عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية علي البياتي: حريق مستشفى ابن الخطيب كشف إهمال المؤسسات الصحية

حاوره: مشرق ريسان
حجم الخط
0

أشّرت مفوضية حقوق الإنسان «مؤسسة رسمية» جمّلة انتقادات تتعلق بالواقع الصحي والطبي في العراق، من بينها النقص الكبير في أعداد المستشفيات والمراكز الصحية الواجب توفرها في هذا البلد المليء بالأزمات، فضلاً عن الإجراءات المُتبّعة للحد من انتشار وباء كورونا، حاثّة الجهات الرقابية والقضائية إلى فتح ملفات الفساد وسوء الإدارة المتعلقة بالمؤسسة الصحية.
وكشف الحريق الذي أتى على مستشفى أبن الخطيب، جنوب شرق العاصمة العراقية بغداد- خلّف أكثر من 200 قتيل ومصاب ومفقود- الأسبوع الماضي، ما يعانيه القطاع الصحي في العراق من إهمال منذ عام 2003 وحتى الآن.
وللوقوف على آخر تفصيلات الحادث، وفتح ملف الواقع الصحي في العراق، أجرت «القدس العربي» حواراً موسّعاً، مع عضو مفوضية حقوق الإنسان، الدكتور علي البياتي، الذي قال إنه «من خلال متابعة المفوضية وأخذ شهادات لشهود عيان والكوادر الطبية ومرافقي المرضى الذين كانوا متواجدين لحظة وقوع الحادث، أفادت بأن عدد الضحايا بلغ نحو 130 قتيلاً، بالإضافة إلى معلومات من جهات غير رسمية أو شبه رسمية، تفيد بوجود أكثر من 20 مفقوداً».
وأضاف: «من خلال متابعتنا وتحقيقنا في الحادث وتواصلنا الميداني، وجدنا إن سبب الحريق يشبه إلى حدٍ كبير أسباب الحرائق الأخرى المتكررة، متمثلة بغياب معايير السلامة المهنية والوقائية من الحرائق، وعدم توفر الاستجابة الداخلية من كوادر المستشفى التي لم تكن موجودة، وأيضاً استجابة الدفاع المدني التي تأخرت لنحو ساعة».
وأشّر البياتي إلى «وجود اكتظاظ داخل المستشفى- معتاد في جميع المستشفيات- ونتيجة الخلل والإهمال داخل المستشفى يضطر مرافق المريض إلى التواجد لمساعدة مريضه وأيضاً، علماً إن هذه الردهات هي ردهات عزل وتمثل خطورة في انتقال العدوى. هذه مخالفة تحسب على إدارة المستشفى».
ومن بين الأسباب التي أدت إلى حجم الخسائر التي خلّفها الحريق، حسب البياتي، هو وجود «قناني غاز الأوكسجين في الطابق (نشب فيه الحريق أولاً) وجميع طوابق العزل وخاصة الانعاش، بسبب وجود مشكلة دائمة في تزويد الأوكسجين المركزي» لافتاً في الوقت عينه إلى إن «طريقة البناء السريع والإضافات في مبنى المستشفى، تتضمن موادً سريعة الاشتعال».

7 آلاف حريق

*ما هي التوصيات التي خرجت بها المفوضية للحكومة، على خلفية الحادث؟
**إحالة كل من ثبت تقصيره من وزارتي الصحة والداخلية إلى القضاء، فضلاً عن أهمية التحقيق ومتابعة كل الدوائر سواء الصحية أو غير الصحية (رسمية أو غير رسمية) في مسألة توفر معايير السلامة المهنية والاستعداد والاستجابة للحرائق.
هناك 7 آلاف حريق في العراق منذ بداية عام 2021. هذا عدد كبير جداً ويحتاج إلى توضيح من وزارة الداخلية حول أسباب هذه الحرائق وحجم الضحايا التي تذهب جرائها، وإمكانية منعها من خلال ثقافة التصدي للحرائق وتوفير المستلزمات الخاصة بإطفائها، والاستجابة السريعة من خلال تطوير إمكانية الدفاع المدني باستخدام التكنولوجيا وتدريب الكوادر البشرية.

إجراءات ضعيفة

*وماذا في شأن ملف انتشار وباء كورونا، وضعف إقبال المواطنين على أخذ التطعيمات الخاصة بالفيروس؟
**على الرغم من بدء العراق حمّلة التطعيم- هي خطوة جيدة على اعتبار وجود صراع دولي حول اللقاح- لكن لا يمكن الخلاص من هذا الوباء إلا من خلال تلقيح ما لا يقل عن 70-80 في المئة من المواطنين.
والعراق يحتاج إلى جهود كبيرة من أجل جلب هذا العدد الكبير من اللقاحات وبشكل سريع، فضلاً عن التوعية الحقيقية للمواطنين من أجل التوجه إلى التطعيم، على اعتبار إن هناك جهدا فوضويا- للأسف الشديد- وعكسيا للنفور من اللقاح من خلال بعض الأشخاص والصفحات (منصات التواصل الاجتماعي) أمام غياب التوعية الإيجابية الحقيقية لوزارة الصحة.
وأغلب دول العالم شهدت منذ البداية توجه شخصيات سياسية ورسمية لأخذ اللقاح، الأمر الذي وإن حدث في العراق لكنه قليل ومتأخر. نحتاج إلى دور حقيقي لجميع الشخصيات والمؤثرين في المجتمع، للمشاركة في التوعية تجاه اللقاح، وطمأنة المواطنين حول ضرورة أخذه ومدى أمانه بكونه الحل الوحيد للخلاص من الوباء.
العدد المتوفر من اللقاح المضاد لكورونا ما يزال قليلاً، فضلاً عن محدودية الجانب التوعوي، وعلى الرغم من وجود ضعف في توزيع اللقاح على المحافظات، غير إنه بشكلٍ عام متوفر لكن الاقبال ضعيف، وفي حال زاد الإقبال ستكون هنالك مشكلة في توفير لقاح لكل مواطن.
وأقرّ البياتي بوجود تلكؤ في عمل المؤسسة الصحية في الحد من انتشار أو تفشي الوباء قائلاً:
**منذ البداية كان هناك تلكؤ على مستوى غلق المنافذ والمطارات، والذي أدى إلى دخول الفيروس، لكن التلكؤ الأكبر هو ما يتعلق بمسألة التوعية والالتزام بالتعليمات والإجراءات والمحاسبة الحقيقية لعدم الالتزام، وخاصة من قبل المحافل ومراكز التجمع، مع ضرورة وجود جهود لتوفير مستلزمات الوقاية سواء الكمامات أو تعقيم الشوارع والمواقع وغيرها.
وأشار إلى إن «هذه الإجراءات لا تزال ضعيفة».
**إننا أمام تحول خطير في الفيروس. الفيروس المتحوّر أخطر وأشرس وأسرع بالانتقال، في حين لا يزال دوام المدارس مستمراً، حسب توجيهات وزارة التربية الأخيرة، والذي كان من المفترض أن يكون العكس.
واستمرار فتح المطارات والمنافذ العراقية، سيُعقّد الملف أكثر. والدول تقوم بتقييد الإجراءات عندما تكون هناك أعداد كبيرة للمصابين في ردهات الانعاش أو وفيات، وتخفف من تلك الإجراءات عندما تقّل الأعداد.
وحسب التطورات الحالية بالنسبة لوباء كوفيد-19عالميا وإقليميا من الضروري غلق المطارات والمنافذ للمسافرين وإنهاء دوام المدارس وتحويله إلكترونيا، وتقليص الدوام في الدوائر، والتشديد في محاسبة عدم الالتزام بالتعليمات للوقاية وتوفير اللقاح بكميات أكبر والتوعية المكثفة لاستلامه.
وتابع: «أعداد الإصابات في زيادة والفيروس المتحول على الأبواب، ووزارة التربية تفرض الدوام الحضوري يومين، والمدارس الأهلية تفرض يوم إضافي لزيادة الإصابات أكثر!!. العالم يتعامل وفق معيار زيادة أو انخفاض الإصابات والخطورة إلا العراق!!!».
*ما مدى دقّة الأرقام التي يُعلنها العراق لأعداد الإصابات والوفيات اليومية بسبب الوباء؟
**لا يمكن الوصول إلى جميع المصابين. هناك 50-60 في المئة من الإصابات تكون بدون أعراض، فضلاً عن ضعف رغبة المواطن في التوجه إلى المراكز الصحية لحظة ظهور الأعراض عليه، يلعب دوراً كبيراً في مسألة دقّة الأرقام.
إن المؤسسات الصحية العراقية عملت ما عليها، على الرغم من وجود تلكؤ في توفير مستلزمات العلاج والرعاية، ناهيك عن فقر البنى التحتية للمؤسسات الصحية دفع إلى انشاء مبانٍ جديدة سريعة، لا تزال تعاني من نقصٍ في المعايير الواجب توفرها في هكذا ردهات.
ووفقاً للبياتي فإن الخدمة الصحية المقدمة لكل مواطن في العراق «لا تتلائم والحجم السكاني. حسب وزارة التخطيط من المفترض أن يكون لدينا إضافة 480 مشروع مستشفى إضافة لمركز تخصصي منذ عام 2004 لكن ما تم تنفيذه يبلغ نحو 80 فقط» منوهاً إلى «مشكلة في مسألة توفر الكوادر الطبية أو الوسطية أو الإدارية. العدد الموجود قليل ونحتاج إلى نحو ضعفي هذا العدد، حسب الزيادة والتطور السكاني».

خدمات صحية رديئة

وأكد عضو مفوضية حقوق الإنسان إن «نوعية الخدمات الصحية في العراق رديئة. فبالإضافة إلى الأسباب التي ذكرتها، لا يوجد نظام صحي حقيقي في العراق، يتناسب وحجم الزيادة الكبيرة في الأمراض وأنواعها، سواء الأمراض المعدية أو السرطانية أو المزمنة».
وأشار إلى إن «أغلب المرضى الذين يرتادون المستشفيات الحكومية هم من ذوي الدخل المحدود. من تتوفر لديه الامكانية المادية يتوجه إلى خارج العراق لتلقي العلاج» موضحاً إن «السياحة الطبية اليوم باتت من أهم واردات الدول عن طريق مرضى العراق».
*ما مدى علاقة ملفات الفساد وسوء الإدارة المنتشرة في أغلب مفاصل الدولة العراقية، بتدهور الواقع الصحي في العراق؟
**ما يتم تداوله في البرلمان والكثير من الشخصيات الرسمية حول ملف وزارة الصحة، يتحدث عن وجود شبهات فساد مالي وإداري، لكن ذلك يجب أن يخضع للتحقيق وبيانات هيئة النزاهة والقضاء العراقي الذي يجب أن يفتح هذا الملف. وفي ظل وجود لجنة لمكافحة الفساد (برئاسة الكاظمي) تقوم بأدوار استباقية، لا بد لها أن تفتح هذا الملف أيضاً، وأن يتم إعلان نتائج التحقيق للرأي العام في حال الكشف عن شخصيات أثبت فسادها في الوزارة.
واقترح البياتي تشكيل «مجلس الصحة والبيئة الوطني» عاداً ذلك بأنه «مقترح لإنقاذ الواقع الصحي والبيئي في العراق» مشدداً على أهمية «إعداد نظام صحي متطور يعتمد على خصخصة القطاع الصحي؛ من جهة وعلى توفير ضمان صحي لكل فئات الشعب؛ من جهة أخرى، شرط ان تكون الخصخصة من جهات عالمية مختصة ومعروفة وليس فقط باباً للفساد».
ولفت إلى إن «نظام مجلس الصحة موجود في بعض دول الخليج وكندا وأمريكا وهولندا» منوهاً بأن «الحق في الصحة، يعني أن الحكومات يجب أن تهيئ الظروف التي يمكن فيها لكل فرد أن يكون موفور الصحة بقدر الإمكان. وتتراوح هذه الظروف بين ضمان توفير الخدمات الصحية وظروف العمل الصحية والمأمونة والإسكان الملائم والأطعمة المغذية».
**العراق بحاجة الى مجلس الصحة والبيئة الوطني، يكون مسؤلاً عن رسم السياسة العامة للصحة والبيئة في البلاد، ومشرفاً على عمل الدوائر والمؤسسات المعنية، ومرتبطاً برئاسة الوزراء، على ان تُمنح له تخصيصات مالية كاملة وصلاحيات لتوفير كل متطلبات الحق في الصحة.
*ما هي أكثر الأقسام الصحية التي تواجه إهمالاً أكبر من نظيراتها؟
**نحن اليوم أمام أمراض عديدة وكثيرة. نحتاج إلى مراكز تخصصية خاصة بتشخيص وعلاج السرطان، ومراكز أخرى متخصصة بإجراء العمليات الدقيقة، مع التركيز على الكمّ والنوع، ناهيك عن الحاجة إلى المراكز التشخيصية في الكثير من الأمراض (الوراثية، المناعية، وغيرها) لتأمين علاج المرضى داخل العراق، فضلاً عن ملف المعاقين وضرورة إنشاء مراكز لتأمين الأطراف الاصطناعية لهم بشكلٍ مجاني أو مدعوم حكومياً.
وطبقاً لمعلومات البياتي فإن «عدد الإصابات بمرض السرطان في محافظة البصرة وحدها، خلال عام 2019 بلغ 800 إصابة شهرياً» مرجّحاً أن تشير إحصائية عام 2020 إلى «تسجيل أكثر من ألف إصابة شهرياً».

البصرة أصبحت موطناً للتلوث

**هناك زيادة خطيرة في الإصابات، وخصوصا في المناطق المجاورة لحقول النفط، مع وجود الهدر وعدم مراعاة التأثير لمبالغ المنافع الاجتماعية التي تمنحها شركات التراخيص النفطية، واستغلالها أحيانا في مشاريع غير داعمة للقطاع الصحي، وكذلك عدم التزام الشركات حسب عقود جولات التراخيص بإزالة آثار التلوث وخصوصا المصاحب للنفط، وعدم وجود الرقابة مع استمرار الحرق للغاز المصاحب، مع آثار الأسلحة المشعّة المستخدمة في الحروب المتعاقبة، كلها عوامل جعلت البصرة موطنا خصبا للتلوث.
وحسب البياتي فإن «العراق لم يصل حتى الآن إلى تنفيذ كفالة حق المواطن في الصحة. هذه منظومة متداخلة من الإجراءات تتعلق بالخدمات الطبية والصحية، سواء كانت الوقاية أو العلاج، وأيضاً خدمة السكن الملائم وظروف العمل الأمينة، وأيضاً برامج التغذية الصحية المناسبة. لا يزال لدينا تقصير حقيقي في جانب الخدمة الصحية المباشرة».
وأشار أيضاً إلى «مشكلة في مسألة الرقابة على المؤسسات الصحية والطبية الحكومية والأهلية الخاصة. هذا واجب وزارة الصحة في رقابة الأطباء والصيادلة، وهناك ضعف في هذا المجال» منوها إلى «وجود استغلال واضح وأحياناً يصل إلى انتهاك حق المواطن في بيع أدوية غير مرخّصة أو غير خاضعة للفحص، وأحياناً منتهية الصلاحية، ناهيك عن بيع أدوية يلجأ إليها المتعاطون بكميات كبيرة».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية