لندن – «القدس العربي»: مر خبر إقالة جوزيه مورينيو من تدريب توتنهام، مرور الكرام سواء في وسائل الإعلام العالمية أو عالم «السوشيال ميديا»، ليس فقط لانشغال الجميع بمحاولة الانقلاب الفاشلة على الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، بل أيضا لانتهاء عصره الذهبي وأيامه الخوالي كمدرب، نتيجة تدهور أوضاعه في السنوات القليلة الماضية، من ذاك «السببيشال وان»، الذي كانت تسبقه نجاحاته في أي مكان، وتفرد له وسائل الإعلام الصفحات للحديث عنه، إلى مدرب تجاوزه الزمن، لإصراره على نهجه وأفكاره القديمة، التي لم تعد مناسبة لجيل «آيفون».
كلاكيت ثالث مرة
تشبث المدرب البرتغالي بمكانه ضمن فئة النخبة في أوروبا على مدار 10 سنوات، حقق خلالها نجاحات مدوية، أبرزها معجزة الفوز بدوري أبطال أوروبا مع بورتو عام 2004، وأيضا ثلاثيته التاريخية مع الإنتر عام 2010، بخلاف ألقابه المحلية في إنكلترا وإسبانيا مع تشلسي وريال مدريد، لكن سرعان ما تبدلت أوضاعه في نهاية ولايته الثانية مع البلوز، تحديدا في موسمه الثالث 2015-2016، الذي استهله بنتائج كارثية، وصلت لحد الاكتفاء بأربعة انتصارات في أول 16 مباراة، الأمر الذي أجبر النادي اللندني على إقالته، منها لإنقاذ موسم الفريق قبل فوات الأوان، ومنها لإطفاء نار الفتنة المشتعلة داخل غرفة خلع الملابس، بعدما فقط السيطرة على غرفة خلع الملابس، لكثرة مشاكله وصدماته مع اللاعبين، قبل حتى أزمته الشهيرة مع الطبيبة إيفا كارنيرو.
وتكررت نفس المأساة في تجربته مع مانشستر يونايتد، التي حاول خلالها تصحيح صورته البائسة مع أسود غرب لندن، ورغم البداية الجيدة نوعا ما، بالفوز باليوربا ليغ وكأس الرابطة في الموسم الأول، إلا أنه لم يترك أي بصمة حقيقية على مدار عامين ونصف العام، ليواجه نفس مصيره مع تشلسي، بالإقالة من منصبه قبيل أيام من عيد ميلاد 2018، وأيضا لسوء النتائج وفشل نظرية «العالم ضدنا»، التي كانت تؤتي ثمارها في الماضي مع نجوم الزمن الجميل، الذين كانوا على أتم الاستعداد للتضحية بحياتهم دفاعا عن مورينيو، كما قال أيقونة دفاع الإنتر وإيطاليا ماركو ماتيراتزي، والعكس تماما مع نجوم وعقليات الجيل الحالي، والدليل خلافاته الحادة مع عدة لاعبين، منهم بول بوغبا ولوك شو وأنتوني مارسيال وماركوس راشفورد، والتي كانت سببا في انتهاء رحلته مع الشياطين الحمر. مع ذلك، قامر رئيس توتنهام دانيال ليفي، بإسناد المهمة لمدرب تطغى عليه مؤشرات الدخول في سن اليأس التدريبي، آملا في تحقيق ما عجز ماوريسيو بوتشيتينو عنه، بإعادة سبيرز إلى مناص التتويج للمرة الأولى منذ 2008، لكن كما توقع العديد من النقاد والمتابعين، لم تسر الأمور كما خطط لها ليفي، ليضطر في النهاية لإقالة المدرب بعد 17 شهرا من تعيينه، فيما تعتبر أقصر وأفشل تجربة لجوزيه في مسيرته خارج وطنه، تأكيدا أنه فقد الكثير من مقاومات العمل في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، على الأقل في الوقت الراهن.
أسباب الطرد
بالنظر إلى الأسباب التي عجلت بانتهاء رحلة مورينيو في الجزء الأبيض لشمال لندن، سنلاحظ أنها لا تختلف كثيرا عن أسباب خروجه من الحي الغربي الراقي ولا من مانشستر، أبرزها علاقته السيئة باللاعبين، وهذا تجلى في تصريحاته العدائية ضدهم، على غرار تلميحاته حول وجود مؤامرة بعد الإذلال الكبير أمام دينامو زغرب في اليوروبا ليغ، وآنذاك قال جملته الشهيرة: «لم نقدم حتى أساسيات الحياة»، وتبعها بكلماته القاسية بعد السقوط أمام اليونايتد بالثلاثة في الجولة الـ31، تلك المباراة التي خرج منها مورينيو برقم للنسيان، بالتجرع من مرارة الهزيمة العاشرة على مستوى البريميرليغ، وهو أمر لم يحدث معه طوال مشواره التدريبي، وفي نفس الوقت، يوضح أن سلسلة النتائج والعروض المخيبة للآمال، التي انتهت بالحصول على نقطتين فقط من ثلاث مباريات خاضها الفريق بعد عودة اللاعبين من عطلة مارس/آذار الدولية، كانت واحدة من الأسباب التي قضت على مشوار أفضل مدرب في العالم سابقا، مع السبيرز، فضلا عن كارثة الهبوط الحاد في إحصائياته وبياناته على صعيد البريميرليغ، منها مثلا تراجع نسبة الفوز لـ46.6٪ فقط من مبارياته مع الأبيض اللندني، مستمرا في نسف تاريخه الذي كان يتفاخر به قبل بداية الانتكاسة في موسم 2015-2016، بهبوط نسبة انتصاراته في الدوري الأكثر شهرة في العالم إلى 48.5٪ منذ ذاك الحين، مقابل 69.4٪ قبلها، ونفس الأمر ينطبق على معدل تسجيل الأهداف واستقبالها مع تشلسي ومانشستر يونايتد وتوتنهام، بمتوسط 1.6 هدف في كل مباراة، بينما في السابق كان معدل أهدافه مع فرقه 1.8 هدفا في كل مباراة، حتى الدفاع الذي كان يمثل مصدر قوته بما يعرف أسلوب «ركن الحافلة»، تحول إلى نقطة ضعف، باستباحة شباكه بمعدل 1.1 هدف كل 90 دقيقة، مقابل 0.6 هدف في نفس المدة في الماضي.
ضحية التطور
صحيح حقق مورينيو جزءاً كبيراً من المطلوب منه في موسمه الأول، بانتشال الفريق من براثن الضياع، بعد الوصول إلى قاع الحضيض الكروي في أواخر حقبة البوش، وفعل ذلك بإعادة الديوك إلى المنافسة والحصول على مركز مؤهل للدوري الأوروبي، بعدما كان الفريق ينافس على مراكز الهبوط قبل تسلمه المهمة، لكن ما أخذ عليه، عودته إلى المربع صفر، بتقديم نفس المحتوى الخادع مع فرقه السابقة بعد ريال مدريد، حيث كرة القدم المتأخرة بعقود عن فلسفة يورغن كلوب وبيب غوارديولا وعباقرة الكرة الحديثة، مطوعا أفكاره لتعطيل مفاتيح لعب المنافسين، بدلا من البحث عن أفكار جديدة خارج الصندوق، أو تطوير أسلحته الفتاكة لإظهار جودة مشروعه، وهذا في حد ذاته، كان يمثل صداعا للأغلبية الكاسحة للمشجعين، الذين يتطلعون لرؤية فريقهم على نفس مستوى مانشستر سيتي بيب غوارديولا وتشلسي توماس توخيل وليفربول في أوج لحظات يورغن كلوب، وليس ذاك الفريق الذي يؤدي بشكل جيد في مباراة، وفي الأخرى يحدث العكس.
ولا ننسى مشكلته التي لازمته منذ اختباره الأول في دربي وستهام، وتكمن في إدمان لعنة استقبال الأهداف في الدقائق الأخيرة، التي كلفته ضياع 11 نقطة، كأقوى مؤشر على ضعف القوة الذهنية لغرفة خلع الملابس، وبدلا من مساعدة اللاعبين بأفكاره الفنية ولمساته التكتيكية داخل الملعب، ألقى باللوم عليهم وعلى وكلاء اللاعبين، معتقدا أن أسلوب «قصف الجبهات» في المؤتمرات الصحافية، سيساعده ولو على الإبقاء على الفجوة الزمنية الهائلة بينه وبين نظرائه في الخمسة الكبار، لكن التجارب أثبتت أن وجود هذا الكم الهائل من صفوة مدربي العالم في الدوري الإنكليزي الممتاز من نوعية كلوب وغوارديولا وكارلو أنشيلوتي وتوماس توخيل وبريندان رودجرز وقبلهم أنطونيو كونتي وماوريتسيو ساري وغيرهم، جعله يقع فريسة لحرب تطوير الأفكار والخطط بينهم، وما عجل بسقوطه إصراره على الوقوف «محلك سر»، بتمسكه بأفكاره البرغماتية القديمة وأسلوبه الحاد مع اللاعبين، ودروس أخرى من الماضي لم يستفد منها المدرب الكبير، ليستفيق على كابوس الإقالة الثالثة في غضون 6 سنوات، وذلك قبل أسبوع من الفرصة التي كان ينتظرها بفارغ الصبر اليوم الأحد، بمواجهة مانشستر سيتي في نهائي كأس الرابطة.
ماذا بعد؟
بعيدا عما قاله مورينيو في كلماته الأولى بعد الإقالة، حول استعداده للعودة إلى حقل التدريب في أسرع وقت ممكن، فالواقع وما وصل إليه في السنوات الماضية، لا يعطي مؤشرات أنه سيعود بالطريقة والصورة التي يريدها لنفسه، كمسؤول عن مشروع لأحد الأندية الكبرى في الدوري الإنكليزي الممتاز أو بدرجة أقل في إيطاليا وإسبانيا، لصعوبة حصوله على ثقة أحد الرؤساء الكبار، بعد تدهور سمعته، بتحوله من المدرب الملقب بـ»صائد الألقاب» إلى «صائد الملايين»، بعد ارتفاع ثروته من الفشل والإقالات فقط في مسيرته إلى حوالي 100 مليون يورو، وهي ثروة تكفي لتأمين رغد العيش ورفاهية الحياة في ما تبقى من عمره، إلا إذا كان في خططه الصمود في عالم التدريب، هنا سيتعين عليه قبول أخذ خطوة إلى الوراء، بالموافقة على مشروع أقل ضغطا في العمل من توتنهام، أو تكرار تجربة الديوك في جنة كرة القدم أو الليغا، مع أحد منافسي الإنتر وريال مدريد، أو يأخذ استراحة المحارب بالتوجه إلى تدريب المنتخبات، ولو أنها ستكون مشقة صعبة له، لتزايد فرص دخوله في صدمات عنيفة مع نجوم المنتخبات، سواء الذين سيعول عليهم أو ضحاياه في المعسكرات، بعد معاناته في التواصل مع عقلية النجوم الشباب. أما المفاجأة، ستكون تحوله إلى الليغ1 أو البوندسليغا مع منافسين لبايرن ميونيخ أو باريس سان جيرمان، وبطبيعة الحال، إذا تأخرت عودته كما حدث معه بعد رحيله عن مانشستر يونايتد، سيطل علينا عبر الشاشات، كمحلل «سوبر» عبر «بي إن» أو إحدى الشبكات الناقلة لليورو والدوريات الكبرى والأبطال، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن مورينيو سيتقمص دور «مستر إكس» ويعود مع أحد الكبار في المستقبل القريب؟ أم انتهت أسطورته في هذا المستوى؟