د. عبدالوهاب الأفندي
من حق كل العراقيين أن يحتفلوا هذا الشهر برحيل القوات الأمريكية بعد أن دفع العراق وأهله ثمناً باهظاً لوجود تلك القوات على أرضهم خلال التسع سنوات الماضية. ولكن في غمرة هذا الاحتفال، لا بد أن يتذكر الجميع أن مآسي العراق وآلامه لم تبدأ يوم وصول القوات الأمريكية إلى العراق، وهي لم تنته، كما تشير كل الدلائل، يوم رحيلها. وقد كنا ولا زلنا صوتاً يصرخ في البرية للتذكير بهذه الحقيقة الساطعة، لأننا نرى، بالعكس، إن الاحتلال استخدم من قبل العراقيين كغلالة رقيقة يحاولون بها ستر شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم. وها نحن نشهد مع رحيل الاحتلال انكشاف المستور وبداية حملة اخرى لتصفية الحسابات على أساس طائفي-عرقي بغيض. لقد سقط العراق منذ نهاية الخمسينات وبداية الستينات في فخ وحشية العنف السياسي، وخلقت فيه بسبب حدة التنافس السياسي حالة من انعدام الأمن عند كل المجموعات. فقد أخذت المجازر التي ولدها صراع السلطة تزداد وحشية وبشاعة باضطراد مرعب، مما جعل أي جماعة سياسية ترى أن في خروجها من السلطة نهاية العالم. وهذا بدوره قوى نفوذ العناصر المتطرفة والأجهزة المكلفة بالأمن في الأحزاب السياسية ثم أجهزة الدولة. فالمعروف أن صعود الرئيس الأسبق صدام حسين داخل حزب البحث جاء على خلفية أنه كان المكلف بتأمين الحزب والنظام. وقد تولد الاستقطاب العرقي والطائفي على هذه الخلفية. ففي مطلع الفترة الجمهورية وحتى في العهد الملكي لم تكن الطائفية ولا الأصل العرقي عوامل حاسمة في الاصطفاف السياسي، بل كان الانتماء السياسي هو المعول. وعليه لم تكن طائفة عبدالكريم قاسم أو كردية عدد من رؤساء الوزراء وقادة الجيش محل تساؤل أو اهتمام. ولكن مع صعود تيارات القومية العربية وجد الأكراد أنفسهم في وضع مختلف جعلهم على هامش السياسة العراقية. ومع تزايد الصراع على السلطة، ثم تفجر الثورة الإيرانية واشتعال الحرب بين إيران والعراق وجد الشيعة أنفسهم في موضع الريبة والإقصاء.
وكما هو الحال في دول عربية أخرى فإن تركيز السلطة في يد فئة مستبدة فرضت تقريب أهل الولاء، وهؤلاء كانوا في الغالب الأقرباء والعشيرة، مما عمق الاستقطاب العشائري والقبلي والطائفي والجهوي. وقد ساهم التنافس بين الأنظمة العربية في تردي الأوضاع على هذا الصعيد عبر التنابز بالألقاب بينها. على سبيل المثال كان النظام البعثي في سورية يطلق على خصومه في بغداد وصف ‘العصابة التكريتية’، بينما كان رد العراقيين (ثم نظام السادات فيما بعد) نعت نظام دمشق بأنه ‘النظام العلوي’. من هنا يمكن أن يقال إن الطائفية والاستقطاب العرقي هما وليدا تردي الممارسة السياسية، وليس العكس. فقد بلغ الهلع بالأنظمة المتشبثة بالسلطة حداً جعلها تجيش الطائفية والقبلية وكل نعرات التشرذم ضد الخصوم. وبالمقابل فإن قوى المعارضة نهلت وسقت غيرها من نفس الكأس، حيث برزت ميليشيات شيعية وكردية وغيرها. وبالطبع كان لا بد من الاستعانة بالخارج، حيث دعمت إيران الشاه الأكراد قبل أن تدعم إيران الثورة الميليشيات الشيعية وتنشىء بعضها. ولم تكن سورية ودول عربية أخرى بعيدة عن هذا المشهد، بينما استعان النظام بدوره بالخارج، ممثلاً في دول الخليج ومعظم دول الغرب التي رأت في دعم النظام ضد إيران والمعارضة أهون الشرين.
وعليه يمكن أن نضيف هنا كذلك أن الاستعانة بالأجنبي كانت بدورها عرضاً للمرض العراقي، ونتاجاً آخر لتردي السياسة وثمرة لذلك التردي المتمثل في إثارة النعرات. فقد بلغ الاستقطاب حداً أفقد مفهوم الوطن، ومعه قيمة الولاء لذاك الوطن، كل معنى. فعندما يصبح الوطن محتكراً لطائفة أو جماعة عرقية، بل لفرد أو عائلة، فإن مطالبة الفئات التي تعاني الإقصاء في هذا ‘الوطن’ الافتراضي بإظهار الولاء له أو تقديم ‘مصلحته’ على مصلحة الفرد أو الفئة يصبح نوعاً من الشطط. ونظير هذا ما نراه اليوم في إسرائيل من مطالبة مواطنيها العرب بأداء قسم الولاء لإسرائيل باعتبارها يهودية وإلا حرموا من المشاركة السياسية! فأي معنى يبقى للمشاركة إن كانت تشترط إلغاء الذات؟ الأمر يصبح أفدح حين يصبح الولاء للوطن مرادفاً للولاء للزعيم الأوحد الذي يدعي الألوهية ضمناً أو صراحةً.
ولا فائدة ترتجى في هذا المقام من إكثار الحديث عن الماضي، إلا بغرض أخذ العبرة. فقد أكثر العراقيون أو جزء منهم- الحديث عن مساوئ نظام صدام، واتخذوها مبرراً لجرائم كثيرة في ذلك العهد وبعد نهايته. ولكن المسألة التي تحتاج إلى مواجهة هي الحاضر والمستقبل. فمن الواضح أن حكومة المالكي قد رأت معالجة أوضاع العراق بالتي كانت هي الداء، أي بمزيد من الاستقطاب العرقي والطائفي، والسعي الحثيث لإقصاء الآخرين. فقد استبقت رحيل قوات الاحتلال باعتقالات لمعارضين في محافظات العراق السنية، مما دفع بعضها مثل ديالى وصلاح الدين إلى البدء في إجراءات لتحويلها إلى أقاليم فدرالية لتقليص سلطات حكومة المالكي. وقد صعدت خلال الأيام القليلة الماضية لدرجة توجيه الاتهامات لنائب الرئيس ورئيس البرلمان، مما يهدد بنشوب حرب طائفية لن تجد هذه المرة في الاحتلال غطاء يبررها أو سنداً يقلل من كلفتها.
وكان المفترض، بالعكس، أن يكون التحرك في الاتجاه الآخر، أي نحو التقارب مع العرب السنة، واحترام قياداتهم، خاصة تلك التي تحالفت مع المالكي وأنصاره. وكأن هذا لا يكفي فإن حكومة المالكي قد بادرت باتجاه التصادم مع الأكراد من جهة، واستعداء للرأي العام العربي ودول الجوار في الخليج من جهة أخرى، وذلك عبر دعمها المكشوف وغير المبدئي للنظام السوري الدموي.
هذا الجنوح الخطر نحو التوجهات الطائفية القبيحة لا يكرس فقط مسار الانحطاط الأخلاقي والسياسي الذي كان مصدر مآسي العراق في الماضي القريب، ولكنه يمثل غباءً سياسياً ورهاناً خاسراً بالضرورة، حيث سيقود العراق إلى هاوية سحيقة من الاحتراب اللانهائي ستكون فيه كل طوائفها خاسرة. فإذا كان بعض سياسيي العراق يعتقدون أن في دعم النظام السوري الاستبدادي الآيل إلى السقوط كسب حليف فإنهم بلا شك غارقون في الوهم. فالنظام السوري المحاصر المعزول والمتورط في حالة حرب مع شعبه لن يكون نصيراً لنظام طائفي هو أيضاً في حالة حرب مع قطاعات واسعة من شعبه. بل بالعكس، نجد النظام السوري قد تحول سلفاً عبئاً أخلاقياً واقتصادياً وسياسياً على حلفائة العراقيين، ويهدد بنزع الشرعية عنهم وتكريس عزلتهم في المنطقة العربية. ولا يمكن تعويض هذه العزلة بالتعويل على إيران، لأن إيران في طريقها لأن تدخل في عزلة دولية بدورها. أما التعويل على ‘ماما أمريكا’ فلا مقام له هنا، لأن أمريكا ستشترط على نظام العراق الابتعاد عن سورية وإيران، ثم ستفرض عليه راغماً تقديم التنازلات التي يطلبها المعارضون. فأمريكا ليست في وارد دعم نظام طائفي في العراق سيكون بدوره ذا كلفة عالية عليها أمام حلفائها في الخليج وأمام الشعوب العربية في عصر الثورات الديمقراطية.
المحصلة لكل هذا ستكون وبالاً على من يؤجج الصراع الطائفي قبل غيره. فالطائفية والعنصرية سرطان يدمر جسد الفئة التي تتولى كبرها قبل غيرها. فقد رأينا في لبنان كيف كانت الطائفية هي بوابة الاقتتال مع الإخوة في الوطن أولاً، ثم الاستعانة بالأجانب ثانياً، وفي أثناء كل ذلك الاقتتال داخل الطائفة في الصراع على الزعامة. ومن طبيعة الاستقطاب الطائفي والعرقي والديني، كما رأينا في لبنان أو إسرائيل أو يوغسلافيا السابقة أو الصومال، أنه لا يعمق الخلافات عمداً بين فئات المجتمع عبر الإساءة على الآخرين، بل هو كذلك يؤجج الصراع على الزعامة داخل كل طائفة عبر إثبات من هو الأكثر تطرفاً وتشدداً.
في العراق شهدنا التنافس داخل حزب الدعوة على الزعامة بين المالكي والجعفري، والتنافس بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وجماعة مقتدى الصدر، وهو تنافس نتج عنه تكريس زعامة أكثر العناصر تطرفاً ممن يدعون أنهم الأقوى والأقدر في حماية مصالح الطائفة الشيعية، وبالمقابل تم تهميش المعتدلين من أمثال علاوي وكتلته. وبالمقابل فإن القوى الأخرى من كردية وسنية وغيرها وجدت نفسها في أوضاع مماثلة. وكانت المفارقة هي أن ‘المتطرفين’ استقووا بالأمريكان وقواتهم عبر دمغ أعدائهم بالإرهاب، وما زالوا يستخدمون خطاب مكافحة الإرهاب للنيل من خصومهم.
إن المطلوب اليوم هو التراجع عن حافة الهاوية، ونبذ الخطاب الطائفي، والإسراع بالمصالحة الوطنية. وبدلاً من أن تعتبر قيادات الحكومة العراقية الحالية، في بروز قيادات سنية عربية ذات مصداقية وقبول شعبي مثل رئيس البرلمان أسامة النجيفي، تهديداً لها، أن ترى في ذلك فرصة للتصالح مع أبناء الوطن وبناء العراق الموحد المتصالح مع ذاته. فالحكومة العراقية الحالية تحتاج إلى كسب الشرعية التي تفتقدها (لأنها جاءت تحت حراب الاحتلال من جهة، وغلب عليها اللون الطائفي من جهة أخرى) عبر عقد اجتماعي جديد يشارك فيه الآخرون على قدم المساواة. أما البديل فهو الطوفان.’ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن