يوسف مكي اكتسب دوّار اللؤلؤة في البحرين اهمية تاريخية ورمزية ابتداءً من 14فبراير 2011 وهو التاريخ المضروب على مواقع التواصل الاجتماعي لانطلاق الثورة البحرانية، اسوة بالثورة التونسية ومن بعدها الثورة المصرية. وبالفعل خرجت الجماهير الشبابية الى هذا المكان بصدورعارية وهي تعلم علم اليقين انها ستواجه برصاصات جنود السلطان، وهو ماحدث بالفعل، حيث سقط عدد من الشهداء والجرحى، لكنها اصرت على الثورة والدوّار مهما كانت التضحيات، فانتصرت ارادتها على الرصاص والبارود، فاحتضنته، لتجعل منه مكانا قريــــبا من الروح ومهما جدا في هذا البلد الصغير المحكوم بالنار والحديد منذ امد طويــل، وليصير الثوار اسياد الموقف وزوار هذا الدوّار، وليصبح ذلك المكان شعلة نور وتنوير وثقافة وسياسة وفن وادب وموسيقى وصورالثائر الاممي غيفارا وعلاقات انسانية وخطابة وحوارات لاتنتهي وورشة عمل للنساء والرجال للشباب والاطفال، ومستقبل يبشر بالكثير على امتداد شهر، وليكتسب من جراء ذلك اهمية لم تكن له من قبل، سواء بالنسبة للنظام الخليفي او بالنسبة لثورة 14 فبراير.
ولكن بطبيعة الامور، هناك فرق بالتأكيد بين النظام الخليفي والثورة فيما يتعلق بفلسفة النظر الى هذا المكان / الدوّار. فرق في الرؤية والرؤيا لكل شيء ومن ضمنها الدوّار الذي اصبح من الآن فصاعدا دوّار الشهداء تيمنا بهم فقد شربت ارضه من دمائهم، وكان ذلك وفقا لمنطق الثورة والدماء الشبابية المتفجرة حلما لا تحده حدود ان تنطلق ثورته من هذا المكان، الذي لم يكن شيئا مذكورا، إنه النظر الى المستقبل والافق المفتوح وتباشير الثورة، التي يصعب على النظام الخليفي ان يستوعبها او يهضمها. في حين اصبح الدوّار بالمقابل وحسب منطق النظام الاستبدادي تحت اسم تقاطع الفاروق وما يوحي به هذا الاسم من رمزية في اشارة الى (عمر بن الخطاب) ومن العودة الى الوراء للهروب من موجبات الحاضر واستحقاقات الثورة، لكنها مع ذلك رمزية لم تسعف النظام، وتأكيدا على ذلك قام النظام بمسحه تماما من الارض وتسويته، بل اكثر من ذلك لم يأبه بالمناسبة التي انشأه من اجلها قبل ثلاثة عقود من الآن (يرمز الى وحدة دول التعاون)، وصممه بطريقة لا طعم لها ولا لون واطلق عليه تقاطع الفاروق، ولكن في المعنى الخفي هو اخفاء آثار الثورة، ومكلن الثورة، وما ارتكبه ازاءها من موبقات، إذْ الفـــاروق لم يقتل معارضيه ولم ينكل بهم ولم يتصرف بروح غرائزية اقصائية تجاه من يختلفون معه.
اكيد، الفارق كبير جدا بين 14فبراير والنظام الخليفي، وشتان بين نظام اصبح خارج التاريخ وتخثرت دماؤه في عروقه منذ زمن وتبلدت رؤيته لواقع الحال ويدير البلاد والعباد بمنطق السيف والغنيمة وسرديات الغزو التي فات اوانها، وشباب في مقتبل الحياة اخذوا عهدا على انفسهم ان يغيروا هذا النظام وبعيدا عن حذلقات السياسيين وسفسطات المثقفين وتبريرات الحزبيين وانتهازية الوصوليين ومنطق الظروف المناسبة وغير المناسبة، فهذه كلها لا تعنيهم في شيء، فقط بارادتهم التي لا تلين وبصدورهم العارية وبقلوبهم التي حملوها على اكفهم دون خوف، او وجل، خرجوا يهتفون سلمية، سلمية، فكان الدوّار هو المكان اللائق بهم وبثورتهم وبسلميتهم وباحلامهم التي اثبتت الايام انها في الوقت نفسه احلام شعب باكمله، احلام الامهات والآباء الذين خذلهم النظام وكسر آمالهم واحلامهم عندما كانو في مثل اعمار اولادهم، ثوار 14 فبراير. وهاهم اليوم يستعيدون سنوات الجمر والنضال عندما كانوا في مقتبل العمر، ليستعيدوا شيئا من شبابهم الذي ضيعه النظام. نعم لم يكن لهذا الدوّار أي قيمة معنوية قبل ثورة 14 فبراير، حيث كان قبل هذا التاريخ مجرد نصب معماري تم تشييده في عام 1982 بمناسبة القمة الثالثة لدول مجلس التعاون الخليجي، ويمثل هذا النصب المعماري ست قوئم ترمز كل قائمة لدولة من دول المجلس الست لتجتمع وتحتضن في اعلى القوائم دائرة هي كناية عن لؤلؤة وفي الاسفل مستديرة لمرور السيارات القادمة من الجهات الاربع.
اما قبل ذلك فإن هذا المكان هو منطقة بحرية ومرفأ للمراكب وصيد الاسماك تم ردمها في بداية الثمانينات من القرن الماضي ليشيّد عليها هذا الدوّار الذي لم يتوقع احد ولم يخطر ببال النظام الحاكم ولا منجميه، انه وبعد مرور ثلاثة عقود على بنائه انه سيكون المكان المناسب لانطلاقة الربيع البحراني، وسيحتل هذه المكانة الرمزية في حاضر ومستقبل البحرين السياسي والثقافي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه سيشكل بمثابة كابوس مقلق بالنسبة للنظام. مع 14 فبراير اصبح الدوّار ذا قيمة رمزية في الربيع البحراني، هذا الربيع الذي مازال مستمرا برغم القمع الشديد من قبل النظام. لذلك لا غرابة ان نجد ان ثوار 14 فبراير يحاولون الوصول الى هذا المكان الذي لم يعد دوّارا بل اصبح ثكنة عسكرية مدججة بالعسكر ومسيجة بالاسلاك الشائكة من جميع الجهات ومن يذهب اليه يعاقب عقابا شديدا.
هذا الدوّار الذي كان مكانا منسيا بات يمثل مكانا لصراع الارادات، ارادة حركة 14 فبراير وما تمثله من آفاق واعدة بالحرية والعدالة والكرامة والانعتاق من النظام الحاكم وطغيانه، وارادة النظام الذي يحاول جاهدا وقف عقارب التغيير، وصد رياح الحرية، وقمع الحراك السياسي في البحرين بالقوة العارية من أي التزام او ضمير. ومن هنا اصرار الثوار على العودة الى الدوّار وما يمثله لهم وللشعب البحراني من رمزية ثورية و مهما كان الثمن باهظا، ومهما كانت الصعوبات والعقبات. فهو رمز انطلاقة الثورة. كما كانت تمثل ساحة القصبة للثورة التونسية، وميدان التحرير بالنسبة للثورة المصرية.
لذلك لا غرابة ان يظل النظام خائفا – وعلى الرغم من اعادة تشكيله للدوّار – من ان يكون هذا المكان نذير شؤم عليه، فقام بتعطيله وتجميد المنطقة المحيطة به اقتصاديا واجتماعيا وحضاريا. فالمهم بالنسبة اليه هو بقاء النظام، وليس بقاء الدوّار، ولا مطالب الثوار، وليكن ما يكون. هذه هي حكاية دوّار اللؤلؤة الذي اعطته الثورة البحرانية معنى آخر، اصبح دوّار الشهداء، ومنطلقا للمستقبل، المستقبل الواعد الذي ينشده الشعب البحراني، ويقدم من اجله الغالي والنفيس، وبذلك اصبحت ثورة 14 فبراير ودوّار اللؤلؤة / الشهداء متلازمين في السردية البحرانية المعاصرة، فهذا يستدعي تلك والعكس صحيح، انها من صدف التاريخ، او ربما من مكره، لا فرق، المهم ان ثورة 14 فبراير تعيد صياغة الكلام والمكان والاشخاص في هذا البلد المنكوب بالاستبداد. ومع ذلك يبقى النظام الخليفي على الرغم من جبروته حائرا خائرا امام ارادة شباب الثورة التي لا تلين ولا تستكين، تلك الارادة التي تبشر بالفجر الآت من غياهب الظلام والنظام، الذي اكل الدهر عليه وشرب. انها الارادة التي ستكتب تاريخا آخر للدوّار غير التاريخ الذي يدبجه النظام على هواه.’ باحث في علم الاجتماع – البحرين