فيلم ورواية «الدكتور جيكل والسيد هايد»… صراع الخير والشر داخل الإنسان

هل للطبيعة الإنسانية جانبان متناقضان، يمثل أحدهما الخير، بينما يمثل الآخر الشر؟ يطلق على هذا المفهوم اسم «الازدواجية» Dualism. ويبين التاريخ أن بعض العلماء اعتقدوا أن لكل مفهوم ازدواجية خاصة به، فقد اعتقد العالم الشهير سيغموند فرويد، أن شخصية الإنسان تمتاز بالازدواجية، حيث تضم جانبين، أحدهما الشهوة الجنسية، والآخر العنف، وأن هناك تنسيقا بينهما، وبذلك يستطيع الإنسان شق طريقه في الحياة.
وذكر الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي ريني ديكارت في القرن السابع عشر وجود جانبين في الإنسان، الأول هو الجانب الجسدي، بينما يكون الجانب العقلي الجانب الآخر، وأن الجانبين يتعاونان. وشمل ذلك بعض المعتقدات الدينية، التي اعتقدت أن العالم يتكون من قوى الخير وقوى الشر اللتين هما في صراع مستمر.
وأكثر الأديان وضوحا في هذا هو الدين الزرادشتي، الذي ادعى أن صراعا يدور دائما بين «مازدا» (إله الخير) و»مانيو» (إله الشر). وكانت هذه الازدواجية موضوع إحدى أشهر الروايات في تاريخ الأدب البريطاني، ألا وهي رواية «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد» Strange Case of Dr. Jekyll and Mr. Hyde أو«الدكتور جيكل والسيد هايد» اختصارا، التي ألفها الكاتب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسن ونشرها عام 1886. وأثارت هذه الرواية اهتماما كبيرا وانتجت بناء عليها عدة أفلام شهيرة، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام التي تأثرت بها. وأشهر الأفلام التي أنتجت عن الرواية كان فيلم «الدكتور جيكل والسيد هايد» الذي عرض عام 1941، وكان من تمثيل سبنسر ترَيسي وأنغريد برغمان ولانا ترنر.
تدور أحداث الفيلم في العاصمة البريطانية لندن، في أواخر القرن التاسع عشر عندما يعتقد الطبيب الشهير «هنري جيكل» (الممثل سبنسر تريسي) أن شخصية الإنسان تنقسم إلى جانبين وهما الخير والشر. وأن الجانبين في صراع، لكن أحدهما قد يهيمن على الآخر في حالة توفر الظروف الملائمة. وفكر هذا الدكتور بإمكانية عمل دواء للسيطرة على هذا الصراع. وبالتالي، فإنه من الممكن تحويل الشخص الشرير إلى طيب عن طريق تناول ذلك الدواء أو بالعكس. لكن المستشفى الذي يعمل فيه الدكتور «جيكل» ترفض تجربة مثل هذه الأدوية على المرضى، لعدم كفاية الأدلة على سلامتها، ما يثير حفيظة «جيكل» على الرغم من اكتشافه صحة ادعاء المستشفى. ولذلك فإنه يزيد من تجاربه على الحيوانات حتى يتوصل إلى الدواء اللازم. وفي هذه الأثناء يدخل «جيكل» في صراع مؤدب مع والد خطيبته الارستقراطي، الذي كان يشكك في صلاحيته لابنته الوحيدة «بياتريكس» (لانا ترنر). وينزعج «جيكل» كلما كان يحاول التعبير عن آرائه الطبية مع كبار رجال المجتمع الإنكليزي، حيث يظهرون استنكارهم لها، على الرغم من اعترافهم بأنه، من كبار أطباء البلاد. وأثناء تجواله في إحدى الليالي مع أقرب الأصدقاء إليه، وهو طبيب بارز مثله، يسمعون صراخ امراة (انغريد برغمان) فيهرعون إلى مصدر تلك الاستغاثة، ليجدوا رجلا يهاجم امراة شابة. وما أن شاهدهم المهاجم حتى فرّ هاربا، فاصطحب الطبيبان المرأة المسكينة إلى منزلها. وهناك تكتشف المرأة أن منقذها طبيب مرموق يتسم بالشجاعة والأدب، فتظهر حاجتها له كحبيب، لكنه ينسحب بلباقة ويتركها.

لانا ترنر – انغريد برغمان – سبنسر تريسي

ويعود «جيكل» إلى صراعه مع محيطه الذي يرفض الانصياع لرغباته وأفكاره. وفي نهاية المطاف يقرر تجربة اكتشافه على نفسه، فيذهب إلى مختبره الخاص الذي كان بناء صغيرا ملحقا بمنزله الفخم، وله بابه الخاص الذي يقود مباشرة إلى الشارع. وهناك يتناول جرعة من ذلك الدواء، فإذا به يعاني من دوار شديد وآلام مبرحة لوهلة، فيسقط على الأرض، لكن سرعان ما يتعافى وينهض ويتملكه إحساس غريب، فيتجه إلى المرآة ليرى رجلا ذا وجه قبيح بشكل غير عادي ذا نظرات مخيفة وذا صوت غريب مثير للاشمئزاز وقوة بدنية غير عادية، فهذا إذن الشر بعينه. وأخذ يصيح مصدرا ضحكة هستيرية مستمتعا بما حصل له. وبعد أن ياخذ الدواء المضاد يعود إلى ما كان عليه، لكنه كان سعيدا بنجاح التجربة وطور الشر التي انتابه. وبعد أيام قليلة سمع بقيام عرض راقص في إحدى حانات لندن الكبيرة، كان من غير اللائق أن يحضره، لكن سيكون من اللائق أن يحضره في طوره الشرير. وبالتالي يحضر الشرير ذلك العرض الراقص، ليجد الصالة مكتظة بالسكارى، لكنه يجد هناك أيضا الفتاة التي أنقذها قبل أيام قليلة. ويكتشف أنها تقدم المشروبات في الحانة، فيسبب مشكلة كبيرة تؤدي إلى مشاحنات عنيفة في الحانة، ثم يرشي صاحب الحانة ليفصل الفتاة. ويتم له ما يريد حيث تفصل الفتاة وتفقد مصدر رزقها الوحيد. لكن الشرير يعرف نفسه عليها باسم «هايد» ويستغلها في أحلك أيامها وأضعف حالاتها. ويستطيع بسرعة السيطرة عليها بشخصيته الشرسة وماله، ويسكنها في شقة جيدة، تتحول إلى ضحية لنزواته السادية نفسيا وجسديا، حيث يستمتع بتعذيبها. وتستمر حياة الطبيب على هذا المنوال، فهو الدكتور «جيكل» المحترم نهارا والسيد «هايد» الشرير ليلا، الذي يعود إلى المنزل عن طريق الباب الخلفي لمختبره الخاص. أما الفتاة المسكينة، فتتحول حياتها إلى مأساة لا يمكن الإفلات منها. وتحدث المفاجأة عندما يوافق والد خطيبته على زواجه من ابنته، فيقرر «جيكل» التخلص من «هايد» إلى الأبد عن طريق التوقف عن تناول الدواء، والتخلص من مفتاح الباب الخلفي للمختبر، ليبقى موصدا دائما.
ويتفق «جيكل» أخيرا مع والد خطيبته على إقامة حفل في منزل الوالد يضم كبار الشخصيات لإعلان خطة الزواج. وأثناء استعداد «جيكل» في منزله للتوجه إلى الحفل يبلغه خادمه بقدوم مريضة في حالة سيئة بشكل غير متوقع. ويكتشف «جيكل» أن المريضة هي الفتاة التي استعبدها «هايد» وقد أتت دون أن تعرف أنه الطبيب الذي أنقذها أصلا. وتتوسل إليه أن يجد لها علاجا لأعصابها المنهارة، وتريه آثار تعذيب «هايد» لها ما يثير رعبه. لكنه يعدها بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنه سوف يمنع المدعو «هايد» من التعرض لها في المستقبل. وتفرح الفتاة لكنها تلاحظ أن هناك شيئا مألوفا في محيا «جيكل» وتعود إلى المنزل. ويخرج «جيكل» متوجها مشيا في شوارع لندن ليلا لحضور الحفل، لكنه يلاحظ أن هناك خطبا ما، إذ أخذت شخصية هايد تبرز إلى العيان وتهيمن عليه ويتحول إلى «هايد» بكل بشاعته وشيطنته، ودون الدواء هذه المرة، أي أن الأمر قد خرج عن نطاق السيطرة. ويتوجه إلى شقة الفتاة التي يجدها محتفلة لاعتقادها بالتخلص منه، ويقتلها خنقا ثم يفر هاربا على الرغم من ملاحقة البعض له. وبعد سلسلة من الأحداث يذهب «جيكل» إلى خطيبته متوسلا إليها أن تتركه وتنساه، لكنه يتحول فجأة إلى «هايد» ويحاول قتلها، إلا أنه يقتل والدها عندما يحاول الدفاع عن ابنته. لكن الشرطة تعثر عليه بعد مطاردة مثيرة، وينتهي به الأمر مقتولا بالرصاص على يد الطبيب الذي كان أقرب أصدقائه، ويعود إلى شخصية «جيكل» وسط دهشة الجميع. وينتهي الفيلم هنا.

سبنسر تريسي

فسر البعض الفيلم أن «جيكل» قد اخترع دواء يحول الإنسان إلى شرير، لكن هذا غير صحيح، فالدواء يقوي الجانب الشرير من شخصية الطبيب المرموق، لينفذ كل الأحلام الشريرة والسادية التي لم يكن «جيكل» يجرؤ على القيام بها، حيث كان الطبيب يعاني من قيود المجتمع التي كانت تحدد طموحاته الكبيرة. ولذلك كانت شخصية «هايد» فرصة لتحقيق انتقامه ضد المجتمع، وإرضاء رغباته المريضة، واستغلال كل فرصة ممكنة لتحقيق مآربه. أما الدواء نفسه فيكاد أن يكون حجة فقط له لإطلاق العنان لذلك الجانب الشرير من شخصيته، وهو الطبيب البالغ الشهرة ومن نجوم المجتمع الراقي. والجدير بالذكر أن المؤلف اختار اسم «هايد» للشخصية الشريرة، فهذا الاسم يعني كذلك الفعل «يخفي» في اللغة الإنكليزية، مشيرا إلى أنه الشخصية الخفية للدكتور «جيكل». ويشير الفيلم كذلك إلى أن جانبي الشخصية الإنسانية ليسا في توازن، فما أن يبدأ الجانب الشرير بالظهور، حتى تظهر هيمنته على المدى الطويل. ويتطرق الفيلم، والرواية قبل ذلك، إلى اندفاع بعض الأطباء إلى المجد، معرضين أرواح المرضى للخطر، عن طريق تجربة أدوية غير آمنة وضاربين القوانين بعرض الحائط، وكذلك مخاطر عدم مراقبة مسار التطور العلمي. وهذه مشكلة متزايدة يعاني منها المجتمع في الوقت الحاضر، ولا تبدو نهاية لها في الأفق. وتتسم الرواية كذلك بأحد أهم سمات القرن التاسع عشر، فهو القرن الذي ازداد اقتناع الناس فيه بأهمية العلم والتكنولوجيا، وانتشر الاعتقاد بأن التقدم العلمي سيحقق المعجزات، ويقدم التعليل الصحيح لجميع الظواهر الطبيعية، ولذلك، فإن الدكتور «جيكل» يتحول إلى شخصية السيد «هايد» بسبب دواء اخترعه بنفسه، وليس بسبب سيطرة الشيطان عليه، مع العلم أن الكنيسة في بريطانيا اعتبرت الرواية تؤيد مبادئها، وأصبحت مادة مهمة في الصحافة المتدينة ومواعظ الكنائس.

هناك جدال بين المؤرخين حول مصدر بعض تفاصيل الرواية، فالفكرة تشابه نوعا ما رواية «البديل» للكاتب الروسي فيودور ديستويفسكي. أما شخصية الدكتور «جيكل» فهناك بعض التشابه بينها وبين شخصية الجراح الأسكتلندي الشهير «جون هنتر» الذي كان متزوجا من امرأة ارستقراطية وثرية.

وتفتح هذه الرواية الشهيرة الباب لتساؤلات كثيرة محيرة، فهل المظهر الحضاري في الحقيقة عبارة عن قناع من السهل رفعه لتظهر حقيقة إجرامية بشعة؟ إذا بدا الفيلم قاسيا، فإن الرواية التي نشرت عام 1886 في نسختها النهائية كانت أكثر قسوة بكثير. وحسب المصادر التاريخية فإن فكرة الرواية بدأت في ظروف غير عادية، حيث كان المؤلف روبرت لويس ستيفنسن، يعاني من أمراض مزمنة في الجهاز التنفسي، وزاد الأمر سوءاً بإصابته بالسل. ومن المضحك أن من الأدوية التي وصفها له الأطباء كان المورفين والكوكايين. وإذا صدقنا المصادر التاريخية، فإن زوجة المؤلف سمعته يوما ما يصيح في نومه بشكل جنوني، فهرعت إلى غرفته. واعتقدت المرأة أن كابوسا مريعا سيصيب زوجها بالجنون، فايقظته فورا. لكنه ما أن فتح عينيه حتى وبخها لما فعلته لأن ذلك الحلم كان بالنسبة له ملهما، فقد كان مصدر رواية «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد» وانكب على الكتابة فورا. وما أن أنهى النسخة الاولى حتى قراتها زوجته ووصفتها بالهراء، فأعاد كتابتها من جديد عدة مرات مخففا من حدتها، حتى استطاع أن ينهي النسخة المناسبة للنشر لتخلد اسمه وتنقذه من الإفلاس.
هناك جدال بين المؤرخين حول مصدر بعض تفاصيل الرواية، فالفكرة تشابه نوعا ما رواية «البديل» للكاتب الروسي فيودور ديستويفسكي. أما شخصية الدكتور «جيكل» فهناك بعض التشابه بينها وبين شخصية الجراح الأسكتلندي الشهير «جون هنتر» الذي كان متزوجا من امرأة ارستقراطية وثرية، وكانت عيادته ملحقة بمنزله الفخم في لندن. وكان لعيادته باب خلفي يؤدي إلى شارع مظلم لزوار الليل، الذين كانوا لصوصا يبيعون بشكل غير قانوني جثثا له كانوا قد استخرجوها من قبور حفرت في ذلك اليوم، إذ كان ذلك الجراح يستخدمها في أبحاثه وتدريسه للطلاب.
ولاقت الرواية نجاحا هائلا فور نشرها حتى أصبح عنوانها يطلق على كل من يتصرف بطريقة مناقضة لشخصيته المعتادة. وتحولت إلى مسرحية عام 1887 في العاصمة البريطانية لندن، بعد القيام ببعض التغييرات عليها. لكن مجرى الأمور اتخذ منحى مفاجئا عام 1888، إذ اكتشفت شرطة لندن في تلك السنة عدة جرائم بشعة، كانت ضحاياها نساء في الجانب الشرقي من لندن. وأثارت الصحف البريطانية ضجة كبيرة بتغطيتها لتلك الجرائم، مطلقة على مرتكبها اسم «جاك السفاح» مضيفة أن القاتل امتلك مهارات في الجراحة، ما جعل البعض يعتقد أن القاتل كان السيد «هايد» (الجانب الشرير والإجرامي للدكتور جيكل)، فقام القائمون على المسرحية بإيقاف العروض فورا، خوفا من هجوم بعض المتهورين على الممثلين. ولم يوقف هذا شهرة المسرحية، حيث سرعان ما مثلت الرواية على خشبة المسرح وتلتها مسرحيات أخرى كثيرة. وكان أول فيلم لها قد أنتج عام 1921، ومثل الشخصية مجموعة من مشاهير نجوم السينما الغربية مثل فريدريك مارش وجيري لويس وستانلي لوريل. وتم اقتباس القصة بأشكال مختلفة في عالم السينما مثل، أفلام «العملاق العظيم» The Incredible Hulk و«سوبرمان» و«الوطواط» و«الرجل العنكبوت» و«القناع» (الفيلم الذي جعل جيم كاري نجما كبيرا) وأخرى كثيرة. وكان للرواية تأثير في العديد من الأعمال الأدبية اللاحقة، مثل رواية «صورة دوريان غرَي» للكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد.

باحث ومؤرخ من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية