يعتبر الروائي المغربي الشاب عبد الباسط زخنيني، واحدا من أكثر الروائيين الشباب المغاربة انتظاما في الكتابة والتأليف، إذ لم يتوقف سنة منذ إصداره الروائي الأول، عن الإصدار في كل سنة لمؤلف أو مؤلفين روائيين، ومن يتابع مؤلفاته يلاحظ أن زخنيني، يرسم لنفسه في كل عمل روائي منحى جديدا يجعل من الكتابة السردية بحثا مستمرا عن الاختلاف والتفرد، فالبناء الروائي عنده يقوم على التنوع والتغيير والتجاوز والتجديد في أشكاله وتقنياته وأساليبه، ويوازي هذا التغيير، تغيير ثان على مستوى الموضوعات والقضايا التي تشكل جوهر البناء الفني، وتعبر عن رؤية الكاتب الشاب وتصوره لقضايا واقع الذات وتاريخها، ولراهنها ومستقبلها.
نرمي من خلال هذه الورقة التي تقارب رواية «الأبيض والأسود» لعبد الباسط زخنيني الفائزة بجائزة توفيق بكار للرواية العربية في تونس إلى بيان أثر التقنية السينمائية والبناء الفيلمي في هذه الرواية، واستثمار الروائي للمشهدية وصيغ السرد الفيلمي في كتابة هذا النص.
ولابد من التأكيد على أن أحد أهم العوامل التي تجعل روايات زخنيني حاضرة بشكل دائم في اللوائح الطويلة أو القصيرة للجوائز الروائية في العالم العربي، هو قيامها على التجريب والتفاوت والاختلاف في مستوياتها الفنية، وأشكالها السردية، وفي طرائق التعبير التي تستفيد أو تتقاطع مع أشكال تعبيرية أخرى في التقنية، وصيغ القول، فتكشف عن إمكانات أخرى للسرد والوصف والتخييل، وأشكال جديدة لكتابة الرواية.
يجد القارئ لهذا العمل الروائي نفسه، إذا كان ممن شاهد الفيلم السينمائي الأمريكي «Phone Booth كشك الهاتف» قبل القراءة، في قلب مقارنة بينهما في تقنيات البناء، إذ تنطلق الرواية فعليا في أحداثها بدخول»مجموعة غير متجانسة من الأشخاص، بالكاد تعرفوا على بعضهم بعضا» (الرواية) إلى بيت ينبعث منه الضوء وسط غابة، بعدما ساء الجو، وتبين لهم أن فرصتهم الوحيدة للنجاة من الهلاك هو الإسراع إليه، وبمجرد الدخول وترحيب صاحب البيت بهم، كأنما كان ينتظر وصولهم، تبدأ الأحداث متشابكة لتصنع متوالية من الشرور، تكشف عن كون الشر قوة فاعلة طبيعية في الإنسان، تمتد وتتسع مسحتها حينما لا يفكر كل فرد إلا في نفسه.
وتبدأ الأحداث الرئيسة للفيلم السينمائي بعد دخول شخصية البطل ستيوارت (الممثل الأيرلندي Colin Farrell) إلى كشك هاتف وسط الشارع للاتصال بصديقته والاتفاق معها على موعد للقاء، بدل استعمال هاتفه الخاص الذي قد يكون دليلا أمام زوجته على خيانته لها، لكن ومباشرة بعد إتمام مكالمته ووضع سماعة الهاتف، يرن جرسه مرة أخرى فيجيب البطل، وفي الإجابة تلزمه شخصية البطل المهاتف المترصد (الممثل الكندي البريطاني Kiefer Sutherland) على لزوم المكان وعدم الخروج منه، مثلما تلزمه على سلسلة من الاعترافات بدأت بالاعتراف لصديقته (بام) بكذبه عليها، ولزوجته (كيلي) بخيانته لها، ثم دفعه إلى ارتكاب أخطاء أخرى مثل الأسئلة المحرجة التي وجهها للكابتن والموافقة على قتل بريء بدل قتله، ثم للاعتراف بكل الشرور والأكاذيب والزيف الذي يحيط به حياته ويزين به مكانته وكلامه، تجاه زوجته وصديقته، وتجاه معارفه وأصدقائه في العمل.
إن كلا من الرواية والفيلم يرسمان معا لأحداثهما فضاء مغلقا؛ بيت وحيد وسط الغابة في الرواية، وكشك هاتف وحيد وسط شارع ممتد في الفيلم، بالإضافة إلى البطولة المشتركة بين الشخصيات، إلى جانب ترك العملين شخصية البطل المترصد مجهولة الهوية، ومثلما ستجعلنا الرواية نعتقد بأن المترصد الدافع لشخوصها إلى ارتكاب الشرور هو الشاحب المستضيف نفسه، فإن الفيلم هو الآخر سيوهم كل شخصيات الفيلم أن المترصد هو حامل البيتزا، بينما تكشف الرواية للعجوز وحده أن المترصد الحقيقي هو الشيطان (الجد والشيطان؛ الحلم المزعج، والحوار غير المعلن للجد والشيطان) (الرواية) ويكشف الفيلم للبطل الضحية المترصد الحقيقي وهو بين الإغفاء واليقظة فوق سرير الإسعاف بعدما تلقى حقنة مهدئة في آخر لقطة في الفيلم.
إن توظيف التقنية السنيمائية في بناء هذا العمل الروائين والتي لا يخفي الكاتب وعيه بها، بل والإشارة إليها في آخر عبارات النص الروائي على لسان سارده، حيث يقول بعدما انصرف الضيوف إلى حال سبيلهم، وخرجوا إلى ضوء النهار وسط الغابة وسلك كل منهم مسلكا، متفرقين، وعودة الشاحب صاحب البيت إلى ظلمة بيته «ينتظر ضالا جديدا يطرق باب بيته… يدير كل شيء كمخرج سينمائي أو كلاعب شطرنج بارع… يحرك البيادق بمهارة»( الرواية) وقبله قال السارد «كان الكل فرحا، سعيدا… رجع الشاحب كمخرج اطمأن على نجاح مسرحيته إلى الخلف، وراقب المشهد النهائي». إن توظيف التقنية السينمائية والاستفادة من العمل السينمائي «Phone Booth» أو غيره في بناء الرواية، ببراعة فنية جديدة على الرواية، ليس هو الذي يثيرنا في هذا العمل الروائي وحسب، بل قدرتها كذلك على أن تجعل الشخصيات والمكان والزمان بغير تحديدات، إذ لا تكاد تجد أي مؤشر يحدد أحد هذه المكونات السردية؛ شخصياتها دون أسماء (كالطبيب، المراهن، الشاحب، الفتاة، المهندس، العجوز، الشقراء) ومكانها مغلق غير محدد ولا ممتد، وكذلك زمن أحداثها.
وإذا كان رهان العمل السينمائي الكشف عن الشرير ومحاسبته مثلما جاء في حوار البطل الضحية، والبطل المترصد؛ قال الأول: «ماذا تريد مني؟» رد عليه المترصد: «أن ينال الشرير ما يستحقه» وكذلك الرواية في جعل كل شخصياتها تعيش عذاب الضمير، ومحاسبة الذات (الفتاة/ المراهن…) وتُمضي أسوأ ليلة في حياتها بين الانخراط في شرور أخرى والرغبة في الكف عنها، فإن أهم ما ينبغي تسجيله في العملين معا، هو انتصارهما لقيم التسامح والحب والصدق والوفاء؛ حيث تجاوزت «كيلي» عن زوجها المعترف بخياناته اللامعدودة وكذبه، وانتصرت لحبها له وصدق ارتباطها به، وكذلك انتصرت الرواية لهذه القيم بصفح الجد عن حفيده، ومصالحة المهندس للطبيب بعدما كاد هذا الأخير أن يقتله، واعتراف المهندس وإقراره بأن الخطأ مشترك بينهما، ومرافقة كل منهما لزوجته ومصالحته لها، وشعور المراهن بالاطمئنان والسكينة بعد اعترافه كأنه لم يأت شرا من قبل، ولا كان هو من قام بكل ما اعترف به.
لقد استفادت الرواية الجديدة دون شك من السينما واعتمدت تقنياتها، وخاصة ما تعلق منها بطرق بناء الأعمال السينمائية لحبكتها وأساليبها التعبيرية، وصيغها المشهدية والمقطعية في تحديد الفضاء ووصف الشخصيات والارتكاز على العين الرائية الواصفة، وعلى والحوار في متابعة تطور الحدث، وعبد الباسط زخنيني حاول مثلما تعكس روايته استثمار التقنية السينمائية للتعبير عن الصراع الخارجي الذي تعيشه شخصيات نصه الروائي والذي ليس إلا امتدادا وانعكاسا للصراع الأزلي بين قيم الخير والشر، وصراع داخلي بين النوازع باعتبارها طبائع البشر وغرائزها، وقيم التسامح والتجاوز والغفران والرفق التي ليست إلا نتيجة لها.
كاتب مغربي