجود سرير خال في أي مكان، يحتاج إلى وساطة تصل لوزيرة الصحة نفسها، وربما لرئيس الحكومة شخصيا. ما يحدث على شاشة التلفزيون كل ليلة في هذا السفه الإعلاني، كان يستوجب تفعيل قانون من أين لك هذا، خاصة لشركات المحمول والاتصالات، التي تخصص ميزانية سنوية تصل لمليارات الجنيهات في كل رمضان، حيث تتنافس كل شركة على استضافة كبار النجوم بملايين فلكية، بينما هذه الشركات نفسها تتنافس علينا كمستهلكين لبضاعتها، وتتفنن في سرقتنا عيني عينك، تحت مرمى ومسمع من الأجهزة من خلال لعبة كروت الشحن، التي تسحب منا باليمين ما نظن أنها تمنحه لنا بالشمال من عروض واهمة تدغدغ مشاعرنا، وتستغل الاستخدام غير الرشيد الذي نستخدمه كلنا إلا من رحم ربي لهذا الاختراع المسمى بالمحمول، الذي لم يكن له وجود في مصر التي في خاطري، بينما الآن يصول ويجول في مصر التي في الإعلانات. مصر التي في خاطري تتسم بالوقار والحشمة، بينما مصر التي في الإعلانات لا تعرف سوى الرقص والعري للترويج عن السلع والخدمات، وحتى الآن لم أجد جوابا شافيا عن علاقة الرقص والأغاني برواج السلعة أو الخدمة. هل هناك أمل في عودة مصر التي في خاطري؟ أم أن المطلوب رفع الراية البيضاء أمام مصر التي في الإعلانات؟

أثرياء ومتسولون

خلال تبنيه ملف التبرعات والعمل الخيري والأهلي، اكتشف أكرم القصاص في “اليوم السابع” مفارقات تظهر خلال شهر رمضان، وتتكرر سنويا، حيث التناقضات بين إعلانات عن كومباوندات شديدة الفخامة، أغلبها تقدم لأقل من واحد في المئة، وإعلانات تطلب التبرع لجمعيات ومشروعات خيرية صحية أو تعليمية غير مكتملة، والأمر يفتقد إلى المنطق، ويشير إلى تفاوت واضح، ومسافة تفصل فئات المجتمع بشكل حاد. هناك علاقة بين مروجي الكومباوند، وسكانه، وطالبي التبرعات. في عالم التسول هناك أمر لافت للنظر، أن المتسولين القادرين على التمثيل أكثر، هم الذين ينجحون في خداع الجمهور، وهم محترفون وغير محتاجين، بينما الفقير فعلا الذي يفتقد ميزات تمثيلية يبقى على فقره، الأمر نفسه يمكن تطبيقه على محترفي جمع التبرعات، ممن يستطيعون الدعاية جيدا، واللعب على عواطف الجمهور، يجمعون الكثير، وغالبا فإن ما يتم جمعه لا يصل منه إلى الفقراء غير نسبة قليلة، والباقي يدخل جيوبا، ويتحول إلى كومباوندات ومزارع وعزب وأطيان، والنتيجة أن مليارات تتجه نية من يتبرعون بها إلى أن توجه للفقراء والمؤسسات الطبية، لكنها تذهب لجيوب المحترفين. هناك بالطبع مؤسسات تجمع الكثير وتنفق الكثير، وهي مؤسسات تحظى بسمعة طيبة، أبرزها مركز مجدي يعقوب للقلب في أسوان وتوابعه، بل إن صندوقا مثل “تحيا مصر” يقوم بالعديد من الخدمات في إعانة الفقراء وإطلاق الغارمات، وتطوير مستشفيات وقرى، أضعاف ما تقدمه جمعيات الدعاية والإعلان، وأغلب الجمعيات ذات الأسماء الرنانة، ليس لأي منها أنشطة ظاهرة، باستثناء إعلانات تملأ السوشيال ميديا، ويصعب التوصل إلى هذه الجمعيات على الأرض، بينما تعجز مؤسسات خدمية، مثل معهد الأورام، أو مستشفى أبوالريش، عن تحصيل تبرعات، على الرغم من أنها تقدم خدمات حقيقية مجانية، أضعاف ما تقدمه مؤسسات الدعاية والإعلان.

كورونا يقاتل

نتحول نحو “الوطن” حيث اهتم الدكتور محمود خليل بدولة البرازيل التي توشك على الدخول في كارثة، نتيجة تفاقم معدلات الإصابة والوفاة بكورونا خلال الأيام الأخيرة. فقد وصل الأمر إلى حد وفاة شخص كل 3 دقائق جراء الإصابة بالفيروس.. سقط آلاف الأطفال هناك صرعى كورونا، وإجمالي عدد المصابين تجاوز الـ13 مليونا. الأصل في ما وصلت إليه البرازيل هو حالة الاستخفاف التي تعاملت بها كل من السلطات والشعب هناك مع الفيروس. لعلك تذكر موقف الرئيس البرازيلي حين استخف بالفيروس، وأكد أنه لا يزيد على إنفلونزا عادية، وأصر في العام الماضي على عدم التوسع في الإجراءات الاحترازية، وذكر أن مثل من يدعوه إلى إغلاق البلاد، كمثل من يدعو مصنع سيارات إلى الإغلاق لمجرد أن إحدى السيارات التي أنتجها تعرضت لحادثة تصادم. وعندما ظهرت لقاحات ضد فيروس كورونا رفض الحصول عليها، ولم يكتف بذلك، بل حذّر كل من ينوي تناول اللقاح من أن يتحول إلى «تمساح». حذا العديد من البرازيليين حذو رئيسهم، في حين حذرت المعارضة هناك من مغبّة ذلك بدون جدوى.. والنتيجة 13 مليون إصابة.. وحالة وفاة كل 3 دقائق. التعامل المستخف بالمخاطر الصغيرة يحولها في الأغلب إلى كوارث كبرى. مجموعة من اللقاحات تتنافس منذ فترة داخل سوق التطعيم، ويزعم منتجو كل لقاح أنه الأجدى في مواجهة الفيروس، في حين أن التجربة تقول إن جدوى اللقاحات في مواجهة كورونا لم تظهر أو تتبلور بشكل يطمئن إلى محاصرته في القريب.

لا تكرروا المأساة

علاج وحيد يراه الدكتور محمود خليل، ثبت أنه الأجدى والأكثر فاعلية في مواجهة فيروس كورونا.. هو محاصرة البؤر التي ظهر فيها، ومنع تسربه إلى غيرها من خلال تقليل الحركة، بالإضافة إلى الالتزام بالإجراءات الاحترازية المتعارف عليها. أثبتت تجربة تعامل البشر مع كورونا، على مدار ما يقرب من عام ونصف العام، أن خير وسيلة للوقاية من الإصابة به هى «الفرار منه».. ومحاولة محاصرته.. كما تفعل دول أوروبا. أخشى أن أقول إن هناك دولاً أخرى تتعامل بالمنطق البرازيلي وتواجه الموجة الثالثة من الفيروس بنوع من الإهمال والاستخفاف، الأمر الذي ظهر مردوده في ارتفاع معدلات الإصابات وأعداد الوفيات بالفيروس. والمتابع لأحوال ومعدلات انتشار فيروس كورونا في مصر، خلال الفترة الأخيرة يلاحظ الزيادة في أرقام الإصابات والوفيات المعلنة عبر وزارة الصحة. الحكومة كالعادة تشتكي من عدم التزام الناس، وتتهمهم بالتخلي عن الإجراءات الاحترازية، وعدم مراعاة شروط التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامة وغير ذلك. شكوى الحكومة من الناس في محلها، لكنها مطالبة بالتحرك السريع واتخاذ إجراءات لمحاصرة الفيروس، حتى لا تتفاقم الأمور. لقد نشر موقع «القاهرة 24» عن سقوط 14 وفاة جراء الإصابة بكورونا في سوهاج قبل أذان مغرب يوم واحد هو يوم الجمعة الماضي، وإذا أضفت إلى ذلك ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات كما نلاحظها في العالمين الواقعي والافتراضي، وفي بيانات وزارة الصحة، فعلينا أن نطالب الحكومة بالتحرك السريع واتخاذ إجراءات عاجلة لمحاصرة الفيروس بعيداً عن «المنطق البرازيلي» في المعالجة.

الضحايا يتكلمون

داخل مستشفى بنها الجامعي، الذي استقبل 65 مصابا في حادث قطار بنها، الذي وقع ظهر أمس بين قريتي كفر الحصة وسندنهور في بنها، يرقد عدد من مصابي الحادث الأليم، يروون لحظات الرعب والموت التي شاهدوها بأعينهم، حيث رددوا الشهادتين ظنا منهم أنها النهاية. ففي قسم القلب والصدر، يرقد محمد فاروق محمد 38 عاما، موظف من المنصورة حيث روي أنه اعتاد ركوب القطارات خلال توجهه إلى القاهرة لقضاء مصالحه، وفي هذا اليوم اصطحب زوجته معه وركبا قطار 948 من المنصورة للقاهرة، لإجراء بعض الفحوصات والتحاليل الطبية، وأوضح أنه أقنع زوجته بالركوب، «فجأة حدث هرج ومرج ووقعت بالطرقة، ووقف أحد الركاب على ظهري ولم أدر بنفسي إلا وأنا في المستشفى الجامعي، وفوجئت بزوجتى أمامي على السرير المقابل، وتمسك بذراعها الذي أصيب بكدمات وتدعو الله أن يشفيني». وقال عبدالمنعم الشناوي 37 عاما، من كفر الشيخ، الذى يرقد في إحدى الغرف في قسم القلب والصدر في مستشفى بنها الجامعي، «رددنا الشهادة بعد سماع انفجار وتوقف القطار مرة واحدة»، مضيفا «سمعت أصوات وصرخات بجواري لإنقاذ الركاب وقام آخرون يبحثون عن ذويهم ومن كانوا معهم بالمربع الذي يجلسون عليه في القطار».

سارا معاً كصديقين

في معرض هجومه على الممثل محمد رمضان قال مصطفى عبيد في “الوفد”: مأساة الولد الذي أفلت من مُستنقعات اللاشيء أن موهبته قُدرت، وأن بشرا طيبين مدوا سواعدهم لإظهارها وإمتاع الناس بها، وهو ما لم ينتظره أو يتوقعه فانشرخ وجدانه، وسقطت قيمه. لم أصدق مشهد بعثرته المال، بعد حُكم قضائي بالتعويض حصل عليه طيار مصر للطيران الذي فُصل، لأنه سمح له بدخول كابينة القيادة. تصورت أن الأمر محض مبالغة فيسبوكية، حتى رأيته، فتوجعت وحزنت، وأيقنت أن النجاح قد يدفع إلى الفشل. ما الفن إن لم يُخفف وجعا؟ ما الجمال إن لم يُرقق قلبا؟ ما المتعة إن لم تغرس قيما؟ ما الحياة والنجومية والتحقق إن لم تُمثل جذوة تحفيز وماكينة دعم لأصحاب المواهب والمجتهدين للتطور والتقدم؟ هناك نجوم صعدوا بكفاح، وتألقوا بوهج، وأسعدوا الناس فأسعدهم الناس، لكنهم عند نقطة بعينها انفصلوا عن البشر، فسقطوا من شاهق. لا ألق يدوم، ولا مجد يبقى للأبد، ومَن لا يتعلم من السابقين، يُكرر خطاياهم. كان نجيب محفوظ، أعظم مبدعي مصر، يُدرك ذلك جيدا. لم يكن ساحرا في الحكي وماتعا في الكتابة فقط، وإنما كان فريدا في أخلاقه، تواضعه، بساطته، رُقيه، شعوره بالانتماء للناس، وحرصه على أن يكون منهم لا فوقهم. كُتلة جمال إنساني وسيرة عطرة خالدة تُحكى إلى يوم القيامة. حكى لي أديب كبير أنه كتب قصة قصيرة وهو صغير، ولم يعرف تقييما موضوعيا لها، فنصحه البعض بعرضها على نجيب محفوظ. كيف؟ سأل الرجل، فقيل له إنه يسير كل يوم في الثامنة صباحا ليعبر كوبري قصر النيل في طريقه من البيت إلى جريدة “الأهرام”. بالفعل استيقظ مبكرا، وانتظر الرجل حتى إذا رأه سائرا اقترب منه واستوقفه فوقف، وأعطاه القصة. قال لى الحاكي « توقعت أن يغضب الأديب الكبير على هذا التطفل، أو يرفض ويُعيد لي القصة، أو ينهرني لكنه لم يفعل. ابتسم في رقة وقال له: أشكرك على هذه الثقة. دعني أقرأها وفي الأسبوع المقبل في هذا الوقت سأخبرك برأيي». وفى اليوم الموعود، عاد كاتب القصة إلى كوبري قصر النيل في توقيت مشابه، ووجد نجيب محفوظ يسير في هدوء محتضنا أوراق القصة، وقد كتب عليها بعض الملاحظات. وقف معه، وكرر شكره على ثقته به، وأخبره إن العمل جميل لكنه سيكون أجمل لو فعل كذا وكذا.. وسارا معا كصديقين. ومثل هذا الخُلق هو سر خلود نجيب محفوظ لا نوبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية