صلاح سليمان خسارة كبيرة لحقت بالثقافة المصرية والتاريخ المصري الحديث، جراء حرق المجمع المصري العلمي بالأمس، في أحداث القاهرة المشتعلة بين الثوار وأجهزة الأمن المصرية، سواء الشرطة أو الجيش، فقد طال حريق هائل المبنى التاريخي وأتى على كل ما فيه، جراء طلقات الرصاص وكرات اللهب التي كان يتم تقاذفها بين الثوار ورجال الأمن في شارع القصر العيني، الذي يقع فيه ذلك المجمع التاريخي، الذي أنشئ بقرار من نابليون بونابرت في القاهرة في 20 آب/اغسطس 1798 إبان فترة الحملة الفرنسية على مصر.
الخسارة لا تقف فقط على المبنى التاريخي العظيم، بل أيضاً حرق المكتبة التاريخية العظيمة التي يضمها المبنى، والتي تتكون من أربعين الف كتاب، أهمها كتاب ‘وصف مصر’ تلك الدرة الخالدة التي صنعها علماء الحملة الفرنسية ـ فخسارة حرق هذا الكتاب العظيم الذي يتكون من 20 مجلداً، باهظة الثمن لا يمكن تقديرها بحال ولا يمكن تعويضها، فالكتاب عبارة عن مجموعة من البحوث التي قامت بها الحملة الفرنسية في مصر، وأهميته تكمن في ان مجموعة من أبرز العلماء الذين دعاهم نابليون خصيصاً لهذا الغرض هم من قاموا بإعداده.
بعد عودة هؤلاء العلماء الى فرنسا، قام وزير الداخلية الفرنسية في ذلك الوقت أنطوان شبتال في 1802 بتشكيل لجنة من ثمانية أعضاء من العلماء قاموا بجمع ونشر كافة المواد العلمية الخاصة بالحملة الفرنسية، التي كانت عبارة عن 10 مجلدات تم رسم لوحات فيها غاية في الدقة للحياة اليومية المصرية، منها 74 لوحة بالألوان، واطلس خرائط، إضافة الى 9 مجلدات للدراسات. وهي تعتبر أحد اهم الأعمال التاريخية الخالدة في الفترة من 1809 حتى 1828 . من أهم الكتب التي تضمها المكتبة أيضا كتاب اطلس عن فنون الهند القديمة، وأطلس باسم مصر الدنيا والعليا مكتوب عام 1752، وأطلس ألماني عن مصر وأثيوبيا يعود للعام 1842، وأطلس ليسوس، وهو ليس له نظير في العالم وكان يمتلكه الأمير محمد علي ولي عهد مصر الأسبق. أهداف هذا المجمع العلمي كانت تنصب على العمل والاشتراك في بحوث ودراسات ونشر الأبحاث التي تساعد على تقدم مصر العلمي، كذلك نشر العلم والمعرفة في مصر، ومن ثم نشر احداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية، ومع التطور الذي شهده المجمع أجريت تعديلات أدخلت بمقتضاها علوم الآداب والفنون الجميلة وعلم الاثار والعلوم الفلسفية والسياسة والفيزياء والرياضيات والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي.
يعتبر هذا المبنى التاريخي الذي احترق واحدا من أعرق المؤسسات العلمية المصرية وهو يدخل في عداد الآثار المصرية، وقد تم تسجيل مقتنياته النادرة في سجلات الاثار المصرية. كان باعث نابليون بونابرت على إقامته هو بحث ودراسة أحداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية، وعواملها الطبيعية، فضلاً عن إبداء الرأي حول استشارات قادة الحملة الفرنسية، وهذه الأسباب كان يختفي وراءها الهدف الرئيسي للحملة وهو دراسة مصر دراسة تفصيلية لبحث كيفية استغلالها لصالح المحتل الفرنسي.
يرجع تاريخ بناء هذا المبنى التاريخي الى عهد إبراهيم كتخدا الملقب بالسناري، الذي انتقل الى الإقامة في القاهرة قادما من الصعيد، ليصبح واحدا من أعيانها بفضل قربه من الأمير مراد بك، الذي كان متحكما في شؤون مصر، وفرغ من بناء المنزل قبل وصول الفرنسيين بسنوات قليلة، يتوسط المنزل فناء، عبارة عن مساحة مستطيلة في وسطها فسقية، في الضلع الشرقي منه عدد من الغرف وغرف الخدم والمنافع، وفي الضلع الجنوبي من الفناء مساحة مستطيلة مغطاة بسقف خشبي به زخارف ملونة، يرتكز على عمود رخامي، وفي الضلع الغربي منه دهليز يؤدي الى باب معقود يصل إلى ديوان عبارة عن حجرة ذات رواقين مغطى كل منهما بقبوين متقاطعين.
ظل هذا المبني منذ خروج الفرنسيين من مصر مهملا، إلى أن نجح بريس دافين العالم الفرنسي في عام 1842 من إعادة إحياء الجمعية الأدبية المصرية لتقوم بنفس الهدف الذي قامت من أجله مرة ثانية.’ اعلامي من مصر يقيم في المانيا [email protected]