«في انتظار الطوفان» هي الرواية الثانية للروائية الغوادولوبية ماريز كوندي التي تصدر عن دار الآداب، بتعريب معن عاقل، بعد رواية أولى هي «أنا تيتوبا» صدرت عن الدار نفسها، بتعريب محمد آيت حنا. وإذا كانت تناولت في الأولى تجارة الرقيق في الغرب الأمريكي، خلال القرون الوسطى، وما ترتّب عليها من نتائج وخيمة، حفرت عميقاً في تاريخ البشرية، فإنها، في الثانية، تتناول الصراع على السلطة في جزر الكاريبي، أواخر القرن العشرين، وهو صراع ينزلق إلى درك الحرب الأهلية في بعض الجزر، ويختلط فيه السياسي بالقَبَلي بالاجتماعي، ويتمخّض عن نتائج خطيرة على الإنسان والمكان.
خمس حكايات
تشتمل الرواية على خمس حكايات لخمس شخصيات مختلفة، تتمتّع بالاستقلالية النسبية، تتقاطع في بعض الأحيان، وتتعالق في ما بينها لتشكّل الحكاية العامة. على أن الاختلاف يطغى على التقاطع، ويتمظهر في الهوية والعمل والإقامة والمسار والمصير. وعليه، تجمع الرواية بين: باباكار تراوري، طبيب التوليد الافريقي الأصل. موفار، الشاب الهاييتي المطارَد. فؤاد، المهاجر الفلسطيني الناجي من مجزرة صبرا وشاتيلا. رورو ميجي، الرسام الهاييتي ضخم الجثة الذي يسخر منه الآخرون، وتسلبه العصابات حبيبته وفنّه. وستريلاّ أوفيد، ضحية الصراع على السلطة التي تفقد أباها وأمها وأختها تباعاً، وتتزوّج من أحد زعماء العصابات المحليين. وبذلك، يكون على كل شخصية أن تعيش مسارها الوعر، وتؤول إلى مصيرها الخاص. ولعل هذه الخصوصية، وتلك الوعورة، هما ما تشترك فيه الشخصيات المختلفة. ويتمظهر المشترك في الانتقال القسري من مكان إلى آخر، وفي الفشل في الحب، وفي الخضوع للظرف العامة. فهذه الشخصيات نادراً ما تصنع أقدارها، وغالباً ما تكون صنائع هذه الأقدار.
بالدخول إلى الحكايات الخمس، في علاقاتها المتراوحة بين التفرع والتكامل والتقاطع والتوازي، نشير إلى أنّ حكاية باباكار تراوري هي الأطول فيها، والأكثر تواشجاً مع سواها، وأنّ حكاية رورو ميجي هي الأقصر والأقل تفاعلاً. وبين الحكايتين تتموضع الحكايات الثلاث الأخرى. على أن الطول أو القصر مسألة كمّية، ولا تتعلّق بأهمية الشخصية الروائية، ما يدخل في باب النوع بامتياز. وبمعزل عن طول الحكاية أو قصرها، تتمخّض الحكايات الخمس عن خمس شخصيات، من مناطق مختلفة، تجمع الصدفة الروائية إحداها بالأخرى تباعاً، تتفاعل في ما بينها، بشكل أو بآخر، ويكون لكلٍّ منها مسارها الذي تصنعه الظروف المحيطة بالشخصية، أكثر ممّا تصنعه الشخصية نفسها.
الأصدقاء الثلاثة
في هذا السياق، نتعرّف إلى باباكار تراوري، طبيب التوليد المالي الأصل، المقيم في بلدة الغراندور في جزيرة غوادلوب، منطوياً على نفسه، غارقاً في عزلته، حتى إذا ما طرق بابه موفار، الشاب الزنجي الهاييتي، ذات ليل عاصف، طالباً المساعدة لامرأة تحتضر، تشكّل هذه الواقعة بداية علاقة بين الشخصيتين، تتطوّر إلى صداقة يعززها اهتمامهما المشترك بالمولودة التي وضعتها المرأة قبل أن تفارق الحياة، وسعيهما إلى تنفيذ وصيّتها القاضية بإعادتها إلى مسقط رأسها في هاييتي. وفي هذا الإطار، يلتقيان بفؤاد، الفلسطيني الناجي من مجزرة صبرا وشاتيلا، وتغدو الصداقة ثلاثية، فيلازم الأصدقاء الثلاثة بعضهم بعضا، ويجتمعون على الأهداف نفسها، إلى أن يُفرّق بينهم مجرى الأحداث. وإذا كانت الحكايات الثلاث العائدة لهم تتعالق في عدّة محطات، فإن علاقتها بالحكايتين الأخريين هي علاقة عابرة، ما يجعل بطولة الرواية مقتصرة على هؤلاء الثلاثة، في ما تلعب الشخصيتان الأخريان دوراً ثانوياًّ عابراً في مجرى الأحداث.

ماريز كوندي
تجارب قاسية
يتحدّر باباكار من أصول افريقية، ويولد في أسرة متعلّمة لأبٍ ماليٍّ وأمٍّ غوادولوبية، ويقوده تفوّقه الدراسي إلى دراسة الطب النسائي في جامعة مونتريال، حتى إذا ما التقى بحسن المتحدّر من عائلة ملكية، من جهة أبيه، وعائلة مقاومة للاستعمار، من جهة أمّه، ويشغل منصباً رفيعاً في خارجية بلاده، يقنعه الأخير بالمجيء معه إلى مدينته إبيرينا والعمل فيها، ما يُشكّل نقطة تحوّل في حياته، ويكون عليه أن ينخرط في حياة جديدة، بعيداً من جذوره الافريقية، يعيش خلالها الكثير من التجارب القاسية، ويتعرّض للخطف والاعتقال، والطرد، وإخفاء الزوجة وفقدان العمل واحتراق الحبيبة، على خلفية الحرب الأهلية المندلعة في الجزيرة. ويقوم، في المقابل، بكثير من الأعمال الإنسانية، فيتبنّى طفلة المرأة المحتضرة، ويسعى إلى إعادتها إلى ذويها تنفيذاً لوصية الأم، ويعالج المرضى، ويدير مركز توليد في المدينة، وينشئ داراً للأيتام. وحين يضرب الزلزال الجزيرة، خلال مغادرته إلى تنزانيا للإقامة فيها، يقرّر العدول عن السفر، ويعود من المطار للمساعدة مغلّباً واجبه على راحته الشخصية. وهكذا، نكون إزاء شخصية مبدئية، تقوم بما يمنح حياتها المعنى، تتحمّل المصاعب والمخاطر، وتلتزم المبدأ على حساب المصلحة الخاصة.
الأمر نفسه ينطبق على موفار وفؤاد، مع الاختلاف في درجة الالتزام ونتائجه؛ فالظروف القاسية التي يعيشها موفار، المتمثّلة في: اختفاء أبيه وأمّه صغيراً، انضمامه إلى العصابات الصغيرة، مقتل صديقه، هربه إلى جزيرة أخرى، لا تحول دون قيامه بمدّ يد العون إلى الآخرين حتى التضحية بالنفس. فيساعد رينيت، الفتاة الجميلة الحامل الفارّة من هاييتي بعد مقتل رفيقها الصحافي، ويقوم على خدمتها ورعايتها، ويحبّها رغم حبّها آخر، ويسعى إلى تنفيذ وصيتها بالتعاون مع صديقيه. وحين يحاول جلاء مصير حبيبته رينيت، وإعادتها إلى الحياة بواسطة العرّافة يُقتل دون محاولته.
مساعدة الآخرين
في المقابل، فإنّ الظروف القاسية التي يعيشها فؤاد لم تحل دون مساعدة الآخرين ومشاركة صديقه باباكار في التضحية براحته في سبيلهم؛ ففؤاد الناجي من مجزرة صبرا وشاتيلا، الذي يعرف التشرّد وسوء المعاملة صغيراً، ويعيش مقتل ربّ عمله ومصادرة حبيبته شاباًّ، لا يتوانى عن تعليم مريام وجهيرة، شقيقتي موفار، وحماية هذا الأخير وتهريبه إلى جزيرة أخرى حين يحيق به الخطر. وينخرط مع صديقيه الآخرين في تنفيذ وصية رينيت وإعادة ابنتها إلى بلادها. وحين يقرّر السفر مع الطبيب باباكار إلى تنزانيا للإقامة فيها، ويعدل الأخير عن قراره قياماً بواجبه الطبي الإنساني، يأبى أن يترك صديقه قائلاً له: «ما بيننا يجمعنا في الحياة والممات». وهكذا، إذا كانت الشخصيات الثلاث مسيّرة في مساراتها، تقع عليها الأحداث وتؤثر فيها، فإنها مختارة في مصائرها إلى حدٍّ كبير؛ فيذهب موفار إلى مصيره متحمّلاً مسؤولية خياره، ويغلّب باباكار وفؤاد الواجب على المصلحة الخاصة، ما يعني أن الوقائع القاسية التي تعيشها الشخصيات الثلاث لم تحل دون تمسّكها بمثاليتها.
إجهاض الحب
على أنّ قاسَماً مشتركاً آخر يجمع بين الأصدقاء الثلاثة هو المصائر الفاجعة لعلاقات الحب التي انخرطوا فيها؛ فموفار تموت حبيبته رينيت خلال الوضع. وباباكار تختفي زوجته أليزيا الحامل بطفله، خلال الحرب، بفعل فاعل، وتحترق حبيبته جهيرة. وفؤاد يصادر أحد تجار المخدرات المقرّب من السلطة حبيبته الأولى كوكا، وتحترق حبيبته الثانية مريام في حريق القصر المفتعل. وهذه المصائر تدفع إلى الاستنتاج باستحالة الحب في ظروف غير مؤاتية، وقدرة السلطات الخارجة على القانون على إجهاض العلاقات الجميلة قبل أن تؤتي ثمارها.
في مواجهة الشرور الكثيرة، البشرية والطبيعية، التي يغوص فيها العالم المرجعي في الرواية، قد يكون الطوفان حلاًّ مناسباً للقضاء عليها، ولذلك، تراهن ماريز كوندي عليه، وتنتظره بفارغ الصبر. فهل يأتي بعد طول انتظار؟ وهل ثمّة نوحٌ يلوح في الأفق؟
كاتب لبناني