في قمة عالية محاطة بغابات على مد النظر
الناصرة-»القدس العربي»: تزخر فلسطين بعدد كبير جدا من القلاع على أنواعها من مختلف العصور التاريخية، غير أن قلعة قرين أو قلعة المونفورت «القلعة الحصينة» بالفرنسية في أعالي الجليل لها خصوصيتها من عدة نواحي. هذه القلعة التي بنيت في القرن الاثني عشر ميلادي ما زالت تجتذب عددا كبيرا من السائحين والزائرين خاصة أنها تقوم في واحدة من قمم جبال الجليل الأعلى الغربي ومحاطة من كل الجهات بغابات البلوط والملّ والملول على مد النظر تبدو مجتمعة لوحة فنية مدهشة. وتزداد الدهشة حينما يصل الزائر بعد سير على الأقدام لمدة نحو الساعة إلى القلعة الضخمة ذاتها ويكاد لا يصدق ما تراه عيناه من تضاريس صعبة للمكان ومن حجارة عملاقة تزن كل منها بضعة أطنان ويحتار من نقلها وكيف تم نقلها إلى قمة الجبل؟ وتزداد الدهشة حينما تطل على ساحة القلعة أو من قمة برجها نحو الأفق المفتوح حتى البحر الأبيض المتوسط غربا أو نحو الحدود القريبة مع لبنان. بنيت القلعة على جرف صخري وتطل على واد عميق يدعى وادي القرن على بعد خمس كيلومترات غرب قرية معليا الفلسطينية، وداخلها ما زالت آثار بحالة جيدة لكنيسة ومساكن للفرسان وقاعة للمناسبات ومعصرة عنب وعدة آبار مياه وهي محاطة بأسوار وأبراج محصنة بالخنادق خاصة من الجهتين الجنوبية والشرقية. والمبنى الداخلي للقلعة يبدأ من ثغرة داخل السور تتجه إلى اليمين حيث يوجد قبوان مهدومان وهما تحت قاعة الفرسان المسماة «ريفيكتوريوم» وقد كانت غرفة للعمليات وبقي في هذه القاعة عمودان يشيران لضخامة القلعة آنذاك، وإلى الشرق بناء طويل كان مقسوما إلى غرف للسكن ومطبخ ومنطقة مشاغل خاصة لتركيب السلاح. وما زالت آثار معصرة العنب شبه كاملة وهي مؤلفة من «المدوس» حيث داسوا العنب بأرجلهم قبل أن يسير العصير إلى برك مقصورة. ويقع البرج المركزي في القلعة، حيث تلتقي مع الكتف الجبلي من الجهة الشرقية مما دفع الصليبيين لحفر ونحت خندق يفصل بين القلعة وبين الجبل. واجتذبت هذه القلعة عدة بعثات تنقيب أثرية ورحالة في فترات مختلفة وقد نقلت بعض موجوداتها الأثرية المكتشفة لعدة متاحف منها متحف نيويورك على يد بعثة أمريكية زارت الموقع في نهايات القرن التاسع عشر.
الجبل المنيع
ويوضح المؤرخ الجغرافي دكتور شكري عراف ابن بلدة معليا لـ «القدس العربي» أن القلعة بالأصل بناها الصليبيون في أواخر القرن الثاني عشر ووقتها اعتبرت مزرعة ونقطة حراسة تطورت وتحصنت في القرن الثالث عشر ميلادي حين اشترتها كتيبة «التيوتون» الألمانية التابعة لـ «فرسان الهيكل» واتخذتها مركزا رئيسيا لها وأطلقت عليها اسم قلعة «شتاركينبيرج» أي الجبل المنيع والحصين. وينبه عراف أن المونيفورت ليست قلعة أخرى من قلاع الحدود التي اعتادت الدول على بنائها للدفاع عن حدودها، لأن وادي القرن لم يكن يوما حدا لدولة سوى في الفترة الفينيقية مثلما لم تكن قلعة لحراسة الطرق، فوادي القرن ليس طريقا للتجارة أو ممرا للغزاة بسبب ملامحه الطوبوغرافية الصعبة جدا التي تتيح ممرات ضيقة فقط للإنسان وللحيوان. وعن ملابسات بنائها يضيف عراف: «ولبناء القلعة توجه الفارس هيرمان فون زيلتسي رئيس مؤسسة التيوتون آنذاك إلى الحبر الأعظم البابا غريغوريوس السادس طالبا منه دعوة المؤمنين لبناء القلعة من جديد وإصلاحها وهكذا بنوا إحدى أجمل قلاع فلسطين. والقلعة المتداول اسمها بالعربية «قلعة قرين» أو «قلعة المونفور» وبعد نموها صارت تدعى «قلعة الملك الجديدة» امتلكتها عائلة اقطاعية سكنت قرية معليا المجاورة وذلك تمييزا عن «قلعة الملك» القائمة داخل القرية وتعرف بالفرنسية بـ «شاتو دي روا». وقد اشترى التيوتون القلعتين التي كان يملكها الفرنسيون وذلك لأن فرسان الهيكل الاسبتارية لم يحبوا الألمان مما اضطر الآخرين لنقل مقرهم من عكا عاصمة الدولة الصليبية آنذاك إلى هاتين القلعتين ناقلين معهم خزائنهم وأرشيفهم.
سيطرة الأيوبيين
ويشير عراف لاحتلال صلاح الدين الأيوبي للقلعة والمزرعة بعد انتصاره على الصليبيين في حطين عام 1187 لكنهم ما لبثوا أن عادوا لها بعد خمس سنوات وأعادوا بنائها، وقد فصلت عن معليا عام 1220 بعدما بيعت معليا ومنطقتها لفرسان التيوتون. ويشير عراف أن القلعة ذكرت في المعاهدة المبرمة بين ملك ألمانيا فريردريك الثاني وبين السلطان الأيوبي وورد كموقع مسيحي. في مثل هذا الشهر عام 1266 عاد السلطان المملوكي بيبرس البندقداري لاستئناف الحرب ضد الصليبيين بمهاجمة عكا ومنها انتقل لأعالي الجليل فوجد قلاعها محصنة فعاد بيبرس بعد خمس سنوات عام 1271 ليحاصر القلعة وأحضر معه فرقة الهندسة التي استطاع جنودها هدم الجدار الجنوبي لسور القلعة الخارجي خلال أسبوع بضربها بالمنجنيق وبقي الفرسان يدافعون عن مواقعها الداخلية الباقية حتى طلوع الفجر قبل استسلامهم، كما يؤكد المؤرخ الفرنسي ستيفن رنسيمان في كتابه «تاريخ الحروب الصليبية». وينوه رنسيمان أن بيبرس سمح للصليبيين داخل القلعة بالانتقال إلى عكا بكل ما حملوا من أموال وأرشيف استقر لاحقا في النمسا وشكّل أحد مصادر الكتابة عن تاريخ الصليبيين. وتتطابق هذه الرواية مع ما جاء في بعض أمهات الكتاب التاريخية. فقد وصفها ابن تغري بردي في كتاب «النجوم الزاهرة» بقوله: «ثم في يوم الجمعة رابع عشرين شوال (658ه) خرج الملك الظاهر من دمشق قاصدًا القرين، فنزل عليه يوم الاثنين سابع عشرين الشهر ونصب عليه المجانيق، ولم يكن به نساء ولا أطفال بل مقاتليه، فقاتلوا قتالًا شديدًا، وأخذت النقوب للحصن من كل جانب، فطلب من فيه الأمان فأُمنوا يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة، وتسلّم السلطان الحصن بما فيه من السلاح ثم هدمه، وكان بناؤه من الحجر الصلد وبين كل حجرين عود حديد ملزوم بالرصاص فأقاموا في هدمه اثني عشر يومًا، وفي حصاره خمسة عشرة يومًا». ووادي القرن المحيط بالقلعة غني بالمياه والمطاحن والأراضي التي ترسبت تربتها مع الأيام وكونتّ ما يسمى «الجزر أو الزيّر» ونما فيها أجود أنواع التبغ. كذلك وعلى ضفة الوادي الجنوبية هناك مزرعة صليبية مبنية من أقبية قوطية، وبجانبها بقايا مطحنة قمح واَثار سدّ كبير على عرض الوادي، هدفه رفع مستوى الماء لأغراض زراعية.
«كان عنا طاحون»
يبلغ طول وادي القرن حوالي 40 كيلومترا من منابعه من سفوح جبل الجرمق الغربية حتى مصبه في البحر الأبيض المتوسط شمال عكا، ويعد من أطول وأجمل الأودية الخضراء في فلسطين وكان يمتاز بغزارة مياهه على مدار العام قبل أن تستولي المستوطنات الإسرائيلية القريبة على هذه الينابيع خاصة عين أم طمرون الغنية. في الماضي عملت في وادي القرن حتى نكبة 1948 ثماني طواحين قمح في القسم العلوي من وادي القرن قريبا من القلعة التاريخية وكانت هذه تؤمن الطحين لعدد كبير من الأرياف الفلسطينية وحتى اللبنانية كما يوضح الباحث عصام عراف من معليا لـ «القدس العربي». ويشير لعدة مطاحن: العيساوي ومطحنة أم الفرن ومطحنة الشوفانية، منوها إلى أن غزارة المياه وانحدار الوادي دفعت لتأسيس المطاحن لتلبية احتياجات كافة أهالي الجليل الأعلى الغربي. وبقيت مطحنة الشوفانية التابعة لشكري الشوفانية حتى قبيل النكبة بقليل وقد عمل فيها إثنان من بلدنا معليا، مطانس خوري أبو عيسى وطنوس طنوس أبو نورة الذي كان يدعى «برّاك» وهو صاحب مهمة تحديد سرعة دوران حجر الرحى بواسطة التحكم بتيار المياه. وكان العجل الذي يدور داخل المطحنة مبنيا من الخشب ومصفحا بألواح توتيا المطلية بخراصين كي لا يصدأ. ويتابع «أذكر لاحقا بناء مطحنة تعمل بمحرك الديزل في قرية ترشيحا المجاورة وكان يضمنها حكمت شاهين والد الموسيقار العالمي سيمون شاهين».
سمك الحنكليز
في إحدى المرات رافقت خالي في مطلع خمسينيات القرن الماضي عندما ذهب على حمار إلى وادي القرن أسفل قلعة القرين وكانت هناك مياهه عريضة وقليلة العمق واصطاد الكثير من السمك الذي عاش في الوادي وكان يأتي من البحر الأبيض المتوسط كما هو الحال مع بقية الأودية التي تصب في البحر. ويشير لوجود الحنكليز الذي عاش في وادي القرن سبع سنوات قبل انتقاله للبحر الأبيض المتوسط ومن ثم للمحيط الأطلسي ويقطع مسافات هائلة نحو جزر برمودا حيث يتكاثر هناك ثم يموت. والحكمة أن جسمه شفاف ربما كي لا يتعرض للافتراس خلال سباحته أو هجرته الطويلة وهو مكتنز بالكثير من الدهن لأنه علميا لا يستطيع تناول الطعام داخل البحر ويبقى معتمدا على دهنه. اليوم لم يعد موجودا بعد الاستيلاء على مياه الوادي وشفطها.
الصراع على الأرض والماء
عراف الذي يعبر عن علاقته الوجدانية في الموقع يقول إنه يعرف كل شجرة وكل حجر في القلعة والجبل وكل شجرة في وادي القرن، منوها أن الأيوبيين احتلوا القلعة بعدما نصبوا المنجنيق في منطقة مزروعة بكروم الزيتون تتبع لوالده اليوم، منوها أن أهالي بلدته كانوا يستخدمون القبو في أسفل قلعة المونفروت لمبيت الحراثين خلال حرث الكروم ويضيف «هناك قسيمة أرض شمال وادي القرن بمساحة 20 ألف دونم اقتناها أهالي قريتنا معليا من الاقطاعي اللبناني الياس قطيط، وكانوا يزرعوها التبغ المشهور بجودته واليوم تقوم عليها مستوطنة ألون، بعدما ادعى زورا وبهتانا سكانها في فترة الاستعمار البريطاني أنهم اقتنوها من اقطاعي لبناني وهذا كذب وافتراء لأن أهالي معليا سبق واقتنوا كل الأراضي المحيطة بهم من اقطاعيين لبنانيين». لكن المحكمة الانتدابية حكمت لصالح المستوطنين اليهود وقتها في ثلاثينيات القرن الماضي وبسبب غضب أحد ملاكيها بشارة الياس العبد من معليا قام بضرب القاضي البريطاني بكرسي فور سماعه الحكم الظالم، كما يؤكد عصام عراف ويتابع «ولاحقا سدد المستوطنون اليهود 55 ليرة له كنوع من التعويض». موضحا أن إسرائيل حولت لاحقا كل شمال وادي القرن لمنطقة عسكرية تمهيدا للاستيلاء على الأراضي تحت هذا الغطاء ويقول، تتبدل العصور وما زالت القلعة تروي رواية فلسطين والغزاة من قبل وبعد الصليبيين حتى فترة الإسرائيليين. ويستذكر عراف أيضا إن متحف المتروبيلتان في نيويورك أرسل بعثة منقبين عمل معها بعض أهالي بلدته معليا في الحفريات منهم الياس جرموس صديق والده، منوها أن المتحف يحتفظ بتفاصيل تلك البعثة من العام 1926 قائلا إنه لا يعلم ما عثروا عليه من موجودات أثرية.