«ها نحن في مكبّ القمامة، أليس هذا ما كنتم تطالبون به على الدوام؟». تقول الدراما التلفزيونية لجمهورها.
لطالَما أردنا أن تكون الشاشة صورة للشارع، أن نرى فيها مصائب الناس، مصائبنا، جفاف الأراضي الزراعية، أو تجفيفها، انهيار سدّ، القرى التي اندثرت جرّاء بناء سدّ آخر، أبناء الشوارع، العشوائيات، تدمير الغوطة وتحويلها إلى غابة إسمنت، ولكن هنالك معادلا جماليا فنيا، من دونه لا يعود الفن فناً، ولا الدراما دراما.
بلى. معادل جمالي، فني، للقمامة. ربما كان هذا نقاشاً قديماً، وُلد مع ولادة الفنون. القبيح في الواقع غيره في الفن. قد ينفر المرء من صورة المتسوّل في الحياة، لكنه في اللوحة شيء آخر. تخيّل أن محاكاة الطبيعة، بكل جمالها، تقليدها حرفياً لم يعد يعتبر فناً، لقد ثار عليه الفنانون منذ أوائل القرن الماضي، فما بالك بمحاكاة مكبّ القمامة! إذاً ليس الأمر ترفّعاً وتعالياً على الواقع. ليست محاولة لإشاحة النظر عن الواقع المرعب. لنذهب إلى فيلم المخرج الياباني أكيرا كيرو ساوا Dodes Kaden (وللحق فإن الاقتراح جاء من فنان ديكور له تجربة طويلة في الدراما التلفزيونية) كل أحداثه تجري في مكبّ للقمامة، لكنه فيلم بديع واستثنائي، معلّم في تحويل الواقع بأكثر صوره رعباً إلى جمال خالص. الفيلم ليس فريداً في مذهبه، فلطالما كان هذا شأن الفن الأصيل في تصوير الواقع، إنما ضرورة الإشارة إلى الفيلم لأنه يجري برمته في مكبّ قمامة.
لن نكتفي بـ «مجد» الذهاب إلى الشوارع والأمكنة المعتمة، نريد أن نرى صوراً، شخصيات، كيف تمضي الحبكة، وإلامً ترمي من وراء كل ذلك في الأساس.
لن نكتفي إذاً بـ «مجد» الذهاب إلى الشوارع والأمكنة المعتمة، نريد أن نرى صوراً، شخصيات، كيف تمضي الحبكة، وإلامً ترمي من وراء كل ذلك في الأساس.
وبالطبع لن نطالب أحداً بأن يكون أكيرا كيرو ساوا، فهذا أصلاً يصعب أن يتكرر. جلّ آمالنا، في الحالة السورية، أن يكون دراما مقنعة، ممتعة قبل كل شيء.
في العام 2016 شهدت مدينة مغربية مقتل بائع سمك بعد أن ألقى رجال الشرطة بأسماكه في شاحنة لجمع وطحن النفايات، بحجة مخالفته لقوانين الصيد. يلقي الرجل بنفسه وراء أسماكه في الشاحنة، فيُقْتَل طحناً على الفور، وقد قيل إن مسؤولاً أمنياً أعطى أوامره للسائق بتشغيل آلة الضغط على النفايات فيما البائع داخلها، ما أدى إلى مقتله، ما أشعل تالياً غضباً عارماً في عدة مدن مغربية.
لا ندري إن كانت الحادثة وُظفت في عمل سينمائي أو تلفزيوني في المغرب، لكنها ظهرت أخيراً في المسلسل السوري «على صفيح ساخن» (من إخراج سيف سبيعي، وتأليف علي وجيه ويامن الحجلي) مع بعض التعديلات. في المسلسل تُقتل زوجة الطاعون (سلوم حداد) بطريقة مماثلة، ولكن ذلك يحدث بسبب مصادفة وجودها في السيارة أثناء تنزيل القمامة، حيث لا ينتبه السائق لوجودها. مشهد من أقسى مشاهد العمل، ويشكّل مفصلاً مهماً فيه، ولا ندري إن كان سيُؤَسَس على الواقعة في حلقات مقبلة.
كل التحولات التي تجري في العالم لا يمكنها أن تزحزح شيئاً من طبع النظام السوري؛ لا العدد الهائل للفضائيات العربية والأجنبية، ولا مواقع التواصل الاجتماعي يمكنها أن تقنعه بأن شيئاً لن يشكّل عائقاً أمام وصول المعلومة والرأي والصورة إلى عقل المواطن. بل وفوق كل ذلك؛ لم تستطع الثورة والحرب على مدى عشر سنوات دامية أن تقنع الرقابة بأن ترخي قبضتها، إلا نادراً ولأسباب مدروسة وموظفة.
ليس مفاجئاً أن نسمع عن مشهد محذوف في مسلسل «خريف العشاق» للمخرج جود سعيد والكاتبة ديانا جبور، وكلاهما من أشدّ المدافعين عن النظام، رغم أن المسلسل سبق له أن مرّ من رقابة أولية، لكن مشهداً، حتى اللحظة، لم يتمكّن من المرور عبر رقابة التلفزيون لدى مشاهدته، علماً أنه عرض في أكثر من فضائية عربية، وهو لا بدّ بات متوفراً على السوشيال ميديا كسائر المسلسلات التي تعرض حالياً، فأي فائدة ترجى من هذا الحذف! اللهم إلا إذا كان الرقيب الصغير يريد أن يخلي مسؤوليته، أو أن يثبت يقظته أمام رقيب أكبر، أو أن الرقباء جميعاً فوق يريدون تأكيد هيبتهم والتلويح بهرواتهم!
لسنا في حاجة لمشهد محذوف في مسلسل لأن نثبت خشبية النظام ورقابته وإعلامه، ولا في حاجة لإثبات قدرة النظام الفائقة على أكل أبنائه وإنكارهم، ولا لمدّ الألسنة لأبنائه مع عبارة «ألم نقل لكم!» لا سمح الله، إننا فقط نحاول التأكّد من قوة صبرهم وإيمانهم بأن شيئاً في هذه البلاد يمكن أن يسير إلى الأحسن.
هذه المرة خاب ذكاء «المعلن» الدنماركي فيما يملأ شوارع بلاده بلوحة إعلانية تحثّ اللاجئين السوريين على العودة إلى بلادهم، بعد قرارات الترحيل الصادرة بحق كثيرين منهم. رمل، سماء زرقاء، لون أصفر ساطع، ونظارة شمسية ملونة بعلم النظام ذي النجمتين، مع عبارة تعلو الملصق: «عودوا إلى سوريا المشمسة، بلادكم تحتاجكم».
ما لم يحسب له المعلن أن الإعلان يناسب السائح الدنماركي أكثر مما يناسب اللاجئ السوري، إن لم نقل قدر ما يروّعه. الناس جميعاً يحتاجون إلى الشمس والأزرق المديد البهيج، لكن بالتأكيد ليس سماء الأسد، ولا رمل سوريا الأسد المفروش فوق أقبية متلاصقة وسجون.
إعلان يرغب بجذب «السائح» إلى جنة الشمس، لكن الأثر الوحيد الذي سيتركه هو الرفض والاستنكار والذعر!
«سوريا المشمسة» الغارقة بالإذلال اليومي والموت تحت التعذيب، بكورونا، ارتفاع أسعار السلع وغيابها، انتخابات محسومة النتائج، تدفع بعض أشدّ الموالين اليوم إلى الفرار، إن استطاعوا إليه ذلك سبيلا.
إعلان ينفع أن يدرّس للمهتمين بفنون الاتصالات البصرية، كنموذج لتأثير مغاير تماماً؛ إعلان يرغب بجذب «السائح» إلى جنة الشمس، لكن الأثر الوحيد الذي سيتركه هو الرفض والاستنكار والذعر.
كاتب فلسطيني سوري