التحول الاستراتيجي الروسي في ليبيا.. هل هو مغامرة رابحة؟

حجم الخط
4

لندن ـ “القدس العربي”:

تحت عنوان “التحول الاستراتيجي الروسي في ليبيا: مغامرة رابحة” نشر صموئيل رماني تحليلا عن خطط روسيا في ليبيا، وذلك في موقع “المعهد الملكي للخدمات المتحدة”، والذي يعد أقدم مركز أبحاث مختص بالشؤون العسكرية والأمنية في العالم، حيث يعود تأسيسه إلى 1831.

يقول الكاتب إنه في 15 أبريل/نيسان الجاري، سافر رئيس الوزراء الليبي “عبدالحميد الدبيبة” إلى موسكو في أول زيارة له.

وخلال زيارته، أجرى “الدبيبة” محادثات مع كبار المسؤولين الروس، بمن فيهم رئيس الوزراء “ميخائيل ميشوستين”، ووزير الدفاع “سيرجي شويجو”، وسكرتير مجلس الأمن القومي “نيكولاي باتروشيف”، حول الحوار الليبي الداخلي، والاستثمارات في قطاع الطاقة.

وبعد لقائه “الدبيبة”، أشاد “شويجو” بالشعب الليبي، ووصفه بأنه “صديق لروسيا”، ودعا إلى استئناف “التعاون الكامل” بين وزارتي دفاع البلدين. فيما تعهد “الدبيبة” بـ”بناء جسور جديدة” مع روسيا، وشدد على قدرة موسكو على لعب “دور رئيسي” في الاقتصاد الليبي.

للوهلة الأولى، تثير الطبيعة الودية للقاء الدبيبة مع المسؤولين الروس الدهشة. فقد قدمت روسيا دعما ماديا واسعا للهجوم الذي قاده  حفتر ضد طرابلس

ويشير الكاتب أنه للوهلة الأولى، تثير الطبيعة الودية للقاء “الدبيبة” مع المسؤولين الروس الدهشة. فقد قدمت روسيا دعما ماديا واسعا للهجوم الذي قاده الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” ضد حكومة “الوفاق الوطني”، التي كانت تتخذ من طرابلس مقرا لها، والتي خلفتها حكومة “الوحدة الوطنية” بقيادة “الدبيبة”.

وفي 12 مارس/آذار الماضي، وصف “الدبيبة” المرتزقة الأجانب، وبينهم متعاقدون عسكريون من مجموعة “فاغنر” الروسية، بأنهم “طعنة في ظهرنا وتهديد للسيادة الليبية”.

منذ تأسيس حكومة “الوحدة الوطنية” 9 مارس/آذار الماضي، احتضنت روسيا تلك الحكومة المؤقتة، وأعربت عن دعهما لخطط ليبيا إجراء انتخابات عامة في ديسمبر/كانون الأول 2021.

حفتر والإمارات وميليشيات “فاغنر”

ومع ذلك، تحتفظ روسيا أيضا بصلات متبقية مع الجهات الفاعلة المناهضة للنظام في ليبيا، مثل “حفتر”، ومليشيا “الكانيات”، و”سيف الإسلام القذافي” للاستفادة منها حال ضعُفت سلطة حكومة “الوحدة الوطنية”.

وبسب المحلل قد تسمح استراتيجية الموازنة هذه باستمرار نفوذ روسيا في ليبيا ليظل حائطا منيعا أمام التغييرات السياسية على الأرض، وربما تجلب عقود إعادة إعمار مربحة للشركات الروسية المملوكة للدولة.

وبالتوازي مع إقامة علاقات أوثق مع حكومة “الوحدة الوطنية”، حافظت روسيا أيضا على علاقاتها مع الشركاء المناهضين للنظام في ليبيا.

ففي الأسابيع الأخيرة، واجهت مليشيا “حفتر” انشقاقا في صفوفها، تجلى في اندلاع اشتباكات بينها في مدينة بنغازي (شرق) في 21 أبريل/نيسان الماضي.

ويرى الكاتب أنه لإثبات استمرار تضامن روسيا مع “حفتر” في لحظة ضعفه، سترسل مجموعة “فاغنر” 300 من المرتزقة السوريين الجدد إلى ليبيا في نهاية أبريل/نيسان.

كما منعت روسيا إدراج “محمد الكاني”، زعيم مليشيا “الكانيات” في القائمة السوداء للأمم المتحدة، بدعوى عدم وجود أدلة كافية على تورطه في قتل مدنيين.

كما شدد نائب وزير الخارجية الروسي “سيرجي فيرشينين” على الحاجة إلى “حفتر” والموالين لـ”القذافي”، الذين يدعمون إعادة تأهيل “سيف الإسلام القذافي”، للتأثير على النظام السياسي والعملية الانتخابية في ليبيا في المستقبل.

بسبب الإطاحة بالقذافي في 2011، خسرت روسيا 4 مليارات دولار كعقود أسلحة ، ومئات الملايين من الدولارات من عائدات التنقيب عن الغاز، وتخلت شركة السكك الحديدية الروسية  عن عقد بـ 3 مليارات دولار

ونظرا لأن نفوذ “حفتر” والجهات الفاعلة الأخرى المناهضة للنظام قد يشهد انتعاشا إذا تعثرت الانتخابات الليبية، فإن روسيا تحافظ على شراكاتها في زمن الحرب في مرحلة إعادة الإعمار بعد الصراع.

ويعتقد الكاتب أن المجموعة المتنوعة من الشراكات المحلية لروسيا في ليبيا قد تساعد أيضا في تأمين عقود إعادة الإعمار على الصعيد الوطني.

فبسبب الإطاحة بـ”معمر القذافي” عام 2011، خسرت روسيا 4 مليارات دولار كعقود أسلحة مبرمة، ومئات الملايين من الدولارات من عائدات التنقيب عن الغاز، وتخلت شركة السكك الحديدية الروسية (حكومية) عن عقد لإنشاء خطط للقطارات في ليبيا بقيمة 3 مليارات دولار.

ومنذ عام 2017، اتخذت روسيا خطوات تحضيرية لتأسيس موطئ قدم رئيسي في عملية إعادة الإعمار في ليبيا.

فقد وقعت شركة النفط الروسية العملاقة “روسنفت”، في فبراير/شباط 2017، صفقة لشراء النفط مع “المؤسسة الوطنية الليبية للنفط”.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018، أجرى وزير الاقتصاد والصناعة الليبي “ناصر شجلان” محادثات مع المسؤولين الروس حول إحياء مشروع سكة ​​حديد بنغازي-سرت.

كما أن استيلاء مجموعة “فاغنر” على حقل الشرارة النفطي في صحراء مرزق بغرب ليبيا في يونيو/حزيران 2020 يعزز وجودها في قطاع النفط في البلاد.

وإذا تم رفع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا في نهاية المطاف، فقد تحصل روسيا أيضا على عقود لبيع طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي صاروخي.

ومن منظور طويل الأجل، يواجه نفوذ روسيا في ليبيا تحديا من خلال المنافسة من أصحاب المصلحة الخارجيين وقيود القوة الناعمة.

فعلى الرغم من أن الإمارات دفعت رواتب مجموعة “فاغنر” كما يُزعم، وأن المساعدة اللوجستية المصرية سهلت دخول روسيا إلى ليبيا، إلا أن هذا التعاون قد لا يمتد إلى فترة ما بعد الصراع.

ويكشف تنسيق الإمارات لانسحاب “حفتر” من مؤتمر السلام في موسكو في يناير/كانون الثاني 2020، وعرقلة تعيين وزير الخارجية الجزائري المتحالف مع الكرملين “رمطان لعمامرة” كمبعوث خاص للأمم المتحدة إلى ليبيا عن مصالح دبلوماسية متباينة.

وقد يعيق مشروع مصر لتدشين خطط سكك حديدية عبر أفريقيا، والذي يتضمن ربط بنغازي بالكونغو، عودة السكك الحديدية الروسية إلى ليبيا.

وتواجه روسيا أيضا منافسة شديدة مع تركيا، التي لديها 16 مليار دولار من العقود المتراكمة مع ليبيا، وفرنسا وإيطاليا اللتين تمتلكان حصصا كبيرة في صناعة النفط الليبية عبر “توتال” و”إيني”، والصين، التي تعتبر ليبيا جزءا مهما في مبادرة الحزام والطريق.

وتعاني روسيا أيضا من عجز في قوتها الناعمة بليبيا.

فقد بدأ تآكل صورة روسيا في ليبيا مع مقتل “القذافي” في أكتوبر/تشرين الأول 2011؛ حيث تجنب “المجلس الوطني الانتقالي”، الذي تولي السلطة آنذاك، العقود التجارية مع الدول التي عارضت تغيير النظام، مثل روسيا والصين.

على الرغم من أن الإمارات دفعت رواتب ميليشيات “فاغنر”، يكشف تنسيقها لانسحاب حفتر من مؤتمر السلام في موسكو في  2020، وعرقلة تعيين الجزائري لعمامرة المتحالف مع الكرملين  كمبعوث أممي إلى ليبيا عن مصالح متباينة

كما ساهم في تشويه صورة روسيا في ليبيا استخدام مجموعة “فاغنر” للألغام الأرضية في منطقة سرت-الجفرة، والتي لا تزال تحصد أرواح المدنيين بشكل متكرر، واتهامات وزير الداخلية الليبي السابق “فتحي باشاغا” باستخدام الأسلحة الكيماوية من قبل قوات مجموعة “فاغنر”.

كذلك، فإن التصور القائل بأن روسيا تدعم الاستبداد في ليبيا، والذي تعزز في يوليو/تموز 2019 باعتقال السلطات في طرابلس اثنين من عملاء مجموعة “فابريكا ترولي” الروسية المتحالفين مع رجل الأعمال المقرب من الكرملين “يفغيني بريغوغين” بتهمة التدخل السياسي، زاد من تلطيخ سمعة موسكو في غربي ليبيا.

موقع استراتيجي ورباح معاكسة

وللتغلب على هذه الرياح المعاكسة، يمكن لروسيا إنشاء قاعدة عسكرية في ليبيا، وتمكين المرشحين الموالين للكرملين في الانتخابات الليبية.

فمنذ أن عرض “القذافي” على روسيا قاعدة بحرية في بنغازي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، نظرت موسكو إلى ساحل شرق البحر المتوسط ​​الليبي كموقع استراتيجي مهم.

وإذا تمكنت روسيا من الاستفادة من علاقاتها المحلية في شرق ليبيا لإنشاء قاعدة جوية في طبرق أو قاعدة بحرية في بنغازي، فستكون قادرة على إضفاء الشرعية على وجودها العسكري وتقييد النفوذ الغربي في ليبيا.

وبحسب الكاتب بينما يسلط التدخل الروسي الفاشل في الانتخابات الرئاسية في مدغشقر 2018 والحملة عبر حسابات التواصل الاجتماعي بجمهورية أفريقيا الوسطى في ديسمبر/كانون الأول 2020 الضوء على محدوية جهود الكرملين في التدخل في الانتخابات، فإن مكانة “روسيا اليوم”، حسب زعم مثير للنقاش للكاتب، كواحدة من أكثر الشبكات الإعلامية مشاهدة في ليبيا يمكن أن تساعد موسكو على التأثير على الرأي العام قبل الانتخابات.

منذ أن عرض القذافي على روسيا قاعدة بحرية في بنغازي في 2008، نظرت موسكو إلى ساحل شرق البحر المتوسط ​​الليبي كموقع استراتيجي مهم.

وبالنظر إلى أن “حفتر” قد يسعى للتنافس مباشرة أو دعم شخصية مؤيدة له في الانتخابات الليبية في ديسمبر/كانون الأول 2021، يمكن لروسيا حشد آلية المعلومات المضللة وراء المرشحين الأكثر ملاءمة لمصالحها.

ومع تقوية شرعية حكومة “الوحدة الوطنية” المحلية والدولية، تمر استراتيجية روسيا في ليبيا بتحول جذري.

ويختتم الكاتب تحليله بالقول إنه إذ ترغب روسيا في الحفاظ على مجموعة متنوعة من الشراكات المحلية والاستفادة من مكانتها كقوة متوسطية لتأمين عقود إعادة إعمار مربحة. لكن نجاح استراتيجية روسيا يتوقف على قدرتها على إعادة بناء قوتها الناعمة المستنفدة والتغلب على المنافسة الشرسة من أصحاب المصلحة الدوليين المتنافسين في ليبيا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية