محمد اشويكة 1 أكد المخرج المغربي محمد عسلي في فيلمه السينمائي الروائي الثاني ‘الأيادي الخشنة’ أسلوبه الجمالي والفني والإنتاجي، معمقا رؤيته السينمائية لقضايا المجتمع المغربي، وذلك بعد أن وضع لبناتها الأساسية الأولى في فيلمه الروائي الطويل الأول ‘الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء’. اختار المخرج الانحياز لكشف مفارقات المجتمع المغربي الراهن من خلال فضاء الدار البيضاء مُوَظِّفًا أسلوبا سينمائيا رفيعا يوازي بين ما هو تقني وما هو تيماتيكي، ما هو بسيط وما هو معقد، ما هو ظاهر وما هو مضمر.. آثر المخرج الاستناد إلى مرجعيات فنية راسخة في تاريخ السينما العالمية، وأخص بالذكر الواقعية الإيطالية الجديدة في مجال السينما، والواقعية السحرية في مجال الكتابة الدرامية؛ إذ لم يقدم فيه ضعفاء المجتمع المغربي بؤساء، مستسلمين، وإنما مكافحين، مقبلين على الحياة التي لا تخلو من جمال ينعكس من خلال أسلوب عيشهم.. ضدا على ما تعيشه الطبقات المغربية الميسورة، التي تغتني بطرق تتأسس على المتاجرة في مشاكل الناس، وتستغل نفوذها لشد الخناق عليهم، ولا تكرس إلا الجشع والتسلط وعدم احترام القانون إلى الدرجة التي أصبحت تقف في وجه كل تغيير…2لا أود، في هذا المقام، التفصيل في حيثيات الفيلم وإنما أرغب، فقط، في الوقوف عند بعض المَشَاهِد واللقطات القوية فيه لأنها تسعف في تفسير بعض الظواهر المعقدة التي تدخل في نطاق التركيبة الذهنية والاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع المغربي، وهي وقفات قوية من الناحية الإستيتيقية، و’مفاتيح/أقفال’ لفهم الفيلم ككل:- مشهد الأقفاص: هو المشهد الافتتاحي للسرد الفيلمي، وهو النقطة المحورية لتوليد الدلالات الكبرى للمعنى، إنه الاستعارة الكبرى التي يوظفها المخرج لتسليط الضوء على أزمة المجتمع المغربي، وعليه، فكل الشخصيات تدور في قفص خاص بها داخل قفص كبير اسمه ‘المجتمع’:’ مصطفى (محمد بسطاوي)، سجينٌ حرٌّ بين الزبناء والوسطاء.. سُجَنَاءُ المرض والمناصب…’ سعيد (عبد الصمد مفتاح الخير)، سجينُ مصطفى، والتابع لرجل السلطة الذي وظفه وَاشِيًّا لصالحه في قضايا كثيرة من بينها ملاحقة زوجته…’ المعلمة زكية (هدى الريحاني)، سجينة السرابِ.. سرابِ الطموح الهارب، وسجينة القسم، وسجينة مدير المؤسسة التعليمية.. سجينُ الجشع…’ أطفال المدرسة الخصوصية، سجناء القسم المكتظ، وضحايا تعليمٍ لم يستطع الخروج من أزمته الطويلة…’ أم مصطفى (عائشة ماه ماه)، سجينة العمى والبيت…’ كل الأغنياء ورجال السلطة الذين يقدمهم الفيلم (الوزير المتقاعد، مدير التلفزيون، القاضي…) يعيشون سجناء المرض والحرمان العاطفي والتبعية السلطوية…’ تتحول بعض الظواهر الاجتماعية إلى أقفاص وسجون كالأمية والفقر والجشع والسلطة (إكراهات الحفاظ على المنصب)… يبين الفيلم أن لِكُلٍّ قفصه.. فالشخوص محاصرة داخل قفص كبير اسمه الدار البيضاء كفضاء رمزي يلخص وضعية بَلَدٍ يعيش مخاضا تاريخيا صعبا للخروج من عنق الزجاجة على المستوى الاقتصادي والسياسي والقيمي والقانوني…’ المشاهد البانورامية الملتقطة من زاوية واحدة: كَرَّر المخرج تصوير بعض اللقطات البانورامية للدار البيضاء من زاوية واحدة تشير إلى مسجد المدينة الشهير كعلامة بارزة تؤطر الرؤية. إذا ما اعتبرنا أن ذلك مرتبط بإكراهات أمكنة التصوير المُتَاحة، فإن التأويل يتجاوز ذلك، وتصبح البيضاء ككهف أفلاطون الشهير: الجميع محاصر بالداخل ولا شيء يتيح التواصل مع العالم إلا عبر كوة الضوء الوحيدة التي هي زاوية التقاط المَشَاهِدِ في الفيلم.. هذا إن استبعدنا الدلالة الأيقونية للمسجد كرمز دنيوي وروحي وسياسي يوحي بإشارة المخرج إلى وجهة نظر إيديولوجية يمكن أن تشير إلى طرح سياسي معين لإنقاذ من يوجد داخل الكهف (الأقفاص)…’ بكاء المعلمة داخل حجرة الدرس: تتجلى قوة هذا المشهد في حضور الأطفال الذين يتابعون باهتمام كبير حالة معلمتهم وهي تنهار باكية بعد تَبَخُّرِ حلم التحاقها بخطيبٍ كان يرغب في استقدامها إليه عبر متاهات الهجرة السرية (حاركة) إلى الديار الإسبانية بعد أن فشل مرورها بطريقة قانونية/تَحَايُلِيَّة سمحت لنا بالتعرف على الوجه البشع للرأسمالية الإسبانية التي تستغل، في ظروف لاإنسانية، فقر العاملات في مجال الفلاحة بالمغرب. فبالرغم من أن المعلمة اعتادت الخروج من القسم أثناء إجرائها للمكالمات مع خطيبها، آثر المخرج أن يبقيها داخله كي يمرر خطابا تربويا وسياسيا لكل الذين يعشقون الاشتغال خارج البلاد بطريقة تذكر بجرائم إسبانيا التاريخية زمن العبودية والاستعمار!
كان الحوار الذي دار بين المعلمة وخطيبها بليغا، فقد رفضت أن تذهب إليه عبر دواليب الهجرة السرية مصرحة أن ذلك يُفْقِدُ الإنسان روحه، ويجعله فارغا من كل حِسٍّ إنساني! كان بكاؤها خيبة ذاتية وجماعية تؤشر على ما ينتظر مَنْ حَوْلَهَا (الأطفال: مستقبل الوطن!)!- حوار بين مصطفى والمعلمة: نجح الفيلم في خلق لحظات شاعرية متعددة على مستوى الحوارات؛ إذ تحققت ذروة ذلك حين أراد مصطفى أن يوصل عواطفه وطموحاته إلى المعلمة مطبقا المثل العربي الشهير: ‘إياك أعني واسمعي يا جارة’.. كان مصطفى يسائلها، وهو يقلب مواجعه وهمومه الذاتية أيضا. أصبح المتفرج أمام لعبة تساؤلية تحاول استبطان الدواخل النفسية العميقة للسائل والمسؤول. وتحول السؤال إلى شطر شعري يحمل خطابا يشبه الحكمة، ويعلن حجم المعاناة العاطفية للمتحاورين…’قِسْمُ الأميين: صَوَّرَ الفيلم كُهُولا ورجالا طاعنين في السن، توحدهم الأمية التي يحاولون محوها أو يصارعون الزمن من أجل إزالة آثارها النفسية السلبية، ساعين إلى التخفيف من وثيرة الإحساس بالندم عما فاتهم، رافعين التحدي في وجه الزمن والمسؤولين.. وظف المخرج السخرية السوداء كطريقة فنية لنقد هذا الوضع المتردي الذي عطل تطور المجتمع، وذلك من خلال الاستعارة الفنية لطرائق ومناهج التدريس، وإجابات المستفيدين من الدروس.. مستنطقا الزمن: هل فات الأوان للخروج من ‘قفص الجهل’؟!’توظيف رقصة ‘أحواش’: توفق الفيلم، منذ بدايته، في الاشتغال الفني على مونتاج إيقاعي ‘Montage rythmique’ يساير حركات وإيقاعات اشتغال الشخوص: الحلاق ومساعده، نسَّاجَات الزربية، عازف آلة القانون، حركات راقصي وراقصات ‘أحواش’ مدينة ورزازات الشهيرة بإيقاعها المعقد الذي يضبطه الطبل الكبير المسمى ‘كانكة’.. استطاع المخرج أن ينزاح عن الطابع الفلكلوري الذي غالبا ما يسقط فيه كل من اشتغل على هذه الرقصات، وذلك وفق تقطيع بصري يلائم جمالية الرقصة من جهة، ويساير إيقاع لحظة العرس داخل الفيلم من جهة ثانية… أعتقد أن هذه المشاهد واللقطات درس في التصوير السينمائي لمثل هذه الأهازيج والإيقاعات المغربية الأصيلة التي أساء العديد من المخرجين توظيفها سواء داخل السينما أم خلال الأغاني المصورة التي تذاع على التلفزيون الذي لم يسلم بدوره من النقد؛ إذ أظهر الفيلم مديره كمخبر وليس كمسؤول عن جهاز إعلامي وطني!
تَدَرَّجَ إيقاع الفيلم عبر أرضية موسيقية تؤطرها آلة القانون التي تلخص في حد ذاتها رسالة الفيلم الثاوية في خطابه الفيلمي، وذلك لما توحي به هذه الآلة من دلالات تبدأ من اسمها الذي يحيل على القانون، فضلا عن شكلها، وفرادة عزفها، وندرة عازفيها الأمر الذي يفسر، ربما، الظهور الطفيف لشخصية عازف القانون وكأن المخرج يريد الإشارة إلى الغياب الحقيقي لسيادة القانون داخل مدينة كبيرة بحجم الدار البيضاء: غرابة الآلة كغرابة القانون ذاته!’حياكة/حكاية الزربية: انتبه المخرج محمد عسلي إلى احد المكونات الأساسية في الثقافة الجمالية للمغاربة، ويتعلق الأمر بالزربية كمكون تراثي نُسِجَت معالمه منذ تاريخ طويل يقاس بنشأة الحضارة المغربية، وتطور الوعي الجمالي لدى الإنسان المغربي. فالمَنْسَج هو متنفس المرأة المغربية التقليدية التي سجنتها الظروف والمجتمع بين خيوطه وخشباته، فتفتقت مواهبها من خلال تشكيل الألوان والأشكال، فصارت تعبر عن الآلام والآمال المكبوتة والمرجوة… تتبعنا، على امتداد الفيلم، مختلف مراحل إعداد الزربية من البداية إلى النهاية (لحظة ‘التَّكرَاجْ’) مع كل ما تتطلبه اللحظة من انتقاء للألوان، وعناية بالصوف، وإتقان للنَّسْج والحياكة.. فالزربية رمز للكد والصبر والعناء من أجل الوصول إلى الجمال الذي لا يصنع بسهولة، فصاحبة المنسج امرأة ضريرة، ولكن بصيرتها الجمالية متفتحة، وقريحتها يقظة. ينتصر الفيلم للقيم الجمالية العليا للفرد، ويعرض الزربية كنسيج بسيط ومعقد للمجتمع المغربي الذي وإن انهارت قيم طبقاته العليا، فإن الأمل في الطبقات البسيطة التي تكد في البحث عن قوت يومها عبر عرق الجبان لم تنهار…’ زبناء الحلاق: أظهر الفيلم زبناء الحلاق مقعدين، طاعنين في السن، مرضى، عاجزين.. لكنهم من ذوي النفوذ، والجاه، والسلطة، والمال.. وهي مفارقة تكشف عن التباين الطبقي الحاصل بين الحلاق وزبنائه، على المستوى الاجتماعي والعمراني والثقافي.. كما تبين أن البلاد في حاجةٍ ملحة إلى تشبيب النخب، والقضاء على بؤر الفساد، وإحداث قطيعة جذرية مع المتاجرة بمآسي البسطاء من طرف الأغنياء عن طريق السماسرة والوسطاء…3لا يقدم الفيلم الشخوص بطريقة كاريكاتورية (باستثناء زوجة الوزير المتقاعد ‘أمينة رشيد’)، ولا يتفكه على عاهاتهم، بل يحاكم الأفعال، وينفذ إلى انتقاد البنية الاجتماعية التي يعيشون ضمنها، ويكشف كواليسها، والعلاقات التي تنسج في سياقاتها… على العموم، يقدم الفيلم خطابا يلتزم بقضايا الوطن الملحة، ويقترح قوالب سينمائية وجمالية متماسكة، وبذلك يكون المخرج منسجما مع آرائه عبر سعيه الدائم إلى استقلالية الرأي والإنتاج، والطموح إلى تثبيت ملامح سينما مغربية تطوق إلى التحرر، والتصالح مع الذات، دون التفريط في يقظة الحس النقدي الجاد، الهادف، غير المبتذل… رغم تكثيف الآلة النقدية إلا أن الفيلم لم يفرط في الجانب الجمالي الذي يسكن الإنسان المغربي عبر مختلف طبقاته سيما التشكلات الدنيا التي تعتني بتناسق البيوت، والحفاظ على أناقتها الداخلية، والعناية بالأصص.. الأمر الذي يعطي لأسلوب العيش، وفن الحياة، معنى عميقا يرتبط بمنظور الإنسان للوجود رغم حجم الضائقة الاقتصادية.. إنه صراع الجمال ضد القبح، وصراع الخير ضد الشر، وصراع الفقر ضد الاغتناء غير المشروع…’ ناقد من المغرب