في المعارك الانتخابية الأربع الأخيرة برزت ظاهرتان غريبتان: الأولى عدم تحدث أي سياسي عن أن غياب الحسم يعدّ دليلاً قاطعاً على فشل طريقة الانتخابات الحالية. الظاهرة الغريبة الأخرى أنه منذ أكثر من سنتين تقف كتلتان سياسيتان تحملان فكراً مشابهاً جداً، وتخوضان حرب إبادة سياسية.
لقد أعطت الظواهر الغريبة مؤشراتها في الاحتجاجات الكثيرة التي جرت في السنة الأخيرة. فهتافات “فقط لا نتنياهو” استبدلت بـ “نتنياهو مذنب بالوضع”، والنقاش السياسي في إسرائيل يواصل التمترس على المستوى الشخصي. ولكن إذا ما عطلنا البعد الشخصي، فسنبقى مع تفسير واحد – التفسير البنيوي. دولة إسرائيل تعيش في دوامة أزمة تاريخية أصلها في عدم التوافق بين عالم المفاهيم والواقع المتغير بسرعة.
في العام 1948، في أمر طارئ، أقيمت الدولة على أساسات مؤقتة في ظل ارتجال الترتيبات التي بين الدين والدولة، وبين السلطات المختلفة وبين المواطن والدولة. ومع مرور السنين، ألبست المنظومة السلطوية رقعاً فوق رقع من الحلول المؤقتة والسطحية. ولكن الحلول المؤقتة لم تعد تعمل، والساحة السياسية لم تعد قادرة على خلق الحلول. وتتركز بدلاً من ذلك، في سياسة قبلية وشخصية. ونتيجة لذلك، طافت إلى السطح المشاكل العميقة في أثناء المعارك الانتخابية الأخيرة بكل شدتها، ثم أدت بنا مع أزمة كورونا إلى شفا حرب أهلية.
هذه الأزمة التاريخية تضع الواحد أمام الآخر، معسكران لا تفصل بينهما فقط أفكار اليسار واليمين. عملياً،تنقسم الخريطة السياسية الإسرائيلية بين معسكرين يمثلان مباني اجتماعية وتاريخية. من جهة، مؤيدو النظام القديم (ما يسمى يسار – وسط)، ممن يروجون للديمقراطية عبر مفاهيم مثل “حرية التعبير”، “سلطة القانون” و”حقوق الأقليات”. يدعي هؤلاء بأن الديمقراطية ستدمر. وحقيقة الأمر أن ما سيدمر، بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، هو الديمقراطية المعوقة. إذ بالنسبة للعرب مثلاً، فإن “سلطة القانون” هي التي دحرتهم إلى ما وراء جدار الشرعية. بالمقابل، فإن مؤيدي دمار النظام القديم (من يسمون اليمين) يروجون للديمقراطية عبر “سلطة الأغلبية”، ويدعون بأن الديمقراطية المعوقة عملت ضدهم على مدى السنين، وأن “إرادة الشعب” تسمح بتغيير قواعد اللعب وتحويل الديمقراطية المعوقة إلى ديمقراطية معوقة أكثر فأكثر، الديمقراطية التي هي من نصيب أغلبية المواطنين.
في أزمة كورونا انهارت أمام أعيننا القشة التي قامت عليها مؤسسة الدولة الإسرائيلية. كل واحد من الطرفين تمترس عميقاً أكثر في مفهومه العليل للديمقراطية، ولم يقترح أي طرف بعد جمع وربط أجزاء الفكرة الديمقراطية في إطار فكري واحد يمكن صياغته في دستور فقط. الوضع الحالي فرصة تاريخية لخلق تغيير في التفكير. لهذا الغرض ينبغي ترك محجرات عالم المفاهيم القديم والانتقال من التركيز على ذنب زعيم واحد إلى التركيز على طريقة الحكم نفسها التي لا تسمح لنا بأن نتجاوز هذه الأزمة.
هذه طريقة سياسية سيئة تسمح لرئيس وزراء واحد بأن يحكم لزمن طويل جداً، وفي بعض الوقت، حتى وهو تحت لوائح الاتهام؛ هي طريقة أدت لأن تصمم مجموعات ضغط سياسة الصحة العامة؛ طريقة عمقت الاستقطاب. علينا البدء بالبحث في مسائل جديدة: أي نظام سياسي جديد نريد؟ أي طريقة انتخابات كفيلة بأن تضمن تمثيلاً لمصالحنا المدنية؟ كيف سيكون ممكناً خلق توافق وطني حول قواعد اللعب السياسية؟
لقد أثبت الاحتجاج في السنة الماضي بأن إسرائيل مجتمع معافى، محجوز في جسد مريض. مؤسسة الدولة بحاجة لتغييرات بنيوية، حان الوقت للخروج في نداء لتغيير طريقة الحكم والبدء من جديد.
بقلم: البروفيسور آفنر بن زكان
معاريف 2/5/2021