ردا على كلام وزير النقل بشأن حوادث القطارات… مشروع قانون لفصل موظفين من العمل بحسب نواياهم
وهم في الطريق لإغداق الثناء على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بسبب تصريحاته الأخيرة، التي هاجم فيها اتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب، لم ينس الكتّاب، خاصة أولئك المناوئين لشيخ الأزهر والباحثين عن “حفرة” له، أن يتعرضوا له بالتلميح تارة، والتصريح تارة أخرى، آملين في تفتيت عزيمته ونزع اعترافات منه لم يتفوه بها ولم يقصدها..
في صحف الجمعة 7 مايو/أيار كان كل شيء معداً بعناية لضرب الإمام الأكبر تحت الحزام تارة، وفوق الحزام تارة، بينما حرص كتّاب على الدفع بولي العهد السعودي لمصاف كبار المفكرين، الذي وصفه الأكاديمي وأستاذ الفقة المقارن في جامعة الأزهر سعد الدين هلالي في تصريحات للإعلامي عمرو أديب بـ”البطل العظيم المغوار والنجم والقمر الساطع في سماء الوطن العربي الأمير محمد بن سلمان”.
واهتمت صحف القاهرة أمس الجمعة على نحو خاص بالإغلاق الذي أقدمت عليه الحكومة في سائر المدن والقرى من الساعة التاسعة مساءً يومياً، ولمدة اسبوعين أملاً في السيطرة على انتشار فيروس كورونا، كما اهتم الكتاب بالثناء على قرار الحكومة، واستنفار الأجهزة الأمنية لرصد مخالفات المقاهي والنوادي، امتثالاً لقرار رئاسة مجلس الوزراء، الذي تم اتخاذه على إثر تزايد عدد الاصابات بالفيروس القاتل.
ومن تقارير المحاكم: تقررتأجيل عدة محاكمات في مجمع محاكم طرة، أهمها، محاكمة المتهمين بأحداث مسجد الفتح، ومحاكمة شقيق حسن مالك في الانضمام لجماعة إرهابية، بالإضافة إلى خلية تفجيرات الساحل.
الشك
أبرز معارك أمس الجمعة خاضها الدكتور عمرو هاشم ربيع في “الشروق” ضد مشروع قانون جيد، يستهدف كما يرى الكاتب الفصل من العمل على “النية”: “أعلن النائب السكندري عبدالفتاح محمد أمين سر لجنة القوى العاملة في مجلس النواب، عن اعتزامه التقدم بمشروع قانون أمام المجلس يقضي بفصل العاملين في الجهات التابعة للدولة، الذين يثبت انتماؤهم لجماعة الإخوان المسلمين أو المتعاطفين معها. وقال النائب إن المشروع سيشتمل على مادة تنص على أنه «إذا حدث شك تجاه موظف يعمل في أي مؤسسة حكومية، بأنه عضو في جماعة الإخوان الإرهابية، أو متعاطف معهم سوف يتم استبعاده بشكل مؤقت، ولو ثبت بعد التحري أنه ينتمي لتلك الجماعة سيتم فصله نهائيا». وقال إن جميع الجهات المعنية ستشارك في البحث والتحري عن هؤلاء الموظفين، على الرغم من أنهم معروفون لدى الجهات المعنية. وقد جاء كل ذلك عقب إشارة وزير النقل في البرلمان إلى أن هناك في الوزارة عناصر من تلك الجماعة، وأن هناك حاجة لتعديل تشريعي لقانون الخدمة المدنية لفصل هؤلاء، ومؤقتا توزيع الفنيين المتطرفين على أماكن عمل أخرى لحين تعديل القانون، الذي سيسمح بالتخلص من هؤلاء. من حيث الشكل يرى الكاتب أن هناك أكثر من إشكالية في هذا الموضوع. فأولا، الحديث هنا هو عن مشروع قانون وليس اقتراح قانون مقدم من عضو، والفرق بين الاثنين هو أن المشروع ستؤخذ عليه موافقة 60 نائبا على الأقل، ومن ثم سيكون التدقيق في النواحى الدستورية فيه متعجلا ومتسرعا، لأنه لن يمر على لجنة الاقتراحات والشكاوى. ثانيًا، المقترح مقدم من نائب حزب مستقبل وطن، وليس من نائب مستقل، ما يعني أن هناك توجها حزبيا من حزب الأغلبية في البرلمان لذلك، ما يجعل الحديث هنا عن سياسة جديدة وتوجه حقيقي، وليس مجرد رد فعل وقتي أو عمل عشوائي متسرع لا يتسم بالتخطيط المسبق”.
الكرة في ملعب الوزير
تابع الدكتور عمرو هاشم الربيع هجومه ضد القانون المحتمل: “مشروع القانون المقترح بدا أنه رد فعل لكلام وزير النقل في البرلمان، الذي اتسم بالذكاء الشديد، فبدلا من أن يلام الوزير من قبل المجلس على نكبات السكك الحديد المتكررة، التى لا تنتهي، راح إلى المجلس وألقى الكرة في ملعبه بمطالبته بسن تشريع سيوقف حوادث القطارات. ثانيا: المشروع رغم ما يبدو عنه أنه متوافق مع قانون صدر عقب 30 يونيو/حزيران 2013 باعتبار جماعة الإخوان إرهابية، إلا أنه يصطدم بأكثر من مادة في الدستور، بل يتنازع مع عديد المبادئ القانونية الواردة في نصوص قوانين محددة، وكذلك أحكام المحاكم، وكلها تطعن بشدة في الأمور التي تجعل ملاحقة الأفراد في المجتمع تتم عبر سياسات الشك والإبلاغ والاتهامات المرسلة والكيدية والانتقامية والتفتيش في النوايا، بغية تصفية الحسابات، سواء بين الإدارة والموظفين (وهذا هو الشق الأقل أهمية)، لكن الأهم هو ما بين الناس أنفسهم، ما سيثير الفتن والضغائن والأحقاد بين الناس، ويجعل الجميع يلتفت خلفه أثناء السير خشية أن يكون ملاحقا من جار أو قريب أو زميل عمل أو صهر أو خلافه. وكل ذلك هو ما فتئت عليه بعض الدول الشمولية قديما، وما زال معمولا به في بعض البلدان القليلة جدا، التى يعد سجلها في مجال حقوق الإنسان الدولي ملوثا وملطخا بالعار والخزي، كإيران أو كوريا الشمالية. ثالثا: مشروع القانون يحول دفة البرلمان لاتجاه آخر، فبدلا من أن يقوم مجلس النواب بتنفيذ المادة 241 من الدستور التي تقول بسن قانون العدالة الانتقالية في الدورة الأولى له، عقب نفاذ الدستور أي بحد أقصى عام 2015، يدعو المشروع البرلمان إلى سن تشريع مضاد لتلك المادة بالكلية”.
أعانه الله
فى أول رد فعل منقول عن الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، من برنامج «الإمام الطيب» دعا إلى (عدم تقديس التراث الفقهى، أو مساواته بالشريعة)، والمعروف كما قالت سحر جعارة في «الوطن»، إن البرنامج تم تسجيله قبل تصريحات بن سلمان.. إذن ما سر «مرونته» مؤخراً، وتغيُّر موقفه من قضايا كانت مغلقة بختم التحريم، مثل النقاب الذي أعلن أنه يدخل في «باب الزينة كالخاتم».. أو الحجاب الذي قال إن تركه معصية أقل إثماً من الكذب؟ ترى الكاتبة أن رئاسته لـ«مجلس حكماء المسلمين»، وهو «هيئة دولية مستقلة، تهدف إلى تعزيز السلم، وترسيخ قيم الحوار والتسامح»، تأسست في دولة الإمارات، التي تتبرع للأزهر أيضاً بما يمكّنه من نشر رسالته إعلامياً (كإنتاج برنامج الإمام الطيب).. هذا الدور ولا أقول «التمويل» جعل الإمام الأكبر أكثر انفتاحاً على العالم.. سيخرج من يقول لي: لكنه تعنّت في قضية «الطلاق الشفهي» ويرفض تجديد الخطاب الديني «داخل مصر».. وهذا صحيح لأن التعامل بقوة التحصين ضد العزل، غير التعامل بالاختيار، نحن لم ننتخب شيخ الأزهر بل جاء بأصوات «هيئة كبار العلماء» التي يختارها هو بنفسه! إذن.. ألم يتغير موقف الدكتور الطيب بعدما أعلن بن سلمان ثورة الإصلاح الديني؟ كل ما صدر عن الطيب هو دعوته لكبار العلماء للاجتهاد الجماعي في 25 قضية جديدة ومعاصرة.. منها القضايا المتعلِّقة بالإرهاب والتكفير والهجرة، وتحديد مفهوم دار الإسلام، والالتحاق بجماعات العنف المسلح، وبعض الأمور السياسية، كالديمقراطية وحقوق الإنسان، والحرية وحدودها، والمساواة الدستورية والقانونية ومشروعية الدستور والبرلمان. والحقيقة أن عناوين القضايا الأخيرة كلها افتئات على سلطة الحكم وتدخُّل في صلاحيات النظام الحاكم، وتجاهل للدستور، لتمتد سطوة الدولة الدينية المزعومة.. فهل يجوز لشيخ الأزهر أن يقول كلاماً ويطبق غيره؟ دعنا ننظر إلى الواقع: حتى الآن لم يصدر عن الطيب حرف يؤيد دعوة بن سلمان للالتزام بتطبيق نصوص الأحاديث المتواترة، والنظر إلى «أحاديث الآحاد» كل حسب صحته وظروفه ووضعه، لأن شيخ الأزهر مقتنع بأن الأحاديث النبوية، بما فيها ظنية الثبوت ظنية الدلالة، هي مكملة للقرآن (ثلاثة أرباع الدين).
غياب الاجتهاد
كانت المناسبة التي تكلم فيها الأمير محمد بن سلمان مؤخراً، مناسبة اقتصادية خالصة، ولكنه كما قال سليمان جودة في “المصري اليوم” جعل منها مناسبة للاحتفال بالعقل والمنطق. الكلام من جانب ولي العهد السعودي كان بمناسبة مرور خمس سنوات على رؤية 2030 التي أعلنها في 2016، وهى رؤية تبحث عن الطريقة التي تجعل من اقتصاد المملكة اقتصاداً متنوع الموارد والمصادر، فلا يعتمد على النفط فقط. غير أن ولي العهد انتهزها فرصة فقال: إن الشيخ محمد بن عبدالوهاب لو خرج من قبره ووجدنا نلتزم بنصوصه، ونغلق عقولنا أمام الاجتهاد، فسوف يكون أول واحد يعارض هذا الشيء. وهذه الجملة تقال بهذه الصيغة في السعودية للمرة الأولى، فلم يكن أحد يستطيع فيها أن يناقش أفكار بن عبدالوهاب بهذه الطريقة، ولا كان أحد يستطيع أن يقول إن النصوص التي تركها ذلك الرجل ليست قرآنا نزل من السماء، وإنها اجتهاد منه، باعتباره بشرا بمثل ما نحن بشر، وأن علينا بالتالي أن نجتهد بمثل ما اجتهد.. لم يكن أحد في السعودية يستطيع ذلك، فما بالك إذا كان هذا الأحد هو الرجل الثاني في البلاد؟ أهمية هذه الجملة أنها تقول إن إعادة فتح باب الاجتهاد ضرورة حياتية قبل أن تكون فريضة دينية، وتقول إننا يجب ألا نكون أسرى نصوص الماضي، إلا أن تكون هذه النصوص قرآنا كريما، أو تكون حديثا نبويا صحيحا.. وما عدا ذلك، فإن لنا عقولا علينا أن نستخدمها، كما استخدم الذين من قبلنا عقولهم. والمقصودون بالذين من قبلنا هنا، هُم في الأساس الأئمة الأربعة الكبار، الذين عاشوا جميعا وماتوا ما بين نهايات القرن الأول الهجرى وأواسط القرن الثالث.. لقد عاش الإمام أبوحنيفة في الكوفة في العراق، وعاش الإمام مالك في المدينة المنورة، وعاش الإمام الشافعي بين فلسطين والمدينة والعراق ومصر، وعاش أحمد بن حنبل في بغداد، وفي هذه الدائرة الجغرافية أناروا الدنيا بالفقه الذي يجتهد ليضيء العقول! من بعدهم غاب الاجتهاد تقريبا.
المزيد من الثناء
ما زال ولي العهد السعودي يحصد المزيد من الثناء، بينما يتعرض علماء السلف للإهانات التي شارك فيها عادل نعمان في “المصري اليوم”: “لأن أمر تجديد هذا الدين لن يأتي من المؤسسات الدينية، لكنه يأتي من الحكام، على منهج العصا والجزرة، أو ذهب المعز وسيفه، فأكمل جميلك أيها الأمير، وأخرج ما في جعبتك مرة واحدة وأرحنا منهم اليوم وليس غدا، وسارع الخطى، واحم هذا الدين من التجار والسماسرة من مئات السنين، ساعتها فقط سوف يختفى هؤلاء جميعا، ولا يشغلنا هذا الآن عن التفتيش عن الذين تركوا الميدان من مشايخ السلفية، وركنوا إلى جحورهم خوفًا وطمعًا، ولم ينبس أحدهم ببنت شفة، لأننا ندرك الفارق الكبير بين هولاء المشايخ في دولتهم الدينية التي يحاربون من أجلها، وفي الدولة المدنية التي ندافع عن وجودها.. هم مكرمون في الدولة المدنية، أدنى في دولتهم الدينية إذا خالفوا ولاة الأمور، آمنون مطمئنون على أنفسهم وأرواحهم وأموالهم في الدولة المدنية، وملاحقون ومطاردون في دولتهم الدينية، إن شب خلاف أو منازعة مع حاكم هنا أو خليفة أو أمير هناك، في الدولة التي يحكمها القانون الوضعي والطواغيت والكفرة، يقول ما لا يستطيع أحدهم أن يهمس بينه وبين نفسه في دولته التي ترتدى لباس الدين، في الدولة العلمانية يجاهر برأيه على المنابر، وفي الإعلام كيفما شاء، بدون حسيب أو رقيب، ثم يتهمها بالكفر والزندقة والبعد عن منهج الله، ويدعو لمحاربتها والخروج عليها، ويطارد ويضرب ويجلد بالسياط، ويحبس في دولته الدينية، إذا خالف الرأي، ثم يزعم أنها دولة الخلافة ودولة الله ويدعو العالم للامتثال لها واتباع منهجها لأنها النجاة في الدنيا والآخرة.
دولة هشة
انتبه الدكتور عمار علي حسن في “المصري اليوم”، إلى أن من يقرأ عن المشكلات العرقية والمذهبية والجهوية والطبقية والثقافية في إثيوبيا يتضح له أنه أمام بلد هشّ جدا، ومع هذا يمعن في التحدي والاستفزاز لجيرانه الراغبين في السلام والحق في المياه. أمر عجيب أيضًا لو رضيت مصر والسودان بـ«أمر واقع» أمام بلد هذه حاله، حتى لو كان خلفه أقوى الأقوياء. فى هذا الشأن، أرى أن إشارة السودان إلى عدم امتلاك إثيوبيا منطقة بني شنقول التي بُنى عليها السد تطور مهم في الحديث، لأنه ينقل الخلاف حول إدارة السد، بما لا يضر بالسودان ومصر إلى المطالبة بحق استرداد هذا الإقليم، باعتباره أرضا عربية أقرتها اتفاقية 1902، ويملكها السودان بعد انفصاله عن مصر 1956 دولة مستقلة ذات سيادة. فمعروف كما أكد الكاتب، أن هذه الأرض عربية، وقد حصلت إثيوبيا عليها شرط عدم إقامة سدود، فأخذتها قبل أكثر من قرن ثم خالفت، وتنكرت لاتفاقيات دولية، مع أن المبدأ في القانون الدولي يقول إن نظم الحكم ترث الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمتها الدولة وإلا سادت الفوضى.
قوتها من قوته
مصر من أيام الفراعنة كما أشار كرم جبر في “الأخبار” لا تكون قوية ولها هامة وقامة، إلا إذا كان رئيسها قويا وعادلا ومشيدا دعائم حكمه على حب الشعب وتأييده، ويعرف قدر البلد العظيم الذي يحكمه، وأن يشحن الناس بالحماسة والوطنية ليخوضوا معه الصعاب، ويجتازوا المحن والأزمات ويواجهوا التحديات والمؤامرات، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان الرئيس حكما عدلا بين الجميع، ولا ينحاز إلا للدستور والقانون وفكرة العدالة، التي تحقق الارتياح والطمأنينة وهذا هو رئيس مصر. من اختصاصاته – أيضا – أن يضع مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة، ويشرف على تنفيذها، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويعلن حالة الحرب، ويرسل القوات المسلحة للخارج، بعد أخذ رأى مجلس النواب، وموافقة مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني، وغير ذلك من المهام الجسام، التي تستوحب استقلالية المنصب عن كل صنوف الخلافات، ليكون رئيس مصر في حجم مصر ويشرفها أينما ذهب. الرئيس السيسي جاء في ظروف تاريخية بالغة الصعوبة، وكانت البلاد فيها في مفترق طرق، إما الإنقاذ أو الضياع، وفي سنوات قليلة وقفت مصر على قدميها شامخة، بعد أن كان مخططا لها أن تكون الثمرة الكبرى للفوضى التي تسود المنطقة. في حياة الدول والأمم والشعوب يظهر زعماء عظام في لحظات تاريخية، يبنون ويشيدون ويعمرون، وينقلون بلادهم من حال إلى حال، ويشيدون الثقة مع الناس، ويا ليتنا نتذكر كيف تسلم الرئيس الحكم، وكيف أصبحت مصر الآن؟ كل يوم نستيقظ على مشروع جديد يتم افتتاحه وليس مجرد وضع حجر الأساس، ومنذ أيام قال الرئيس “أنا خايف عليكم”، وكان يقصد سرعة إتمام المشروعات، ويحدث لأول مرة في مصر أن يتم الإعلان عن المشروعات ساعة افتتاحها. رئيس مصر لا يعد بشيء غير قادر على الوفاء به.
زمان يا كعك
أعادنا الدكتور محمود خليل في “الوطن” لزمن بعيد كان المصريون يقسّمون رمضان إلى 10 أيام “مرق”.. و10 “خرق”.. و10 “حلق”.
العشرة “المرق” لا يعلو فيها صوت فوق صوت الطبيخ والعزومات.. والعشرة “الخرق” تنطلق فيها الأسر إلى شراء “هدوم العيد” للصغار دائماً وللكبار أحياناً.. أما العشرة “الحلق” فهي العشرة التي يعلو فيها صوت “صاجات الكعك والبسكويت”. أكد الكاتب أن “المرق” موجود.. و”الخرق ما زال قائماً.. أما “الحلق” فأصبح ذكرى..غالبية المصريين اليوم يلجأون إلى شراء “الكعك الجاهز” الذي أعدته الأفران ومحلات الحلويات.. وكلنا يعلم أن أسعار المخبوزات تزيد يوماً بعد يوم بسبب الارتفاعات في أسعار الدقيق والسمن وغير ذلك من لوازم، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود المستخدم في “الخبيز”. أمام الغلاء تلجأ فئة لا بأس بها من المصريين إلى التقسيط.. بما في ذلك تقسيط “كعك العيد”. محلات عديدة تعلن في مثل هذا الوقت من كل عام عن فتح باب حجز وشراء الكميات المطلوبة من الكعك والبسكويت، الذي منه بالتقسيط، بشرط أن يتم الشراء من خلال بطاقة ائتمان عبر بنكين محددين، أغلب العاملين في الدولة، وكذا في القطاع الخاص يقبضون مرتباتهم منهما. تقليد تقسيط الكعك ليس جديداً، بل يعود إلى أعوام قريبة مضت.. وهو يعكس من ناحية حالة “الفلس” التي تعاني منها بعض الأسر في مصر، ويعكس من ناحية أخرى حالة الكسل والتخلى عن العادات الاجتماعية الرمضانية التي تربينا عليها. مسألة الفلس مفهومة.. أريد فقط أن أتوقف أمام موضوع الكسل. زمان كانت صناعة الكعك جزءاً من عادات الأسرة المصرية خلال الأيام العشرة الأواخر من رمضان.
الكعك المر
سأل الدكتور محمود خليل: من منا لا يذكر مشاهد الأمهات وهن يجلسن لجدولة مواعيد إعداد كعك العيد لكل أسرة في يوم موعود، حيث تتجمع الجارات في الليلة الموعودة لصناعة الكعك لأسرة معينة، وتمتد الأيدي الطيبة متعاونة في صناعة صنوفه المختلفة، ورصها في الصاجات، في حين يتجمع أطفال البيت أو المنزل كله، ليحملوا الصاجات على رؤوسهم فرحين، ويذهبوا بها إلى فرن «الخبيز»، لتخرج الصاجات بعدها متألقة بأطايب العيد. وما أكثر ما كان يميل البيت الذي صنع الكعك على غيره من بيوت الأهل والأصدقاء والجيران بالأطباق التي تحوى صنوفه المتنوعة، في عادة إنسانية كانت تدخل البهجة إلى النفوس. هذه العادة الرمضانية اختفت تقريباً، والأمر ليس مرده كورونا وما فرضته على الأسر المصرية من تباعد، فالمسألة أبعد من ذلك بكثير. فمنذ سنين طويلة أصبحت الأسرة المصرية تشتري الكعك الجاهز أو المصنوع في المخابز، وذلك ضمن ما تخلت عنه من عادات إنتاجية إيجابية. الجاهز أغلى من اليدوي بكثير.. هذه القاعدة لا تنطبق على سوق الكعك وفقط، بل تمتد إلى سلع أخرى عديدة، لكن الكسل له أحكام، ومحاولة بعض الأسر الأصيلة تقليد غيرها أوردتها موارد الاستهلاك، ودفعتها إلى التخلي عن الفكر الإنتاجي الموروث عن الآباء والأجداد. أشياء كثيرة يمكن صناعتها في المنزل بتكلفة أقل بكثير من تكلفة شرائها جاهزة، لكن الثقافة الاستهلاكية، التي أصبحت تحكم العقل المصري تعرقل الأيدي عن العمل. لذا من الطبيعي أن يكون الكعك جاهزاً.. والوجبات جاهزة.. وحتى “الطرشي” جاهزاً.. أما الفكر فمعلب. كفانا صمتاً.
المهنة وأهلها
أكد فاروق جويدة في “الأهرام” أن الفرق كبير بين علم يسمى الإعلام وعلم آخر يسمى الإعلان.. ورغم التداخل الشديد بينهما فإن المؤسسات الصحافية العريقة كانت دائما وما زالت تضع مسافة بين هذه التخصصات.. وكان الأستاذ هيكل يرفض الخلط في الموارد والسياسات، وحتى الأشخاص ويرفض التداخل بينهما.. وفي كليات الإعلام هناك أقسام للإعلام وأخرى للإعلان، ورغم أن المجال واحد والوسائل قد لا تختلف، فإن التخصص كان دائما يفرض شروطه.. ولا شك أن الفرق كبير بين الإعلام والإعلان.. وإذا كان الإعلام يقوم على الحقيقة، فإن الإعلان يجنح أحيانا للخيال الذي قد يقترب من المبالغة.. وأساليب الإعلام تقوم على الآراء والأخبار والتحليلات، والإعلان يستخدم كل الوسائل في الإبهار.. وبقدر ما ينجح الإعلام في درجة الصدق، لكي يكون مقنعا فإن من حق الإعلان أن يستخدم كل الوسائل لكي يكون مبهرا وجذابا.. الإعلام هو المصداقية والإعلان لا يتردد في أن يكون مراوغا، ولا تعنيه الحقيقة كثيراً.. رغم أن الحدود كانت واضحة في وسائل الإعلام التقليدية ومنها الصحافة، وكانت إدارات الصحف ترفض الخلط بين دورها الإعلامي، واعتمادها على الإعلان كمورد اقتصادي لا يمكن الاستغناء عنه، فإنها وضعت ضوابط تمنع التداخل بينهما.. وكانت الصحف تضع سياساتها بما يضمن ذلك، بل إنها كانت تفصل الإعلام عن الإعلان بصورة تبدو تعسفية، وأعتقد أن هذه السياسات ما زالت سارية في مؤسستنا العريقة “الأهرام” حتى الآن.. إن الشيء الجديد الآن أن الإعلام العربي شهد تغيرات أطاحت بكل الثوابت القديمة، خاصة الفضائيات العربية.. ولم تعد المنافسة بينها منافسة إعلامية ولكن الصراع الدامي حول الإعلانات.. ولا نبالغ إذا قلنا إن الإعلام العربي تحكمه الآن سوق الإعلانات، وليس الخدمة الإعلامية.. قليل جداً ما تقدمه الفضائيات العربية من الأخبار والمتابعة والزيارات والتحليلات.
نتيجة حتمية
أمام تراجع الخدمة الإعلامية اجتاحت الإعلانات الإعلام العربي كله كما يرى فاروق جويدة، وسقطت عشرات الفضائيات الإعلامية أمام طوفان الإعلان.. وسيطرت المؤسسات الإعلانية على الإعلام العربي بكل وسائله، ولأول مرة يصبح الإعلام من توابع الإعلان الذي سيطر على العقل العربي تماما.. أمام هذه السيطرة الإعلانية غاب واختفى دور الإعلام العربي في فترة عصيبة من الأزمات والمحن.. حتى إن أحداثا كبرى في أكثر من عاصمة عربية لم تلق الاهتمام الكافي من الإعلام العربي.. لقد سقطت أكثر من عاصمة عربية في الحروب الأهلية والاحتلال والدمار، بدون أن يهتم الإعلام العربب بهذه الكوارث في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان.. وأصبح هدف عشرات المؤسسات العربية أن تجري وراء وليمة الإعلانات التي أصبحت هدفا وإنجازا ونجاحا.. هنا اختلطت الأوراق بين الإعلام والإعلان وأصبح الإعلان هو الذي يحكم برامج الشاشات وسياستها.. ابتداء بإنتاج المسلسلات والبرامج وصناعة النجوم الإعلانية، وانتهاء بهذا الطوفان من الإعلانات، الذي يحاصر المشاهد ليلا ونهارا.. وبقدر ما حقق الإعلان من الموارد إلا انه أفسد الإعلام والإعلان معا.. لقد أفسد فنا جميلا يسمى السينما، حين اتجه عشرات من نجوم السينما الكبار إلى الإعلانات.. وأصبح من السهل أن تشاهد النجم في أكثر من إعلان، وغاب النجوم عن السينما وغابوا أيضا عن المسلسلات.. لقد خسر الإعلام وخسرت السينما وخسرت المسلسلات والبرامج الجادة وكل ذلك لأن الإعلان سيطر على كل شيءٍ.. والدليل على حجم الأزمة أن الصراع على وليمة الإعلان بين الفضائيات العربية في شهر رمضان، يبلغ مليارات الجنيهات في شهر واحد.
قطارات للأطفال
(القطر قطرنا عن أبونا وجدنا وبكره وإلا بعده لعيالنا بعدنا)، دونت نجوة عبد العزيز تلك الكلمات في “الوفد” على غرار أوبريت الأرض أرضنا عن أبونا وجدنا، للعبقرى مرسي جميل عزيز، التي لاقت رواجا في ستينيات القرن الماضي مع الاعتذار للقائمين على الأوبريت، وإن كان معظمهم قد رحل عن عالمنا الآن. قالت الكاتبة إن هذه الكلمات التي رددتها تأتي حزنا على ما آل إليه حال القطارات الآن، وأقولها لكل من يحاول إعاقة حركة القطارات، سواء بتخريبه أو إعاقة حركته، أو سرقة قضبانه، أو قطع منها. فقبل أن أنقل لكم فزعي مما أتابعه وأشاهده عبر منصات التواصل الاجتماعي من مشاهد مصورة تتضمن استهانة البعض بقضبان السكك الحديد، وصل إلى حد تخريبها عن طريق بعض الأطفال، أو عصابات سرقة المعادن، أو من خلال حوادث القطارات التي أتابعها والتي أصبحت متتالية بشكل مفزع، سواء للراكب الذي أصبح يشعر وهو يحجز تذكرته إنها ذهاب بدون أياب لا قدر الله. لقد هالني منظر القطارات وهي تتهاوى كلعب الأطفال بعرباتها، وهي تصطدم ببعضها بعضا لتصبح حطاما بمن في داخلها، سواء بسبب إهمال البعض بعمد أو بغير عمد، أو نتاج تعاطي المخدرات، وهو ما أظهرته التحقيقات، مع من يقبض عليه في تلك الحوادث المتلاحقة، التي تحصد عشرات الأرواح، أو من جراء سلوكيات لبشر غابت عنهم الضمائر، أو ماتت فيهم فارتكبوا حوادث سرقة وتخريب، سواء للقطار أو قضبانه وسككه، التي يسير عليها أميالا حاملا آلاف البشر. لينقلهم إلى مقاصدهم. فبالمتابعة التي أقوم بها كصحافية حوادث وقضايا، أجد أن هناك أسواقا تنصب ملاصقة بجوار شريط القطار. أو من يقوم بربط حماره في فلنكات القطار، وآخر يقود توكتوك على قضبان القطار في طريق سيره، وآخر يقود جرارا زراعيا يسير بحمولة برسيم كبيرة جدا، ولكن ما هال الكاتبة بشكل أكبر عندما شاهدت فيديو فيه أطفال تقودهم طفلة كبيرة تسير على قضبان القطار وتقويهم على التخريب بفك مسامير القضبان وتستولي عليها.
من وحي كورونا
فى إحدى قرى الصعيد روى عماد الدين حسين في “الشروق”، أن سيدة أصيبت بفيروس كورونا، فقام العديد من أهالى القرية بزيارتها، خصوصا السيدات. ولما اشتد عليها المرض دخلت مستشفى العزل، فحاول بعض أهل القرية زيارتها، ولم يتمكنوا، فاضطروا للانتظار أمام مدخل المستشفى، أو المبيت على الرصيف المقابل. وبعد أيام قليلة ماتت المريضة وأصيب معظم من خالطها، وبعضهم توفي خصوصا كبار السن. في قرية ثانية في الوجه البحري توفي رجل عمره 70 عاما متأثرا بإصابته بكورونا. شقيقه يعمل ويقيم في القاهرة، وحاول السفر للمشاركة في مراسم تشييع الجنازة. زوجته أقنعته بأنه لا داعي لسفره، خوفا من إصابته، لكنه أصر خوفا من كلام الناس التي لن ترحمه، ولن تتفهم عدم مشاركته في العزاء. ورضخ في النهاية، وقرر السفر، اعتقادا أنه سيقضي بضع ساعات ويعود للقاهرة، وبعد عملية الدفن التي شارك فيها المئات، فوجئ بوجود سرادق عزاء كبير في القرية ليلا، رغم أن ذلك ممنوع تماما بحكم قرارات مجلس الوزراء. أقيم العزاء في إحدى الساحات الواسعة، وتوافد عليه غالبية أهل القرية، والقرى المجاورة، والمفاجأة بالنسبة لهذا الرجل أن غالبية أهل القرية لا يدركون أنهم يرتكبون خطأ، وربما يكون بينهم بعض ممثلي الأجهزة المختصة بتطبيق قانون منع التجمعات. حكاية ثالثة لرجل زار أهله في إحدى القرى للمشاركة في حفل زفاف قريب. هذا الرجل كان يرتدي الكمامة طوال الوقت، لكنه اكتشف أنه الوحيد تقريبا الذي يفعل ذلك. بل الأطرف أن غالبية الحاضرين كانوا يسخرون منه، وبعضهم حاول إقناعه بنزع الكمامة، والتصرف مثل الرجال، وعبثا حاول إقناعهم بخطورة ما يفعلونه، لكنهم لم يستمعوا إليه، وواصلوا السخرية منه.
المجرم والضحية
السؤال الذي سعى عماد الدين حسين للإجابة عليه: هل نلوم هؤلاء الناس الذين يتسببون في جعل الفيروس ينتشر، والإصابات والوفيات تزيد؟ أم نلوم الأجهزة الحكومية التي لا تؤدي دورها في تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي، التي أعلنتها الحكومة؟ الجميع ينبغي لومه، لكن إذا كنا نلوم الناس على سلوكهم، فاللوم الأكبر ينبغي أن يوجه للحكومة، لأنها المنوطة بتطبيق القانون والإجراءات اللازمة. صحيح أن هناك غيابا شبه كامل للوعي العام، وخصوصا الصحي بين الناس، لكن الأصح أن الأجهزة الحكومية ينبغي عليها تطبيق القانون بكل صرامة على المنفلتين والمستهترين والجهلاء. وهناك ألغاز كثيرة في هذا الصدد، مثل لماذا يتم ترك سرادقات العزاء مفتوحة، ولماذا يتم التغاضي أحيانا عن منع الشيشة في المقاهي، ولماذا لا يتم تطبيق إجراءات التباعد في المطاعم والكافتيريات والعديد من الأماكن المغلقة. من الواضح أن غياب ثقافة الوعي العام ليست قاصرة فقط على المواطنين البسطاء في القرى والمناطق الشعبية، بل هي حالة عامة تشمل أيضا بعض المسؤولين والقائمين على تطبيق القانون، بل بعضا ممن يطالبون الناس بضرورة تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي.
هل نتعظ؟
أشاد محمود دياب في “اليوم السابع” بالقرار الذي اتخذته الحكومة بإغلاق الشواطئ والمتنزهات والكافيهات، وأماكن التجمعات العامة خلال فترة عيد الفطر المبارك، ومعاقبة كل من يخالف ذلك، ودراسة عمل إغلاق جزئي مثل ما فعلته دول كثيرة حاليا حماية لمواطنيها، مع زيادة حدة الإصابات والوفيات بفيروس كورونا الفتاك، خاصة أننا نتعامل على المستوى الشعبي مع الإجراءات الاحترازية باستهتار شديد كما اشار الكاتب: اللجنة العليا المعنية بمتابعة مواجهة كورونا برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، أصدرت عدة قرارات وتم تطبيقها مؤخرا، ومنها غلق كامل والحد من استخدام الحافلات الجماعية وأتوبيسات الرحلات التي تستهدف الذهاب إلى الشواطئ، وغلق كل المحلات والمولات التجارية والمقاهي والكافيتريات والمطاعم ودور السينما والمسارح في الساعة 9 مساء، لمدة اسبوعين. الدولة وأجهزتها، قدمت ولا تزال كل ما في وسعها لمكافحة هذا الفيروس اللعين منذ ظهوره في موجته الأولى وحتى الآن، ولكن يأتي الدور الفعال علي المواطنين بتطبيق الإجراءات الاحترازية التي تضمن سلامتهم وسلامة المجتمع، التي لم نرها حتى الآن بصورة فعالة حيث مازالت الأسواق والمولات والكافيهات ووسائل المواصلات العامة مليئة ومزدحمة بروادها، غير الملتزمين بارتداء الكمامات أو نسب التباعد الاجتماعي وغيرها من الإجراءات الاحترازية، ونحن الان نقرأ ونشاهد ونسمع عن الكثير الذين فارقونا، سواء من أهلنا وأقاربنا، أو من المعارف والأصدقاء الي الدار الآخرة بسبب هذا الفيروس الفتاك فهل نتعظ ؟