ملاحقة الفاسدين في العراق ردع قانوني أم صراع سياسي؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

عجز الحكومة عن ملاحقة مسؤولين مرتبطين بأحزاب سياسية لديها فصائل مسلحة، يجعل تطبيق قرارات ملاحقة الفاسدين انتقائية ومحدودة ولا تشمل كبار المتورطين.

بغداد-»القدس العربي»: يتواصل صراع شرس في العراق، بين مافيات الفساد المدعومة ببعض أحزاب السلطة والميليشيات، وبين القضاء المسنود شعبيا، في مسعاه للحد من نهب المال العام الذي وصل إلى مستويات قياسية عالمية غير مسبوقة في وقت يعيش ثلث الشعب في فقر وأزمات طاحنة مزمنة جراء تفشي الفساد وسوء الإدارة التي أوصلت البلد إلى حافية الانهيار الشامل رغم الامكانيات الهائلة فيه.
وفي مؤشر لحجم الفساد في العراق، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية (الحكومية) في العراق، عن إجراءاتها الأخيرة لمكافحة الفساد، عبر إصدار مذكرات القاء القبض وتحقيق مع مسؤولين حاليين وسابقين متورطين بقضايا الفساد ونهب المال العام. وكشفت الهيئة عن أوامر القبض والاستقدام الصادرة بحقّ المسؤولين خلال شهر آذار/مارس الماضي، مبينة أنها جاءت على خلفية قضايا وملفات حققت فيها وأحالتها إلى القضاء، وبضمنها صدور 58 أمر قبض واستقدام بحق مسؤولين، بينهم نواب ووزراء ومسؤولون حكوميون حاليون وسابقون. وكانت الهيئة أعلنت في تقريرها السنوي لعام 2020، إصدار 82 أمر استقدام وقبض بحق وزراء ومن بدرجتهم، فيما كان عدد أوامر القبض والاستقدام الصادرة بحق المديرين العامين والدرجات الخاصة 133 أمرا. وإذا كانت أرقام القضايا كبيرة، إلا ان المؤسف ان أغلبها لم ينفذ، لتمتع الفاسدين بغطاء سياسي، وسط مخاوف من ان يكون المستهدفون على حساب مكون معين دون التقرب من حيتان الفساد القوية في الجانب الآخر.
وبالتزامن مع إعلان فعاليات هيئة النزاهة، قامت اللجنة العليا للفساد التي شكلها رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، بالقاء القبض على بعض السياسيين والمسؤولين، بسبب قضايا فساد، وآخرهم السياسي جمال الكربولي رئيس حركة «الحل» التي تمتلك 12 نائبا في البرلمان، وهو سياسي سني لديه مشاريع اقتصادية وإعلامية واسعة وتلاحقه اتهامات بالفساد واستغلال الوزارات التي يديرها مسؤولون تابعون للحركة. وسط تسريبات عن وساطات من قبل شخصيات سياسية متنفذة، بما فيها أطراف شيعية، ودفع رشى بملايين الدولارات، لمحاولة إلغاء القبض عليه وغلق القضية، كما حصل مع عشرات القضايا المشابهة.
وقضية الكربولي تستحق الوقوف عندها، إذ انه نموذج لمعظم ساسة عراق ما بعد 2003 فهو معروف بقدرته على اللعب على كل الحبال للوصول إلى أهدافه المالية. وهو يعقد التحالفات مع جميع القوى الشيعية والسنية والكردية من أجل مصلحته، كما يجيد استخدام المال السياسي للحفاظ على دور مؤثر في السلطة من خلال التحدث عن مظلومية السنة، فيما يوجه النواب والوزراء في حركته لخدمة مصالحه. وقد أكد النائب صالح المطلك في لقاء تلفزيوني «ان جمال الكربولي وعائلته هربوا نحو 800 مليون دولار إلى الخارج» علما بانه كان قبل 2003 مجرد موظف في جمعية الهلال الأحمر العراقية.
ولأن العراق يصنف سنويا في مقدمة دول العالم في تفشي الفساد حسب منظمة الشفافية الدولية، حيث قدرت المصادر الحكومية حجم المبالغ المهدورة منذ 2003 بنحو 360 مليار دولار، فإن ملف مكافحة الفساد في مقدمة مطالب انتفاضة تشرين الأول /اكتوبر، ولذا تعهد الكاظمي في برنامج حكومته، بفتح هذا الملف بجدية، حيث شكل لجنة عليا لمكافحة الفساد برئاسة الفريق أحمد أبو رغيف، لمتابعة ملفات الفساد وملاحقة المتورطين فيها، وتنفيذ أوامر القبض القانونية الصادرة من القضاء، حيث قامت اللجنة بالقاء القبض على بعض المسؤولين المتورطين في قضايا نهب المال العام، ومنهم مدير هيئة التقاعد ومدير شركة كي كارد للرواتب، ومسؤولين آخرين.
وفي هذا السياق، تحدث بعض النواب، بان القضاء أرسل إلى البرلمان قائمة باسماء نواب لرفع الحصانة عنهم بعد صدور مذكرات اعتقال ضدهم، إلا ان البرلمان عجز عن عقد جلسة لأن العديد من الكتل النيابية وجهت نوابها بعدم حضور الجلسات لافشال رفع الحصانة عن بعض نوابها المتورطين. علما إن مجلس النواب منح رئاسة البرلمان في وقت سابق، صلاحية البت في طلب القضاء استقدام أي نائب لغرض التحقيق بشأن قضايا الفساد، ولكن في فترة العطلة التشريعية فقط. لذا قد ينتظر رئيس البرلمان محمد الحلبوسي العطلة المقبلة لرفع الحصانة عن بعض النواب، للتخلص من منافسيه من القيادات السنية قبل الانتخابات المقبلة، إضافة إلى تعزيز طموحاته بمنصب رئيس الجمهورية بالتنسيق مع القيادات الكردية والشيعية.
والحقيقة ان عمل لجنة الفساد ليس يسيرا، خاصة وانه يصطدم بمافيات فساد مدعومة من أحزاب متنفذة في السلطة وميليشيات مسلحة منفلتة، تتحدى سلطة الدولة، كما رأيناه مؤخرا في خروج مسيرة مسلحة لميليشيا «ربع الله» في بغداد وتهديدهم للكاظمي وابو رغيف، بعد إلقاء القبض على أحد عناصرها، وكذلك الحكم الذي صدر قبل أيام على قيادي في التيار الصدري بالسجن سنة مع وقف التنفيذ رغم ادانته بقضايا فساد والاستيلاء على عقارات واستغلال المنصب، إضافة إلى ضغوط الأحزاب على أعضاء لجنة الفساد ومطالبة بعض النواب بحلها، بحجة سوء تعاملها مع الفاسدين المعتقلين.
ومع ان القرارات الحكومية الأخيرة بملاحقة بعض الفاسدين تبعث أملا ضئيلا بامكانية إصلاح الأوضاع وردع الفاسدين، إلا ان عجز الحكومة عن ملاحقة مسؤولين مرتبطين بأحزاب سياسية لديها فصائل مسلحة، يجعل تطبيق قرارات ملاحقة الفاسدين انتقائية ومحدودة ولا تشمل كبار المتورطين. ومن جانب آخر، لا يمكن عزل حملة مكافحة الفساد، عن معركة الانتخابات القريبة والصراع بين القوى السياسية على كسب الشارع، خاصة وان استخدام القضاء من بعض القوى لاستهداف الخصوم والتسقيط السياسي هو سياق متواصل في عراق ما بعد 2003 وبالتالي فإن الأيام المقبلة ستحكم على مدى جدية وقدرة الحكومة على فتح ملفات فساد الحيتان الكبيرة بغض النظر عن انتماءاتهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية