شهر رمضان في مخيم صبرا وشاتيلا في لبنان فقر والرهان على المبادرات التكافلية

عبد معروف
حجم الخط
0

تزداد حالات الفقر والعوز في صفوف اللاجئين الفلسطينيين داخل مخيم صبرا وشاتيلا قرب العاصمة بيروت، خلال شهر رمضان المبارك، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في نسبة البطالة وأسعار المواد الغذائية والتموينية.
ويبلغ عدد سكان المخيم حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حوالي 11010 لاجئ بالإضافة إلى أكثر من 4 آلاف نزحوا خلال السنوات الأخيرة من سوريا.
حلّ شهر رمضان المبارك هذا العام يحمل معه العديد من المشكلات التي يعيشها المخيم، فبين وضع أمني هش، واقتصادي صعب يحار اللاجئ الفلسطيني في إيجاد السبل التي تؤمن له لقمة العيش وحياة كريمة وآمنة.
فالوضع الاقتصادي يتفاقم سوءاً ونسبة البطالة المرتفعة في صفوف الفلسطينيين، وحرمانهم من العمل، وما يرافق ذلك من تقليصات لوكالة «الأونروا» واهتراء للبنية التحتية في المخيم، كل هذا ينغص على اللاجئين فرحة الشهر الكريم.
وينشغل الفلسطينيون في صبرا وشاتيلا بكيفية تأمين الإفطار، بعد أن شهدت الأسواق ارتفاعا حادا في الأسعار، ومع غياب تام لمظاهر الفرح والزينة التي كانت تعم المخيمات وترافق استقبال الشهر الفضيل.
قال بائع عصير يقف عند المدخل الشمالي لمخيم صبرا وشاتيلا «إن البطالة وارتفاع الأسعار يؤثران حتماً على الحركة التجارية، فليس كل أبناء المخيم يمتلكون القدرة حتى على شراء التمر وعصير برتقال والجلاب والخضار واللحوم، ما دفع التجار وأصحاب المحلات إلى تقديم عروض تجارية للمستهلك».
ورغم حالات البؤس والعوز، لا يخلو المخيم من أجواء الرحمة التي تنتعش في رمضان، كانتشار المطابخ الخيرية وازدياد عمل الجمعيات التي توزع المؤن على المحتاجين، وفي هذا السياق ينشط مطبخ شهداء المخيم في تأمين وجبات الإفطار لعدد من المحتاجين.
علي طه، بائع للمشروبات الرمضانية، كالجلاب والسوس والتمر، يبلغ من العمر 52 عاماً، وهو من بلدة دير القاسي بفلسطين، ولد لاجئًا كالعديد من أترابه، بعيداً عن وطنه الأم، ويعيش في مخيم صبرا وشاتيلا منذ ولادته.
كان طه يعمل في البناء، لكنه تعرض لحادث ترك آثاره على حالته الصحية، وأحدث عنده آلاماً في الظهر منعته من متابعة عمله في البناء، ما جعله يبحث عن مهنة أخرى.
يقول علي طه الذي وجد رزقه في بيع المشروبات الرمضانية: «منذ عشرين عاماً وأنا أبيع المشروبات الرمضانية، لكنه لم يمر علي عام كهذا العام، فنسبة المبيعات جداً متدنية، مع أن هذه المشروبات كالجلاب والسوس والتمر، يفضلها الناس في هذا الشهر الكريم، وسبب تدني نسبة المبيعات هو الفقر وارتفاع عدد العائلات المعففة والمحتاجة، فكل هذه الأمور تؤثر سلباً على الناس، وينعكس ذلك أيضاً على حركة السوق والمبيعات».
يضيف: «أما عن سعر قنينة أي نوع من الأنواع فهو خمسة آلاف ليرة لبنانية فقط، علماً أنا من يعمل على إعدادها، أشتري البضاعة فقط، بضاعة التمر والجلاب حتى أتمكن من بيع القنينة بسعر متدني لأضمن بأن يتم شراؤها».
المخيم هو البيت الوحيد الذي يجمع الفلسطينيين خارج وطنهم، وهو عنوان لحق العودة الذي لا عودة عنه، لذلك يرى الفلسطينيون ضرورة التمسك بالمخيم والحفاظ على أمنه واستقراره حتى تتحقق العودة إلى وطنهم.
وطه وعدد كبير من الباعة الذين كانوا ينتظرون هذا الشهر المبارك بفارغ الصبر لم يثمر انتظارهم ما كانوا يتمنونه، غير أنهم يقولون: «إن الحياة يجب أن تستمر وستستمر بكل الظروف التي نمر بها، ومهما حصل من انتكاسات هنا أوهناك، سأظل أجهز المشروبات التي لطالما انتظرني العديد من الناس حتى أبيعهم إياها، ولن أكل وأمل مهما كانت الظروف صعبة».
في هذا السياق، دخلت «القدس العربي» منزل الحاجة أم فايز، وهي من سكان مخيم صبرا وشاتيلا، وكان السؤال كيف تؤمن وجبة الإفطار لأسرتها خلال شهر رضمان، فأجابت «من وين يا حسرتي، عايشين بفقر وعذاب وقهر، ننتظر وجبات الإفطار التي تقدمها الجمعيات الخيرية».
وضع الحاجة أم فايز شبيه بأوضاع معظم سكان المخيم، برادات فارغة من الخضار واللحوم، وكل ما يتعلَّق بهذا الشهر الفضيل.
أما جارتها أم وائل الخطيب فوصفت واقع اللاجئين الفلسطينيين في المخيم بالكارثي. وقالت بأن الهم الذي يشغلها كمعظم الأهالي هو تفقَّد الجمعيات والمؤسسات الخيرية لتسجيل أسمائهم علَهم يحظون على حصة غذائية يمكن أن تسد الرمق لأيام.
وتضيف وهي تتكلم بحرقة من معاناتها، وتشكو بأنها لا تستطيع تأمين ثمن الاحتياجات الغذائية الضرورية خلال شهر رمضان بعد زيادة أسعارها إلى الضعف.
ويطالب الناشط الشبابي والإعلامي الفلسطيني زياد مرة، ميسوري الحال من الفلسطينيين في لبنان والخارج، التكافل ومساعدة العيل المتعففة.
وأجابت خديجة فستق، ردا على أسئلتنا «زينة مائدة رمضان (الفتوش والبطاطا المقلية والشوربة) سيكون من الصعب توفرها على مائدة الإفطار طيلة أيام الشهر الفضيل». إضافة إلى القطايف والجلاب ستفتقد مائدتها هذه التشكيلة، لأن ثمنها أصبح مكلفا.
وأمام هذا الواقع المعيشي المأساوي في المخيم، بادرت شخصيات وجمعيات خيرية، ومؤسسات اجتماعية محلية ومن دول أوروبا لتوزيع المساعدات الغذائية والسلل التموينية للاجئين الفلسطينيين لمواجهة الأعباء التي يتعرضون لها خلال شهر رمضان.
وانطلقت المبادرات الأهليّة والشبابية والتطوعيّة في مخيم صبرا وشاتيلا كما في باقي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مع بداية الأيّام الأولى من شهر رمضان الجاري لتقديم المساعدات والحصص التموينية والطرود الغذائية ووجبات الافطار، ومن هذه المبادرات مبادرة «نحن لبعض» التي تستهدف العائلات الفلسطينية المهجّرة من سوريا حيث تحاول الحملة تأمين أدوية، علاجات طبيّة، وإغاثة بكافة أنواعها لـ 400 عائلة عن طريق التبرّعات.
ويبرّر الناشط الشبابي الفلسطيني، إبراهيم المدني، سبب القيام بهذه المبادرات الإنسانية قائلاً: «هذه المبادرات تأتي بعد أن تفاقمت حالات الفقر والعوز خلال هذه الأيام المباركة، وبعد تقاعس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين الأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية تجاه قضايا اللاجئين في مخيمات لبنان وتحديداً مخيّم صبرا وشاتيلا، وبسبب الظروف الاقتصادية الراهنة مروراً بجائحة كورونا وانعكاساتها على الأسر داخل المخيّم».
كما تقوم الحملة على متابعة ورعاية الأيتام وتقديم ثياب لهم. ويضيف المدني: «أخذنا على عاتقنا طوال أيام الشهر الفضيل عدم ترك أي عائلة بلا طعام وتحديداً إذا كان لديها أطفال».
وأشار إلى مبادرات أخرى انطلقت في المخيمات منها «طبخة الخير» إلّا أن هذه الحملات على الرغم من أهميتها وتنوّعها لا تغطي حاجات الجميع، إذا أنّ حاجة الناس كبيرة في ظل ارتفاع الأسعار وتدني القدرة الشرائية وغياب دور المعنيين، حسب المدني.
وقامت «الهيئة الخيرية لإغاثة الشعب الفلسطيني» بالتعاون مع المؤسسة التركية ‏»iHH iNSANi YARDIM VAKFI» بتوزيع طروداً غدائية لـ420 من العائلات الفلسطينية ومن ذوي الاحتياجات الخاصة والأمراض المزمنة.
وقال مدير الهيئة الحاج أبو صالح، لـ»القدس العربي» إن الجمعية اطلعت على حجم المعاناة التي تعيشها العائلات الفلسطينية، والظروف الصعبة التي يرزخون تحتها، وبادرت قدر المستطاع لتقديم مساعدات للعائلات الأكثر فقرا ولذوي الاحتياجات الخاصة والأمراض المزمنة.
مضيفا، قدمت الجمعية طرودا غذائية من خلال الهيئة الخيرية لإغاثة الشعب الفلسطيني، وبالتعاون مع جمعية الإحسان للإغاثة الإنسانية، وهيئة الإغاثة التركية IHH. معربا عن أمله أن يكون هذا العمل الذي وصفه بالمتواضع قد ساهم في إدخال السرور والفرح على تلك الأسر.
وتقوم آلية العمل التي أطلقتها الجمعية، في الأيام الأولى من شهر رمضان، عن طريق وضع سلال لجمع التبرعات الإغاثية والمالية في بعض المحلّات، على أن يتم جمعها وترتيبها وإعادة توزيعها في الجمعة الثالثة من شهر رمضان. إضافةً إلى متابعة جميع العائلات المحجورة وتقديم الطعام لها بشكل يومي مع المتابعة الصحيّة وتأمين الأدوية، وتوزيع وجبات طعام، مطبوخة ونيئة، على العائلات الأخرى، عدا عن توزيع حصص غذائية خلال الشهر، ومبالغ نقدية للأطفال.
يُذكر أن مبادرات رمضانية أخرى، قائمة على التبرعات، قد انطلقت في مخيمات أخرى، ومنها «شباب الخير» في مخيم البص، مطبخ «ويطعمون الطعام» في مخيم برج الشمالي، «مساهمون» في تجمع المعشوق قرب مدينة صور جنوب لبنان، وحملة «ممنوع حدا يجوع» في منطقة البقاع شرق، وغيرها.
ودعت الفصائل واللجان الشعبية الفلسطينية في مخيم صبرا وشاتيلا التجار إلى اعتماد مبدأ الربح القليل، وتيسير أمور الأهالي في المخيّم والتسامح معهم.
وجاء ذلك في بيان أصدرته الفصائل واللجان أول أيام شهر رمضان، جدّدت من خلاله مطالبتها وكالة غوث تشغيل اللاجئين الفلسطينيين، تقديم خطّة إغاثية عاجلة، وبدعوة القيادة الفلسطينية، وخاصة منظمة التحرير الفلسطينية، التدخل والتحرك الضاغط على الوكالة والمجتمع الدولي والدول المانحة لتقديم التمويل اللازم لخطة طوارئ إغاثية مستدامة للأهالي في صبرا وشاتيلا وكافة المخيمات الفلسطينية في لبنان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية