مثلما كنا أمام المصوّر، الذي نقصده للحصول على نصف دزينة الصور التي نحتاجها لبطاقة الهوية ولجواز السفر، نحن الآن أمام شاشة الكومبيوتر، نشارك في ندوة أو في حوار. هو الجزء الأعلى منّا، ذاك الذي يظهر للطرف الآخر، محاورنا على تطبيق الزوم. الوجه والكتفان وجزء من الصدر فقط. في المرّات الأولى رحت أرتدي الثياب التي أرتديها عادة للخروج. لكن مع الاعتياد على تلك اللقاءات، وهي حتى الآن ليست كثيرة على أيّ حال، صرت أعرف أن ذلك ليس ضروريا، إلا في ما يتعلق بذلك الجزء مني، ذاك الذي يظهر لي أيضا من محاوري الظاهر أمامي على الشاشة.
ما هو سوى ذلك يمكن أن يقتصر على ثياب البيت ذاتها، وهذا ما قاله لي ذلك الشاب الذي حضر، قبل إجراء إحدى الندوات ليهيّئني لها قبل إجرائها. ذاك لأن نصفك الأوّل سيظل تحت الطاولة التي يربض عليها جهاز كمبيوترك، قال ردّا على ما ذكرته متخوّفا من أن يُظهر الكومبيوتر ما لا أريد أنا إظهاره. لكن رغم ما بُذل من جهد لتلك التهيئة بدت صورتي، التي تظهر لي أيضا بجانب صورة محادثي، هابطة إلى الأسفل ما حتّم عليّ أن أظل رافعا نفسي عن مقعدي لكي أبقى مرئيا.
ذاك لأن هناك جمهور، حسب ما قال لي ذلك الشاب، وهذا ما عاد وأكّده مقدّم الندوة. فقط حين بدأنا قال لنا ذلك المقدّم إننا لن نرى الجمهور ولن نسمع صوته. وعلى ما يجري في رأس كل منا حين يروح يتخيّل كيف هو شكل المكان الذي هو فيه، رحت أنسخ المشهد الذي أنا فيه، عن مثيله في الندوات السابقة التي كنت قد حضرتها أو شاركتُ فيها، رجالا ونساء جالسين في قاعة على مقاعد متدرجة صفوفا. متأخّرا ثلاثة أيام أو أربعة تلت ندوتي تلك، بدأت أعرف أن الجمهور ذاك غير مجتمعٍ كما سبق لي أن اختبرت، بل هو متوزّع، كلّ واحد بمفرده، وفي بيته.
كما أن الجمهور ذاك لن يتدخّل وهو يشاهد، أو يحضر، ذلك الحوار. ليس فقط لجهة التدخّل العادي، بل أيضا لجهة تلك التعليقات التي تستخلص منها ردود أفعاله، تلك التي كان يمكنه التعبير عنها، في الندوات غير الافتراضية، بكلمة طائرة من هنا أو ضحكة من هناك أو جملّة مؤيّدة من هنالك. هنا الجمهور ليس موجودا، لكن عليّ رغم ذلك أن آخذه بالحسبان. كان مقدّم الندوة قد قال لنا إن الجمهور هذا يستطيع أن يطرح أسئلة، لكن عليه أن يوجّهها إليه مكتوبةّ، ليوجّهها هو لنا في الجزء الأخير من الندوة. قال ذاك في تقديمه ثم اختفى، أي اختفى المربع الذي يحتوي صورته، عن الشاشة.
الأشياء التي تحدث للمرة الأولى غالبا ما يتأخر حدوث مرّتِها الثانية. لكن، مع تجربتي تلك، الأولى، تتالت مسرعة دعوات المشاهدة والاشتراك على الزوم. في مرّات ثلاث تلت كنت أنا من بين الجمهور، أفتح التطبيق وأجلس وحدي لأستمع إلى ما يقوله المنتدون.
نحن لوحدنا إذن، أنا ومن أتحاور معها. أسأل فتجيب أو تعلّق فأجيب. في هذا كان علينا أن نكون وحيدين أنا وهي، وجدّيين أيضا لا تصدر عن أيّ منا مزحة ولا نظهر عن ضجر أو ضيق، فقط سؤال ثم جواب تتبادلهما صورتان نصفيتان حسب تسمية مختار الحيّ.
الأشياء التي تحدث للمرة الأولى غالبا ما يتأخر حدوث مرّتِها الثانية. لكن، مع تجربتي تلك، الأولى، تتالت مسرعة دعوات المشاهدة والاشتراك على الزوم. في مرّات ثلاث تلت كنت أنا من بين الجمهور، أفتح التطبيق وأجلس وحدي لأستمع إلى ما يقوله المنتدون. كنت واحدا من أولئك المجهولين، غير المرئيين، وكنت أتساءل إن كان الداعون يعلمون أني حاضر الآن ألبي الدعوة. على غرار التطبيقات الافتراضية الأخرى ها هو الزوم يعمّ بسرعة مهولة. قرأت في مكان ما أنه في النصف الثاني من شهر آذار/مارس الفائت بلغ عدد المشتركين في ذلك التطبيق رقم الخمسمئة مليون. من أدلوا برأيهم حوله، في أحد مواقعه، أثنوا ثناء منقطع النظير على فائدته وعملّيته، وقد أُرفقت صور لرجال أعمال، سعداء كلهم، يقابلون رجال أعمال، سعداء أيضا، يجرون معهم «ميتينغ» من بلادهم الأخرى. سعداء كلهم، كمثل ما يظهرون في الأفلام الأمريكية والمسلسلات التركية. وهنا، في ما خصني كرجل لا صلة لي بالأعمال، أجدني أُستدرَج إلى أن يصير كل شيء جاريا على الزوم. أول أمس جاءتني دعوة للاشتراك في ندوة تعقد في موسكو، لكن على أن أظلّ هنا. المشاركون الآخرون هم من بلاد مختلفة، لكن كلهم سيبقون في بلدانهم، مثلي. ربما غداً أُدعى إلى الصين، لكن على أن أكون هنا، في بيتي. البلدان التي كانت في السنوات السابقة تحيي ندوات ولقاءات حقيقية استسهلت ما يقترحه عليها الزوم، الأسهل تحضيرا والأقل كلفة بكثير. منذ الآن على الأغلب، ابتداء من الآن، لن يلتقي أديب من هنا بأديب من هناك.. ولن يقوم حوار بينهما بعد أن يضغط كل منهما على زرّ الإيقاف (off).
في ما خصّني، كثيرا ما قرأت في الصحف عن أن الوباء كورونا سيغيّر حياتنا، لكنني كنت دائما أبحث عن دليل ملموس يؤكّد، أو يفسّر، كيف سيكون ذلك. الزوم قرّبني لأول مرة من إدراك معنى ذلك الكلام. أنا هنا إذن، باق في بيتي أعدّ كيف تتناقص الأشياء التي كنا نحلم بالقيام بها بعد تخلّصنا من الوباء.
روائي لبناني