‘الظرف’ الإيراني.. جرأة سينمائية في عالم المثلية وتحدي السلطة

حجم الخط
0

دمشق من يوسف شيخو: بعد نحو ثلاث سنوات على عرض فيلم الرسوم المتحركة، الفرنسي- الإيراني (برسيبوليس)، الذي أثار جدلاً واسعاً، بداية في طهران، مروراً بلبنان، وصولاً إلى تونس. عرض، مؤخراً، فيلم إيراني، يحمل بين سطوره، موضوعات الكبت والتحرر؛ التي جعلت منه واحدا من أهم الأفلام المستقلة، والمثيرة للجدل لهذا العام. وبفضل الجرعة الزائدة من الجرأة، التي ساهمت في نجاحه، حصل العمل على جائزة الجمهور ضمن مهرجان (Sundance)، واختير للعرض في اختتام مهرجان نيويورك للأفلام الجديدة. كما حظي، آنذاك، بمديح النقاد، الذين وصفوه بواحد من أهم الأفلام، التي استطاعت الخوض في قضايا الممنوع لدى الجمهورية الإسلامية، كبلد أمني سياسياً، ومتشدد دينياً. فيلم ‘الظرف’ Circumstance، للمخرجة الأمريكية، الإيرانية الأصل مريم كيشافارز، يوثق لعلاقة مثليه بين فتاتين إيرانيتين في سن المراهقة، والتي جرت في خضم تعاطي المخدرات وزيارة الملاهي الليلية في طهران. ولتجاوز عقبة المكان، اختارت كيشافارز، لبنان كموقع لتصوير العمل، وحتى هناك، واجه القائمون على العمل بعض الصعوبات، التي ربما، وضعتها جهات لبنانية موالية لطهران. وما يلاحظ أن المخرجة الإيرانية، صانعة فيلمي ‘ليس للبيع’ و’يوم موتي’، حذرت بطلتي الفيلم نيكول بوشري ‘اتافي’ وسارة كازمي ‘شيرين’، بأنه من المرجح ألا يكونا قادرتين على العودة إلى إيران بعد إنهاء الفيلم. إن ما رصده فيلم (برسيبوليس)، من مداهمات للنوادي الليلية، السرية، في طهران، خلال السنوات الأولى في حكم الثورة الإسلامية، إلى جانب الرقابة الميدانية على السلوك المتجاوز للقواعد المرسومة من قبل السلطة الجديدة، لم يغب عن ‘الظرف’، الذي عالج القضية ذاتها بنكهة الراهن. فلا يمكن تصور المشهد في إحدى مراكز التحقيق الأمنية الإيرانية دون إهانة مقصودة. فالمراهقة شيرين، تنعت بالعاهرة من قبل المحققين، لأن والداها كتبا مقالات ضد الثورة. أما اتافي، وهي ابنة العائلة الإيرانية الثرية والمتحررة، فيتم فحصها للتأكد من عذريتها، التي كانت مفقودة لحظة الكشف، ما دفع شقيقها، الموالي لسلطة (الملالي) إلى إخفاء ما ترتب على المراهقتين، ليفوز بالأولى زوجة له. وهو ما يدفعنا إلى ملف الفساد، الذي ظهر، بشكل أوضح، في إحدى مؤسسات الطيران التي تحتاج موافقة الأب لمنح المراهقة جواز سفر، غير إن إحدى الصبيتين حصلت على الجواز لقاء مبلغ من شأنه تغييب القانون في الجمهورية. وفقاً لصناع الفيلم.

العمل بمجمله يصور أحلام جيل، لا يتردد في تحميل الآباء والأجداد مسؤولية ‘الظرف’ اللامنطقي الذي يعيشونه. أحلام مشوهة، تستدعي، بفعل الكبت المطبق عليهم، ظواهر غير سوية، فالحرية هي ارتداء الممنوع من الثياب، الرقص تحت تأثير المخدر في الملاهي الليلية، ممارسة الحب البهيمي، الرغبة في الجنس المثلي. ورغم ذلك تجد شقيق اتافي، الذي يَجبر نفسه على التدين، يعاني صراع المتناقضات في داخله؛ الذي يشي بمرض يطارده حتى في النوم، فها هو يستيقظ بشكل هستيري، بفعل ‘كابوس’، مفاده ‘ممارسة الجنس مع من يعشق’. في أحلام شخصيات العمل، يستطيع المرء فعل ما يعجز عنه في الواقع. ففي هذه اللحظة بمقدور شيرين أن تقول ‘سحقاً للملالي الذين عاثوا فساداً في البلاد’. وهو ما تحاول أتافي أن تفعله في الواقع. ومع ذلك، تجد صناع العمل، يحاولون منح المواطن الإيراني أملاً في بلوغ حريته مستقبلاً، فوالد اتافي متفائل بما سيأتي. إذ يخطر ابنته بأنه ‘يوماً ما سيكون بمقدورنا أن نسبح معاً’. وذلك ليزيل عنها مرارة اللحظة التي كانت تعيشها، وهي تعجز عن ارتداء ثوب السباحة على البحر، أسوة بالشباب.

رسائل الفيلم تشي بأمراض المجتمع الإيراني، تحت سطوة الرقيب السياسي، الملتحف بعباءة الدين، هناك تخبط في العلاقات، التي باتت تصنف الناس على شكل فرق، حتى داخل الأسرة الواحدة. الفيلم يقول بغياب الاعتدال، فلا تقبل لسلوك مخالف، فمن يصلي متخلف في نظر من يدعي ‘التحرر’، وهؤلاء بدورهم ‘أنجاس’ في أعين المتدينين. الكبت يسير في شوارع العاصمة، إلى حد يكتفي فيه سائق سيارة أجرة بإجبار’شيرين’ على منحه قدميها كي يلمسها وهو يمارس العادة السرية. المحقق الأمني، يكشف عن حزنه لأن الله رزقه بطفلة أصبحت صبية في المستقبل!. في المحصلة العمل يستحق تخصيص ساعة و45 دقيقة، للوصول إلى المشهد النهائي، حيث الفتاة التي تستمتع بسماع أغنية’هيب هوب’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية