شعرنا المعاصر إلى أين؟ (12): راهن الشعر في البحرين يمرّ بحالة التشظّي والنغمة المواكبة

لا يُذكر الشعر في البحرين إلا ولاح شبح قاسم حداد، لا المُخيف بل الحارس الذي يشف عن بلاد ضوء واعدة. ومع ذلك، قد يتحول هذا الشاعر العربي المؤسس، والأكثر قيمةً بين مجايليه، إلى حجاب؛ ففي بلد لا يتنفس إلا الشعر، والفنون التي عليه مسكونة بمرض الشعر، يمكن أن نكتشف تاريخا إبداعياً لافتا، ينشده غواصون وبحارة فرحون وحيارى، على تنويعات العمود والموال والأبوذية والأزجال، بل نكتشف اليوم حساسيةً جديدةً ترفد صيرورة الحركة الشعرية في البحرين. وإن كانت تشتغل كجزر معزولة لا يجمعها ـ كما قيل – مشروع جدلي ورؤيوي متقارب؛ فهي تنتظم من «شعراء التشظي» بديلًا من «الاجتماع الشعري» الذي عُرفت به أجيال شعرية سابقة منذ السبعينيات وما تلاها من القرن العشرين، وساهمت في الارتقاء بالوعي الشعري إلى غير رجعة.

جعفر حسن: على مسطبة الشكل

في مقاربة نحو الشعر في البحرين، سنجد أن هناك توزعا للمنتج الشعري على مستويين، رأسي وأفقي. ولعلنا نجد أن التقسيم الأفقي أوسع من حيث الشمول من جهة، وربما الوضوح من جهة أخرى، وبذلك نرى إلى انقسام الشعر إلى قسمين كبيرين من حيث علاقته في البحرين بالفصحى وشقيقتها العامية، فكأنه توزيع نبع من جوهر اللغة ذاتها، وهو تقسيم ربما يشمل الوطن العربي برمته أيضا. وإذا ما شئنا نوعا من الصرامة المنهجية، فيجب أن نعترف بأن هناك قصائد فصحى شملت بعض أشكال الشعر الشعبي، لكنها قليلة نسبيا كما نرى. وقد كتب الشعر العامي (وأقول هنا بالعامي، لتمييزه عن الشعر الشعبي مجهول القائل) الذي كان يُغنى في المواويل بعذابات الغواص، ويشهر زفراته، وقد كتب بأشكال وتنويعات العمود والموال والأبوذية والأزجال، وفي شكل ما بات يعرف بالنبطي مؤخرا وحتى في التفعيلة، وقد ورثت هذه القصائد كل مميزات العامية ومشكلاتها أيضا، والتي عالجت بها اختلالات الإيقاع، لكنها تمتعت بقصب السبق في مجال الأغنية في البحرين.
وفي الفسطاط الآخر يبدو أن شعراء الفصحى، أسسوا لوجودهم في المنطقة التي كان يطلق عليها البحرين منذ ما قبل الإسلام، لكنها كانت تعلي من شأن العمود، على الرغم من لحظات الانقطاع التاريخي، وكان ذلك الشكل الفني للشعر جزءاً مشتركا مع كل الثقافة العربية، وقد امتد العمود على صعيد تجارب شعراء البحرين، فمنهم من كتب في أشكال العمود وتنويعات إيقاعاته، كما تصورها أبو علي المرزوقي، وقد توزع معظم المنتج المحلي في أغراض الشعر القديمة (المدح، الرثاء، الغزل، إلخ) ولم يقف الأمر عند ذلك، وإنما استخدم أصحابها صياغات للجملة الشعرية التراثية، وكذلك كانت الصور البلاغية مستجلبة من التراث، أو مقاربتها شكليا، بينما وقف بعضها على موضوع المناسبات، وتبدو بصورتها تلك مناسبة للاقتصاد التقليدي السائد في تلك الفترة. ونجد استجابة عند شعراء العمود في البحرين لما جدّ على الساحة المحلية من تغيرات، بعد اكتشاف النفط، فلامست بعض القصائد المكتوبة في العمود التطلعات القومية والتحررية، التي نادت بالتخلص من ربقة الاستعمار وتحرير فلسطين، وكذلك الدعوة للنهوض بعد هزائم العرب المتعددة، كما تأثر بعض شعراء العمود بما يصلنا من دواوين وتنظيرات شعرية عبر مجلات وصحف دول المراكز العربية (مصر، العراق، سوريا ولبنان) في تلك الفترة، فظهرت عندنا قصائد رومانسية، لعلها من باب التأثر، وفي الوقت ذاته، التي كانت فيه استجابة لتلك التطورات الاقتصادية (اكتشاف النفط) وكانت تسير بشكل موارب، ربما نحو الواقعية التي لم تجترحها حتى تحولات الشعرية العربية.

موضوع الشعر هو ما يعبر عن محليته وآنيته، بينما بنيته هي التي تتيح له الامتداد في المكان الذي يحمله عبر الزمن، ذلك أن المكان أبطأ تغيرا من الزمان.

ومن شعراء البحرين ثلةٌ أسست حركة الحداثة مع نهاية ستينيات القرن المنصرم، فوضعوا قصيدة التفعيلة نصب أعينهم، وقد دخل أصحابها في جدل لا ينتهي مع مؤيدي تيار العمود، الذين كالوا التهم لشعراء قصيدة التفعيلة، إلا أن تلك الحداثة لم تستقم في اتجاه واحد، وإنما أوجدت نقيضها في لحظة انبثاقها، حيث ولدت معها قصيدة النثر، لكن قصيدة النثر لم تدخل في تيارات الصراع النقدية، إلا بعد أن ترسخت، باعتبارها تحوز على كم لا بأس به من خطوط إنتاج الشعرية في البحرين، وقد كان انبعاث تلك القصائد استجابة موضوعية لاشتداد الصراع المحتدم مع المستعمر البريطاني في ذاك الوقت، الذي شهدت البحرين في وقته مجموعة من الانتفاضات الشعبية حتى وقت الاستقلال.
يبدو أن الكتابة في الشكل لا يضمن البتة الانتماء إلى الحداثة، على الرغم من التصور الذي يقول: إن مسألة الشكل ليست أمرا شكلانيا البتة، ذلك أننا شهدنا في نهايات القرن العشرين، اشتداد تيار العولمة برياحه التي باتت تهدد باقتلاع التمايزات التي تخلقها الهوية القومية برمتها، والتي فرضت اتجاها واحدا نحو تدفق السلع من دول المركز إلى الأطراف، بينما منعت الإنسان من الهجرة عبر البحر لدولها، لكنها عمدت إلى ترسيخ انتقال العمالة المهاجرة من بلدان شرق آسيا باتجاه دول الاقتصاد الريعي المعتمدة على النفط، ما فرض على المدن القديمة تحولها إلى مناطق لتلك العمالة. ودون الدخول في الكيفيات التي أثرت في كتابة الشعر نتيجة لتلك العولمة، إلا أننا بتنا نشهد نزوعا لترسخ شكلانية محضة في تيارَيْ الحداثة (التفعيلة وقصيدة النثر) وكانت التحولات أشد في تيار التفعيلة، خصوصا مع تعقد الحياة، والتحول على صعيد المواقف الشخصية، وبروز تيار المثقف المزيف، الذي ساهم في تعميق الأزمة، دون أن يكون له مشروع بديل في المسألة الإبداعية، وبالتالي بتنا نرى قصائد غنائية تتكلم، لكي لا تقول شيئا، وإنما تلعب بالكلمات، ونرى أن تلك القصائد لا تترك وراءها أثرا في الحركة الشعرية، بينما قام البعض من شعراء التفعيلة بالعودة إلى العمود في حركة نكوص، رافقها العودة إلى التنظير له، بينما اقتصر البعض ممن زاوج بين التفعيلة والعامية على كتابة قصائده في العامية. وقد ظل في حركة التفعيلة عندنا، تيار مستمر في تطوير مشروعه المؤسس، الذي ظل يكافح من أجل بقائه، وحتى لا أُتهم بأنني متشائم، أقول إن هذا التيار احتوى على مجموعة كبيرة نسبيا تعدادا على تيار الحداثة المتراجعة، لكن من المهم أن تكون الكتابة كاشفة لكل الوضع بتياراته المتعددة، سواء أعجبنا أم لا، ولعل وجود المشروع الشعري منذ بداية التجربة، ظل يمد البعض ببصيرة أدبية تساعده على الاستمرار، بينما كتب البعض ديوانين أو ثلاثة ثم توقف عن الإنتاج، وليس هذا حكما مطلقا، إذ أن تجربة الشاعر لا يمكن أن يحكم عليها كلية، وهو مازال على قيد الحياة، واحتمالية الكتابة تظل ممكنة. بينما نمت في داخل تيارات قصيدة النثر ما يهتم كثيرا باليومي المعتاد، الذي ينقله إلى فوانيس الدهشة، ولعلنا بشيء من الحرص نقول بتحول قصيدتي التفعيلة والنثر من الذاتية المفرطة إلى الانفتاح والتعبير عن الهم العام في أفقه المزدوج، الذي يقود من المحلية نحو العالمية، أو على الأقل وجود تيار يمثل هذا الاتجاه. ويمكننا التفطن إلى أن موضوع الشعر هو ما يعبر عن محليته وآنيته، بينما بنيته هي التي تتيح له الامتداد في المكان الذي يحمله عبر الزمن، ذلك أن المكان أبطأ تغيرا من الزمان، ولذلك وجدنا في الفترة الأخيرة من يكتب قصائد باللهجة المحلية أكثر التصاقا بوجدان الإنسان في البحرين، وكأن تلك القصائد وأولئك الشعراء يعيدون مجدا كان لها في سبعينيات القرن المنصرم.

كريم رضي: العبث المُجْدي

بحرينياً مضى نحو ربع قرن على دراسة الشاعر والناقد علوي الهاشمي «ما قالته النخلة للبحر» تلك الدراسة التي تمثل مع لاحقتها «السكون المتحرك» دُرة ما كتب في نقد الشعر في البحرين. نقد القصيدة الذي يصل إلى درجة أن يكون قصيدة النقد.
مثالاً لا حصراً، فإن ما يمكن تسميته بـ»الاجتماع الشعري» لسلسلة من شعراء البحرين يمثلون مرحلة «الإحياء» (إبراهيم العريض، الوائلي، الشيخ إبراهيم، عبد الرحمن المعاودة) ثم مرحلة «الحداثة» خاصة لكن ليس حصرا «الثورية الوطنية» منها (سعيد العويناتي، علي عبد الله خليفة، قاسم حداد، علي الشرقاوي، علوي الهاشمي، إبراهيم بو هندي، يوسف حسن، إيمان أسيري، يعقوب المحرقي، حمدة خميس، غازي القصيبي، وآخرون) قد سمح لصاحب دراستـَي «ما قالته النخلة للبحر» و»السكون المتحرك» أن يقيس أمداء الطبيعة والمرأة والإنسان والوطن في نصوص شعراء تباعدت مستوياتهم، واختلفت مشاربهم الفنية والأيديولوجية، لكن هذا الاجتماع مثل أرضية مكنت الناقد من الانطلاق منها لاعتبار تجربتهم كلا متطورا، في أنساق متعددة وسياق واحد، وبحيث يصبح نتاجهم بنية واحدة كبرى، تُمثل تجليات هذه المكونات الأربعة وكأنها مكونات الكون الأربعة المعروفة.

أثق في أن لقاء الشعراء الشباب ببعضهم سيذهلهم ويُقوي تجاربهم. أن يتعلم الخَلَف فضيلة الاجتماع، ويتعلم السَلَف فضيلة العزلة والتفرغ لكتابتهم، وأن تتناوب الفضيلتان على التأثير في الأجيال الشعرية المختلفة.

وبيت القصيد هو أن نشير أنه دون ذلك (الاجتماع الشعري) أي دون أن يكون لأولئك الشعراء فضاؤهم المشترك في الوجود خارج النص، خاصة حين نتحدث عن تجربة أسرة الأدباء والكتّاب، ككيان تأسس آنذاك عام 1969، لم يكن ممكنا أن نرى ما يشبه الكتابة الجماعية للقصيدة، وكأنها جدارية من جداريات أصيلة، وبحيث أنه في مرحلة ما، ومع دواوين أكثر من شاعر، سنجد أنفسنا مع نشيد، بل نشيج وطني إنساني واحد مثل المارش، حيث عناوين «خروج رأس الحسين من المدن الخائنة» «الدم الثاني» «من أين يجيء الحزن» «إليك أيها الوطن، إليك أيتها الحبيبة» «أنين الصواري» «الرعد في مواسم القحط» «عذابات أحمد بن ماجد». من المحزن القول اليوم، إن هذا الاجتماع الشعري مفقود للغاية. وكنا سنقدر أن يكون كل شاعر مشغول عن الكل بنفسه ونصه، لو أننا أمام جبروت العمر الذي يجعل الفرد رهين محابسه، لكن الأمر غير ذلك مع تجربة الشباب، خاصة ما قبل الخمسين، الذين صدرت دواوينهم الأولى في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة. بدأوا جميعا بالتفعيلة، ثم انتهوا إلى النثر، إن كان لهذه الإشارة معنى يشي بجدية ما. احتفت تجاربهم الأولى بالوطن والإنسان. أحسبُ أنني قلت غير مرة «لقد قذف جيل تأسيس الحداثة جرثومة الوطن والإنسان في تجربة الشعر البحريني مرة واحدة وإلى الأبد». عبروا جميعا مخاضات ما عُرف بـ»الربيع العربي» بين هلالين إن شئتم. لكن ما الذي لدينا اليوم من هذه المجموعة كمجموعة. مهدي سلمان، وضحى المسجن، أحمد رضي، أحمد الستراوي، علي الجلاوي، زينب المسجن، جعفر الديري، حسين فخر، سوسن دهنيم.
في عام 2010 ومع مهرجان الشعراء الشباب في مملكة البحرين، أصدرت أسرة الأدباء والكتاب لهم مجموعة مشتركة بعنوان «في صحة الفراغ». الحق أن هذا الفعل الجميل لم يُتَحْ للمجموعة الحداثية الأولى المؤسسة لأسرة الأدباء والكتّاب. كُتاب القصة فعلوا ذلك في سبعينيات القرن الماضي، في مجموعتهم «سيرة الجوع والصمت». لكن ليس الشعراء أبدا. لكن كان لهم اجتماعهم خلف الشمس مرة وأمامها مرات. اجتماعهم معا. الأهم اجتماعات السجال حول التجربة. حول الشعر أولا، الشعر في ذاته، ما هو، مفهومه، هويته، التأسيس النظري للمشروع ككل، وتأسيس كل فرد لمشروعه على حدة، إلخ. في البحرين اليوم توجد فرصة لا نظير لها في تاريخ الشعر. لأول مرة يوجد هذا العدد الكبير من الشعراء الجيدين من حيث بنية اللغة والشكل.
ها قد عرضتُ جيل شعراء الألفينات كتابة. مواليد السبعينيات. الآن هناك هذا العدد تقريبا أو أكبر من مواليد الثمانينيات والتسعينيات ثم الألفينات، الذين هم اليوم في العشرينيات والثلاثينيات من العمر. وهذه مجموعة أحدث نصاً وعمراً: مُنى الصفار، وجعفر العلوي، وجنان العود، وبتول حميد، وسمية جميلي، ورنوى العمصي، وملاك لطيف، وعبد الله زهير، وإيمان سوار، وحسين أبو صفوان، وإيمان الشاخوري، وعلي حسن المؤلف، وجمانة القصاب، وعلي العنيسي، وآخرون. نحن أمام عدد كبير مع ملاحظة الحضور اللافت للأصوات النسائية، وهذا أيضاً له دلالة عميقة على راهن شعري يتغير ويتطور أفقياً ورأسياً. وفي هذه المجموعة عدد لا بأس به قادر على الكتابة في مستوى تنعدم لديه أخطاء البدايات في اللغة وفي الإيقاع، كما أن طابع الحداثة شكلياً يدمغ أغلب هذه التجارب. ولا غرو، لقد كانت البحرين دائما بلد الشعر لا السرد، مع احترامي لكل كُتاب السرد. سردنا أيضا مصاب بالشعر، حتى يكون الوضع مريحا لأنصار نظرية الشعر. حيث الشعر ما بعد البنيوية ليس في النص، في التلقي. في ما يحسبه القارئ شعرا. حيث إذا مات الشعر فثمة أرواح احتياطية له في السرد والسينما والكلام. هي بلد الشعر شاء من شاء. منذ جلجامش الذي جاء دلمون ملكا يبحث عن خلود الجسد فسرقت منه زهرة الخلود ومنحته خلود الزهرة المصنوعة من الكتابة ليس إلا. حتى الآن لم تبدع البحرين سردا يضاهي ما في الحواضر العربية. لستُ قلقا كثيرا من هذه السياقات. أخشى فقط من عدم الاكتراث بالتأسيس للمشروع فردياً وجماعياً. أثق في أن لقاء الشعراء الشباب ببعضهم سيذهلهم ويُقوي تجاربهم. أن يتعلم الخَلَف فضيلة الاجتماع، ويتعلم السَلَف فضيلة العزلة والتفرغ لكتابتهم، وأن تتناوب الفضيلتان على التأثير في الأجيال الشعرية المختلفة. بصرف النظر في ما لو كان هذا بعيداً عن سمات المرحلة الشعرية الراهنة، لئلا نتصور أن الكلام هنا ربما يكون مجرد «نفخٍ في جِربة مقضوضة». وإنْ قيل لي: إنه عبثٌ. أقول: لكنه عبثٌ جميلٌ ومجدٍ على كل حال.

عبدالله زهير: ظواهر نصية

منذ ما يقارب العقدين من الزمن، جرت تحولات كثيرة، وبعضها قد يُعَد إيجابياً ينهض بجسد الشعر وروحه، والبعض الآخر مضراً للشعر بصفته صناعة فنية معرفية متماهية بالبُعد الوجودي والكياني للإنسان المعاصر، لا مجرد هواية لتفريغ العواطف والمشاعر المكبوتة. إذ صرنا ننظر إلى الفعل الشعري كآلية للفضفضة الكتابية، أو كمدونة للبوح الغرائزي والوجداني، دون أن يُتجاوَز هذا المستوى إلى أبعد منه. ثمة وفرة هائلة في الفعاليات التي تتضمن الإلقاء الشعري وفي النشر الورقي والإلكتروني، لكن حضور الكم لا يعني بالضرورة حضور النوعية بمقدار لا بأس به، يتناسب مئوياً مع حجم الكم. لا مصادرة لحق أحد في الكتابة، إذ لا يجوز أن نمنع الطفل من أن يخربش ويرسم بحرية لا نهائية، إلا أننا نقصد أن نسأل: هل ظاهرة «الانفجار النصي المهول» أنتجت لنا في المحصلة نصوصاً لها اتجاهات واختراقات بارزة قادرة على إقناع القارئ المهتم بنضجها الفني، واكتمال عناصرها ومكوناتها؟ وهذا السؤال يجرنا إلى سؤال آخر حول أفق ما يكتبه بعض الشعراء بالطريقة التقليدية السطحية بجميع الأشكال، وإن كان الموزون العمودي هو الأكثر بروزاً، إلا أن ثمة من يكتبون بنسق تقليدي حتى وهم يكتبون ما يُسمى بالتفعيلة وشعر النثر، وتلك لَعمري مفارقة عجيبة! وهناك بعض من المثقفين العرب يرون – بنمطية مفرطة – أن منطقة الخليج تعج بظاهرة جر الشعر إلى مفهوم المدارس التقليدية، ومنطق السوق المبتذَل والمعتمِد على الترويج الإعلامي وحسب، وكأنما مجتمعات الخليج كتلةٌ صماء لا اتجاهات أدبية متنوعة تتنافس في الهيمنة في داخلها كما هو حال بقية البلدان! بتعبير أدق، يعتبرونها آخر حصون الدفاع عن هذا النوع الشعري الذي لا أفق له على المستوى الحضاري والحداثي، لكننا نغفل أن تجيير الشعر للأطر التقليدية حاضر بقوة وله مؤسسات ثقافية رسمية وأهلية تدعمه وتُروج له من خلال المهرجانات والمسابقات والمناشط حتى في جغرافيات كنا نعتبرها المراكز الثقافية العربية الكبرى، كالعراق ومصر وسوريا ولبنان، ناهيك من حضوره في بعض بلدان المغرب العربي.

صرنا ننظر إلى الفعل الشعري كآلية للفضفضة الكتابية، أو كمدونة للبوح الغرائزي والوجداني، دون أن يُتجاوَز هذا المستوى إلى أبعد منه.

صحيح أن مسألة صراع الأشكال ينبغي لنا كأجيال شعرية جديدة أن نتجاوزها، غير أنه يجب أن لا ننسى أن مدى حداثة المشهد الشعري وحيويته تعتمدان بالضرورة على صيرورة النظام الثقافي والمجتمعي والحضاري لكل شعب. وظني أن ظاهرة النكوص إلى حالة الإطراب والتقليدانية راجعة إلى درجة الوعي الشعري، عند النخبة المثقفة عامة والمهتمة بالشعر خاصة. صحيح أن ثمة أصوات كثيرة من هذا النوع ربما تتصدر المشهد الشعري في البحرين، وتغطي إعلامياً على الأصوات الناضجة والمنشدة نحو الحداثة، لكن لا ننسى أن الزمن كفيل بغربلة التجارب، وإبقاء القادرة على الاستمرار في تطور رؤيتها ولغتها وصيرورتها وقابلية تلقيها من قبل المتذوقين من ذوي الثقافة الشعرية العميقة المتجددة. إذ لم يبق الآن من تجارب ما بعد الألفين على تفاوت وتباين في مستويي الكَم المُنتَج وجودته سوى القليل، كأحمد رضي ومهدي سلمان ووضحى المُسَجن وسوسن دهنيم وفاطمة محسن وعلي الجلاوي وجاسم حاجي وبروين حبيب وأنيسة فخرو. وهذه مجرد أمثلة قد تنضوي إلى جانبها أسماء أخرى، وبعضٌ منهم قد اكتفى بنشر كتاب واحد، فيما أخذ ينشط في النشر بالمجلات والمنصات الإلكترونية، إضافةً إلى حضور فعاليات القراءات الشعرية مثل كريم رضي مثلاً.
في العقد الثاني من الألفية الثالثة جاءت خضخضة ما يُسمى بالربيع العربي، وأدخلت المجتمعات والأنظمة والنخب المثقفة في مختبر هائل. وكان للبحرين نصيب وافر من ذلك الاختبار والاهتزاز غير الهينين. وكان أنْ طلعت مجموعة من التجارب الشعرية المختلفة، عما يعتمل داخل خضم الظواهر الشعرية المثقلة بالتقليد شكلاً وتجربةً كما أشرنا. ومن هذه التجارب: كاتب هذا المقال، وجعفر العلوي، وملاك لطيف، وبتول حميد، وحسين أبو صفوان، وجنان العود، وسمية جميلي، ومُنى الصفار، وعلي العنيسي، ورنوى العَمْصي، وإيمان سوار، وسيد محمد شُبر. مع تفاوت بينهم في المستويات الفنية. وبصراحة، إن أمامها تحديات حقيقية إن كان لها إرادة إرفاد التجربة بما يحقق لها موطأ قدم في صيرورة الحركة الشعرية في البحرين. إنها في الغالب تنتمي إلى ظاهرة «شعراء التشظي» إذ تشتغل كجزر معزولة لا يجمعها مشروع جدلي ورؤيوي متقارب، وتفتقد إلى ظاهرة «الاجتماع الشعري» وكانت هذه الظاهرة رافعةً من ناحية الوعي والنضوج الشعريين لأجيال سابقة في السبعينيات وما تلاها. أكاد أقول إنها في موقع الهامش المستكين إزاء هيمنة المُوَجهات الاجتماعية والأيديولوجية على أغلب التجارب المتصدرة للمشهد. لكن إلى أي حد يشكل هذا بُعداً إيجابياً لها ينبغي أن تستثمره بكيفية ذكية، إذ يتكئ الشاعر حينئذٍ على دواخله لا على أي شيء خارجي في إثبات تجربته، كما يتوفر على مساحتَيْ حرية وحَيْرة أكثر يوفرهما له الهامش، بالإنصات إلى صوت أعماقهم لا إلى صوت النظام الجمعي، مما يفترض به أن يُنعش حيوية الحالة الشعرية لها كأفراد. لكنها كمجموعة أظن عموماً أن ثمة ما يشير إلى ضعف واختلال وارتباك في صيرورة تجاربها الكتابية، خاصة عندما تتعلق المسألة بالبُعد المعرفي في إثراء هذه المواهب الجديدة. وهذا مبحث آخر ذو شجون له مكان آخر من التفاصيل.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية