معارك مأرب: الاحتمالات والآثار المتوقعة على مسار الحل

ياسين التميمي
حجم الخط
0

توصف المعارك الدائرة في محيط مدينة مأرب اليمنية بأنها الأقوى والأشرس والأكثر استنزافاً للقوى المتصارعة، ونطاق المواجهة العسكرية الوحيد الذي شهد تصفيراً حقيقياً للحسابات الجانبية، ليبرز الإصرار منقطع النظير من جانب الطرفين المنخرطين في الحرب، على عدم السماح للطرف الآخر بالانتصار.
الحقيقة المرة التي تغلف معارك مأرب تشير إلى أنها واحدة من أبشع معارك الاستنزاف في تاريخ الحروب، حيث ابتلعت منذ تصاعدت وتيرتها في أوائل شهر شباط/ فبراير آلاف القتلى من الجانبين، والاستنزاف هو هدف لطالما سعى المتدخلون الإقليميون إلى حدوثه منذ اللحظة التي قرروا فيها دعم ثورة مضادة للنظام الانتقالي بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي في صنعاء، وهي الثورة التي أنجزت بتغطية من الرئيس هادي نفسه.

مغزى الموت الجماعي على أسوار مأرب

طيلة المعارك العنيفة التي بدأت بشكل كثيف من أوائل شهر شباط/ فبراير الماضي، استخدم ويستخدم الحوثيون أنساقاً متعددة من المهاجمين قليلي الخبرة ومعظمهم من الأطفال ضمن تكتيك مستخدم في حروب الحرس الثوري ضد العراق، ويستهدف إنهاك القوات الحكومية المدافعة عن مدينة مأرب ورديفها القبلي، قبل أن يلجأ الحوثيون للزج بأنساق تالية من المقاتلين المحترفين.
غير أن النتيجة حتى الآن كانت مخيبة لآمال الحوثيين الذين سابقوا الزمن لفرض وقائع جديدة تعيد توجيه جهود الإدارة الأمريكية الجديدة، ومبعوثها إلى اليمن تيموثي ليندركينغ لصالح مشروعهم، حتى ان بعض المطلعين على محادثات المبعوث الأمريكي مع ممثلين عن الحوثيين في مسقط، أفاد بأن الحوثيين أبلغوا المبعوث بأن عليه أن يتصرف على أساس أن مأرب باتت بحوزتهم.
لا شيء يبرر سقوط الآلاف من القتلى في المعارك الدائرة على أسوار مأرب سوى إصرار الحوثيين على حيازة هذه الجوهرة الثمينة التي يريدون إضافتها إلى تاج ملكهم في المناطق الأكثر كثافة سكانية، الواقعة في الشمال الغربي من اليمن، إذ أن حيازتها ستضع أيديهم على أهم منابع النفط والغاز الطبيعي على مستوى اليمن، وستسهل كثيراً من مهمة تقدمهم باتجاه بحر العرب عبر محافظة شبوة.
التضحيات التي يقدمها الجيش الوطني التابع للحكومة، كبيرة، وعلى الرغم من أنها تظل أقل مقارنة بالخسائر التي يتكبدها الحوثيون إلا أن قتلى القوات الحكومية، هم من وحدات عسكرية وأمنية مدربة ومؤهلة، فيما تتشكل القوى القبلية المساندة لهذا الجيش من شيوخ وشباب يمثلون مكانة مهمة في المنظومة القبلية لمحافظة مأرب، على نحو يجعل الخسائر من الطرف الحكومي أكثر وطأة.
لقد كشفت المعارك الحاسمة التي خاضتها القوات الحكومية في محيط مأرب عن شراسة قل نظيرها في المعارك الدائرة في اليمن منذ نحو ستة أعوام، حيث التهمت العشرات من أهم وأبرز القيادات العسكرية والأمنية، مع احتمالات بأن تكون هذه القيادات، التي تميزت بكفاءتها، وشجاعتها قد ذهبت ضحية مؤامرات جعلتها تبدو صيداً سهلاً في تلك المعارك على شراستها وعنفوانها.
ورغم التضحيات الهائلة التي تقدمها القوات الحكومية، فإن السلطة الشرعية مع ذلك، لا تبرز في هذه المعركة إلا عبر شخوص، لكل واحد منهم ثأره الخاص مع جماعة الحوثي الانقلابية، بدءا من وزير الدفاع الفريق محمد علي المقدشي، ورئيس هيئة الأركان الفريق صغير عزيز، وانتهاء بأصغر مستوى قيادي في الجيش والقوات الأمنية.
ومن المؤسف أن التزام هذه السلطة بدعم المعركة يظل أقل بكثير من المستوى المتوقع، في وقت حشدت فيه الجماعة الحوثية كل إمكانيات الدولة اليمنية من أسلحة ثقيلة بما في ذلك الدبابات تي 72 وهي أحدث طراز وقع في أيدي الجيش اليمني في عهد النظام السابق، ومدافع الهاوزر وقاذفات الصواريخ ومنصات الكاتيوشا ومدافع الهاون والصواريخ الحرارية بالإضافة إلى سلاح القناصة.

الاستنزاف أم الحسم؟

وينخرط سلاح الجو السعودي بقوة في هذه المعارك مقلصاً إلى حد كبير الفارق النوعي بين إمكانيات الحوثيين العسكرية الكبيرة وبين الإمكانيات الأقل للجيش الوطني التابع للسلطة الشرعية المعترف بها دولياً. فالجيش الوطني لا يزال يشكو من قلة ذات اليد على مستوى الإمدادات والتسليح والمرتبات التي لم تصرف للجنود من نحو عشرة أشهر، إذ لا يعقل أن تصل المعركة إلى هذا المستوى من الخطورة مهددة واحدة من أهم التجمعات السكانية في البلاد، وأعني بها مدينة مأرب، التي تأوي أكثر من مليوني إنسان غالبيتهم العظمى من اللاجئين الذين هربوا من جحيم الحرب أو لاذوا بكرامتهم وقرروا مواجهة الانقلابيين الحوثيين انطلاقاً من هذه المدينة مما يعني أن أي تطور سلبي للمعارك في محيط مأرب لصالح الحوثيين سيحول هذه العدد الكبير إلى أكبر موجة نزوح تشهدها اليمن في تاريخها.
وفي تصوري ان السعودية تواجه تحدي المعركة الموازية التي يخوضها الحوثيون عبر الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية التي تصلهم عبر دول وطرق ومسالك متعددة، من خلال هجمات تستهدف العمق السعودي وتطال منشآت حيوية في وسط المملكة وشرقها وغربها، وبعض هذه الهجمات وخصوصاً التي طالت المنطقة الشرقية من المملكة ربما نفذت بواسطة أطراف تابعة لإيران أو حتى بواسطة الحرس الثوري رغم تبني الحوثيين لتلك الهجمات، وهي احتمالات باتت بحكم الأمر الواقع طبقاً لتقارير أعدها فريق تحقيق تابع للأمم المتحدة وقف على الهجمات التي طالت منشآت بقيق وبحيص النفطيتين السعوديتين العملاقتين.
أما لماذا تدور المعارك اليوم على مشارف مأرب خصوصاً من الناحية الشمالية والغربية، فلأن القوات الحكومية كانت قد اتخذت قراراً بتعزيز دفاعاتها في محيط المدينة وبعمق لا يقل عن عشرة كيلوا مترات، لتبقى المساحة المفتوحة الممتدة بين مأرب ومحافظتي الجوف وصنعاء مسرحاً مفتوحاً بعد أن وجد هذا الجيش نفسه، ووجد نفسه بلا إمدادات ولا أسلحة ولا أفق بينما كان قد وصل إلى مشارف العاصمة صنعاء.

الأفق السياسي للمعركة

حتى هذه اللحظة هناك مؤشرات قوية على أن القوات الحكومية تستعيد زمام المبادرة، بما يكفي لمنع مدينة مأرب من السقوط بيد الحوثيين، في حين لا يتوقف الحوثيون عن ممارسة ضغطهم العسكري الكبير على مدينة مأرب أملاً في حيازة ورقة تفاوضية مهمة، إذ ستقربهم أكثر من مطلب لا طالما تمسكوا به وهو التفاوض مباشرة مع المملكة العربية السعودية، وتهميش السلطة الشرعية التي ستكون قد فقدت عملياً حضورها الميداني في أهم معاقلها وهو مأرب، وهو أمر سيسهل على الأطراف الإقليمية والدولية التضحية بهذه الشرعية والشروع في بناء شرعية جديدة يتحكم بها الحوثيون ويوجهون دفتها.
لكن ذلك من شأنه أن يفقد التحالف ميزة التصرف في اليمن كقوة تساند الشرعية بناء على تفاهمات بين دول متكافئة من حيث السيادة، وهذا يعني انتفاء المبرر المنطقي للبقاء في الساحة اليمنية.
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل سيؤدي سقوط مأرب لا سمح الله، إلى إضعاف الموقف التفاوضي مع الحوثيين وإيران، وسيصبح اليمن حينها ورقة تأثير جيواستراتيجية قوية بيد إيران.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية