رسائل الأسرى: أسئلةٌ مشروعة وإجابات غائبة

حجم الخط
0

أحمد زكارنة لست آسفا إلا لأنني لا أملك إلا حياة واحدة أضحي بها في سبيل الوطن.. هكذا عبر بالقول الكاتب والخطيب الروماني شيشرون عن حبه لوطنه.. وهكذا ترجموا ومازالوا يترجمون بالأفعال لا بالأقوال أسرانا البواسل في سجون الاحتلال.. ما يؤكد أنهم الأحرص على الوطن من الطلقاء. على هذه القاعدة، وبهذا الايمان، أطرح عددا من الأسئلة المشروعة التي وردتني من الأسير البطل محمد رشدان، ضمن رسالته المليئة بالكثير من المضامين العميقة في سياق قراءة متأنية لحروفها المعتقة بروائح الحرية من جدران سجن جلبوع المركزي، والمؤرخة في 29-9-2011 . وصف رشدان خطوات السيد الرئيس نحو نيل الحرية، بأنها خطوات سياسية جبارة قائلاً: ‘برغم ما يعتري دمنا من شوائب تهدد مناعة مؤسساتنا حديثة النشأة، وقف الرئيس محمود عباس من على منصة الأمم المتحدة ليؤكد على أوان وحتمية خــلاص الشعب الفلسطيني من الاحتلال وقيام دولته الفلــسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف’. وقبل أن يشرع أسيرنا البطل في طرح أسئلته الصارخة، أكد على نجاح القيادة في تحديد ملامح الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة بالقول: خطاب جسد المفاهيم والمفردات الوطنية، وكشف عن حدة ملامح المنحى الفلسطيني الجديد.. كان واضحا، شاملا، جامعا، لم يستثني شيئاً، ولم يسقط شيئاً، كسر بنصه ومضمونه بكل لياقة ولباقة حاجز الصمت والجمود العربي والدولي.. ما أوقفني ـ يقول رشدان ـ أمام العديد من الأسئلة التي بدت مع خطاب الرئيس. كيف نظرت مؤسستنا الإعلامية إلى هذا الدعم والتأييد الدولي للرئيس وللقضية؟! وكيف لنا استثماره، بشكل وطني فكري عام؟ هل وضعتم خطة إعلامية اجتماعية تتماها والمضامين الوطنية التي احتواها بيان الرئيس، وتمثل كل الطيف الفلسطيني ومستوياته الفكرية والاجتماعية؟

؟. هنا ينوه رشدان إلى أن هذا المنحى المتقدم يحتاج إلى استراتيجية نهضوية تُدخل سلوك الرئيس إلى كل نفس فلسطينية وليس كل بيت فلسطيني فقط.. ففي الوقت الذي تعتمد فيه أية قوة سياسية أو اجتماعية أدوات النضال الشعبي والسياسي والمفاوضات كاستراتيجية، يبقى الإعلام بكافة وسائله تحت طائل المسؤولية الأخلاقية والوطنية في الممارسة المهنية من أجل تحقيق الهدف المرجو من وظيفته في خلق أرضية فكرية جماعية، وهذا يعني أن على الإعلام أن يتحدث بلسان الوطن، لسان فلسطين. ويختم محمد رسالته منتقداً استمرار حالة الانقسام وتداعياته التي انعكست على الأداء الفلسطيني الإعلامي متسائلاً: على عاتق مَن تقع المسؤولية التاريخية في معالجة ورأب هذا الصدع المجتمعي اللعين، الذي أحدثته الصراعات والمصالح الفئوية والحزبية.. سؤال يقول رشدان، يجب أن تتولى الحركة الثقافية والعلمية المستقلة صياغة الاجابة عليه، وليست الأطر والمؤسسات الحزبية التي فقدت مضمونها وقيمتها، مؤكدا أن نابض هذه الحركة هو الإعلام بكافة وسائله. إلى هنا انتهى الاقتباس من رسالة الأسير البطل محمد رشدان المحكوم 22 عاما، صديقي الذي لم التقيه أو أعرفه شخصيا قط، ولكنه رفيقي الدائم في برنامجي الإذاعي ‘آخر كلام’، كما يؤكد هو في رسالته التي استقبلتها كمن يستقبل جائزة تقديرية لا تقدر بثمن.

لم تفاجئني بلاغة الخطاب المحلق بعيداً بكل مضامينه التي لا يسعني سردها في هذه المساحة المحدودة، كما لم يفاجئني كم الأسئلة التي تبدو بسيطة في صياغتها، ولكنها عميقة وحقيقية في آن، ولكن ما فاجأني حقاً هو هذا الاطلاع الواسع على أدق التفاصيل، التي لربما لا نلحظها نحن الطلقاء، وهي بين ايدينا، ويمارسها بعضنا، والأكثر دهشة تلك المتابعة الدقيقة لكل شاردة وواردة، ما وضعني في حالة من الشعور بالعجز شبه التام، لا عن الاجابة عما طرح من أسئلة، وإنما عن ممارسة الاجابات التي أجزم أن أغلبنا يدركها تماما، ولكن أحداً منا لا يملك قرار تنفيذها، وهي المصيبة أو العذر الأقبح من الذنب، لتبقى أسئلة محمد رشدان، وكل زملائه في الحركة الأسيرة ومن كل ألوان الطيف السياسي، معلقة من القدمين، كأسئلة مشروعة برسم اجابات غائبة أو مغيبة.’ كاتب وإعلامي فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية