قلعة دير كيفا سيدة المعالم الأثرية المتربعة بين تلال جبل عامل في جنوب لبنان، سليلة التاريخ الحافل بالتحديات، العاصية على الدهر، المتمردة على العوامل الطبيعية والاحتلال من المماليك وصولا إلى الاعتداءات الإسرائيلية التي دمرت معلمها وعبثت في هندستها وعمرانها منذ العام 1976 حتى العام 2006 حين دكت حصونها بالمدفعية وبصواريخ الطائرات الثقيلة. إلا أن هذه القلعة ظلت تحتضن تاريخا طويلا من التراث المدفون بين التراب والحجارة والركام يحاكي أهمية وعظمة هذا المعلم الذي يرى فيه الكثيرون ضرورة لإبقاء الذاكرة حية ولو عبر حجارة تحاكي قرونا من الزمن.
وقلعة دير كيفا هي إحدى القلاع الصليبية المبنية على بقايا قلعة فينيقية وتقع في شمال غرب بلدة دير كيفا قرب مدينة صور اللبنانية. ويطلق عليها تاريخيا اسم قلعة مارون، القائد الصليبي الفرنسي الذي جدّد بناءها.
وللقلعة سبعة أبراج دائرية ضخمة، وقد إنهارت بعض أجزائها بفعل الزمن.
بنيت قلعة دير كيفا على تلة جبلية، من قبل آرام بن يعقوب، تجاورها السهول الزراعية، وكانت القلعة تجارية أكثر منها سكنية كما تقول وثائق المكتبة الوطنية للبحوث والإنماء في بيروت، التي تشير إلى أن القلعة أعيد ترميمها وبناءها خلال حكم الصليبيين، وتطل على قلاع الشقيف يارون وتبنين، ونشأت بينهم علاقة تجارية وعسكرية.
12 برجا
تتألف قلعة دير كيفا من ثلاث طبقات وتمتد على مساحة عشرين ألف متر مربع، فيها أربعة ينابيع، و12 برجا بعضها دائري آرامي كنعاني وبعضها مربعة صليبية، وبداخلها صالات رياضية وأخرى للاجتماعات وتحوي قصر الملك ناحية الغرب وأقبية تأخذ الشكل المربع، وتزاوج بين حضارة الكنعانيين والآراميين والبيزنيطين، ومكث فيها المسيح عليه السلام. وكانت بلدة دير كيفا تعتبر من القرى العشر التي أهداه أياهم حيرام ملك صور.
الوصول إلى قلعة دير كيفا أو كما يطلق عليها قلعة مارون أشبه بمغامرة ممتعة. طريق وعرة يتوجب تسلقها للجلوس في كنفها، ويتوجب توخي الحذر في رحلة اكتشاف قلعة جميلة، تظهر معالم قناطرها المتبقية روعة البناء الذي تصارعت عليه الحضارات. أسوار مهتزة منزوعة الشكل، مساحة شاسعة تقطعها ليطل ما تبقى من قناطر تزاوجت مع نبات الصبار، وتداخلت مع جدران المنازل. وأكثر ما يجلب الانتباه هي تلك الشجرات المزروعة في صالات الرياضة داخل القلعة، كما يلفت الباحث في الحضارات البيولوجية والجيولوجية والإثنولوجية موسى ياسين الذي أشار إلى أنه لم يعد المكان ذاك الذي كان قبل 2100 سنة. اختفت قاعات الرياضة الواسعة وضاعت القاعات الثقافية وانتفت الأسواق التجارية التي كانت تعج بالزوار الذين يأتون من مختلف القرى لبيع بضاعتهم من العنب والتين والنبيذ، وذهبت أدراج الرياح المدابغ ومصابغ الجلود حتى الأبراج الدائرية العالية قضمها الإهمال ويهددها بالانزلاق.
تحاكي طبقات القلعة الثلاث حضارات تعاقبت عليها، الطابق الأرضي يشير إلى صليبية طابعه، والانقاض التي في أسفله إلى الحقبة الفينيقية. الطابق العلوي حديث العهد جدّد بناءه الشيخ النصار، ويتوزع بين أقبية وآبار وبيوت حجرية، إنهار معظمها، وطمر بعضها. ويحوطها سور منيع بارتفاع ستة أمتار وعرض مترين، وينتصب عند كل زاوية من زواياه السبع، برج مستدير يبلغ قطره ثمانية أمتار، أو أكثر، في داخله قبو يستخدم مهجعاً للحراس، فضلاً عن الأقبية التي استُعملت كسجون لعقود خلت. وهنا يشير ياسين إلى أنه هناك صلة ما بين القلعة ومغارة النفاخية المكتشفة حديثا التي تبعد عن القلعة بضع مئات من الأمتار ويرجح وجود نفق بين الأثنين ويعيد الامر إلى الحمض الكبريتي الذي عثر عليه داخل المغارة.
أقبية وخانات مدمرة
وتبلغ مساحة القلعة 17 ألف متر مربع وتتألف من ثلاثة طوابق، تحتوي على العديد من الأقبية والخانات المدمرة والغرف وبيوت حجرية متعددة وإسطبلات الخيول والسجون والملاعب والباحات ومخازن القمح، ينتشر فيها 365 بئرا لتجميع المياه، وكان فيها 4 ينابيع قد جفت منذ سنوات.
يبلغ ارتفاع سورها من 6 إلى 12 مترا بعرض مترين، لها سبع زوايا على كل منها برج مراقبة نصف دائري بقطر 8 أمتار يستعمل للحراسة والقنص والدفاع. ترتفع عن سطح البحر 400 م. وتطل على العديد من البلدات: من الشرق جبل مارون وبلدة برج قلاوية، من الجنوب بلدة دير كيفا، من الشمال صريفا والنفاخية ومن الغرب الأودية حتى البحر.
يقوم البارز من قلعة دير كيفا على سلف فينيقي سقط حصنه بيد الصليبيين عام 1124م. وقد منحها موقعها على تل مرتفع يتوسط جيرة من الأودية، والسور الضخم الذي يلفها مع الأبراج العالية، منعة أمام كل الغزاة، فاستحالت عليهم، حتى سقطت بيد المماليك بقيادة السلطان قلاوون، الذي حاصرها سبعة أيام واستولى عليها وهدمها عام 1289م حتى لا تتحصن فيها فلول الصليبيين.
وظلت القلعة على حالها حتى سنة 1761م عندما جدّد بناءها الشيخ عباس محمد النصار الوائلي، حاكم صور ومنطقتها إبان الحكم العثماني (1750م). إذ ولّى عليها أخاه الشيخ حمزة الذي جعلها ثكنة له ومسكناً لعائلته. ثم أهلها الشيخ عباس الوائلي وتوارثها أبناؤه وأحفاده، منهم الشيخ كايد بندر والشيخ عبد الله والشيخ رضا الركيني وولده الشيخ حيدر.
معالم قلعة دير كيفا وتاريخها تؤكد عظمتها وقيمتها التي تتحدى كل العوامل الطبيعية والعدوانية والإهمال والتقصير حيث لم يبق من غرفها المتناسقة الانحناء إلا ما ندر في القسم الشرقي والشمالي. وتنتصب ثلاثة أبراج متشابهة الارتفاع متناسقة التوزيع تفصل بينها جدران تتوازى معها في الارتفاع والشكل. ورغم الأعشاب والدمار، تلاحظ القاعات الهندسية في وسطها الحصن. ويرتفع بين البرجين الشمالي والجنوبي جدار شاهق يلتقي وسطه في زاوية أكثر ارتفاعا. وبين هذه القاعات أقبية القسم الغربي وهي واسعة منحنية السقوف مرتفعة الجدران متصلة بعضها البعض، غطى الردم أجزاء منها وتطل نوافذها التي اعدت للحراسة والمراقبة على الطرق المحيطة بها غربا وصولا إلى البحر. وفي العديد من الغرف، تطل من كوة سقف علك تهتدي إلى مدخلها ولا تستطيع. بعدها تضيع في أرجاء القلعة لاتساعها وكثرة الممرات والغرف التحتية والفوقية والجدران والعقود، إضافة إلى بئر هنا وآخر وثالث، مما يؤكد الرواية التي تتحدث عن 365 بئرا، بالإضافة إلى فتحات السجون التي تتشابه مع الآبار وتنتشر على مدى المساحة الواسعة للقلعة والإسطبلات وغيرها. وفي أرجائها تنتشر عتبات أبواب ونوافذ بعضها مستقيم، وأخرى من أقواس أو قناطر لا تزال تحمل في خبايا حجارتها رشاقة قديمة.
مبادرة محلية لترميم القلعة
ويؤكد رئيس بلدية دير كيفا، حسن زيتون أن ترميم القلعة وتأهيلها يحتاج إلى مبالغ مرتفعة، نظرا لامتدادها الجغرافي والعمراني الواسع ولسوء حالتها الهندسية وتصدع أبنيتها وكثرة تراكم الردم وحجمه الكبير.
لافتا إلى أن البلدية طالبت وزارة الثقافة اللبنانية أكثر من مرة الاهتمام بالقلعة كمعلم سياحي وتاريخي وتراثي و»إلى اليوم لم نجد أي تجاوب أو اهتمام بحجة أن الظروف المالية والاقتصادية التي يمر بها لبنان لا تسمح بترميم القلعة وأن الأموال غير متوفرة». وشدد على أن البلدية أطلقت مبادرة محلية لترميم وتأهيل القلعة من موازنتها، وتم إعادة بناء السور الجنوبي الذي يبلغ طوله ستين مترا بارتفاع ستة أمتار مستخدمين نفس الأحجار. كذلك تم ترميم برجين مربوطين بالسور بمواصفات معمارية وهندسية تحاكي باقي أقسام القلعة وذلك بتمويل من صندوق البلدية بالرغم من الكلفة العالية. كما وقامت البلدية ببناء ممرات داخلية في القلعة وتلقت تمويلا ودعما من اتحاد بلديات قضاء صور عبر جمعية TNT مشروع التشبيك المناطقي لتعزيز السياحة المستدامة في دول حوض المتوسط، الممول من الاتحاد الأوروبي لتنفيذ مشروع بناء ممرات حجرية وخشبية وحواجز حماية داخل القلعة وعلى أطراف المناطق العالية فيها، من أجل تأمين سلامة الزائرين لها نظرا لوجود آبار كثيرة في باحاتها، إضافة إلى بناء بوابة للمدخل الرئيسي من الخشب القديم تتناسب والشكل التاريخي للقلعة. كما قدم مجلس الجنوب اللبناني مشروع إنارتها في العام 2015.
وأوضح الأستاذ الجامعي الدكتور وليد حجازي من أبناء بلدة دير كيفا لـ»القدس العربي» أنه بعد الترميم الجزئي والبسيط وإنارة الأسوار ومداخل القلعة، وفد إليها العديد من الجمعيات الأهلية والتربوية وبالأخص طلاب من مدارس النبطية وصيدا وبيروت، وعدد من ضباط وجنود «اليونيفل» من الكتيبة الفرنسية والإيطالية والفنلندية ولم يخفوا إعجابهم باتساعها وكبر مساحتها وأسفهم على إهمالها وعلى ما آلت اليه.
وأضاف: «في العام 2007 عندما ضربت الهزات المتكررة البلدات القريبة من دير كيفا، تأثرت جدران القلعة وتشققت وتصدعت فزارها لهذا السبب وللمعاينة وفد من الهيئة العليا للإغاثة برفقة محافظ جنوب لبنان وفعاليات ومؤسسات معنية، وأطلقوا الوعود بالترميم. وفي السنوات الماضية قمنا بحمايتها من الباحثين والمنقبين والمعتدين ولصوص الآثار، ومنع تشييد أي بناء بالقرب منها يرتفع ويغطي وجهتها».
وناشد السلطات والدوائر المعنية في الدولة اللبنانية الإسراع بترميم القلعة إسوة بباقي القلاع والحصون والمعالم الأثرية لحفظها وبقائها وديمومتها وازدهار المنطقة.
وقال: «تعتبر قلعة دير كيفا من أقدم قلاع لبنان وأكبرها مساحة في جنوب البلاد، رفع أعمدتها وأنقاضها الصليبيون وجعلوها نقطة حماية عسكرية لمدينة القدس في فلسطين التي تبعد عنها عشرات الكيلومترات. وخلال الحروب دمرت أقسام كبيرة منها، وأعاد ترميمها القائد الصليبي الفرنسي ميرون وسماها باسمه. وبعد سنين سقطت بيد السلطان المملوكي قلاوون وهدمها عام 1289 ميلادي كي لا تحتمي فيها الفلول الصليبية. بعدها جدد بناءها الشيخ عباس محمد النصار الوائلي ابان الحكم العثماني عام 1761 وجعلها ثكنة عسكرية ومسكنا لعائلته وتوارثها ابناؤه وصولا إلى الشيخ كايد بدر».
قلعة دير كيفا الآرامية الكنعانية، التي عصت على الجيوش الصليبية والمماليك والبيزنطين، تستريح اليوم من طنين الأمس، وعجقة الذكريات، لتحكي قصتها مع التاريخ الذي يحاول أن يغازل المكان الأثري.