كنا في بدايات عام 2012 في زيارة ضمن وفد المجلس الوطني السوري إلى المقر العام لجماعة الإخوان المسلمين المصرية في المقطم؛ وذلك بُعيد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية التي كانت الجماعة قد حققت فيها نتيجة لافتة، تشير إلى أنها كانت في طريقها نحو لعب دور أساسي في الحياة السياسية المصرية الرسمية.
اُستقبلنا في ذلك الحين من قبل محمود عزت بالنيابة عن المرشد العام. وكان في الجلسة بعض القيادات الإخوانية الأخرى.
بدأ اللقاء بعبارات المجاملة والتهنئة، وتبادل الآراء حول مستقبل الثورتين المصرية والسورية، والصعوبات التي واجهت، وستواجه كل منهما. كانت أجواء الارتياح تخيم على الإخوان المصريين، إن لم نقل مظاهر الاعتزاز. ربما كانوا يشعرون بأن ما عملوا من أجله على مدى عقود طويلة، قد وصلوا إليه، وما عليهم الآن سوى استثمار اللحظة الحاسمة، والتمسّك بنتائج الانتخابات، والبناء عليها.
وما لاحظته في ذاك الاجتماع هو أن ممثل الإخوان السوريين في وفدنا كان هو الآخر يعيش أجواء فرح غامر، وربما كان يمنّي النفس بنتيجة مماثلة في سوريا بعد انتصار الثورة التي كان الجميع يتوقع، بفعل القراءات والحسابات الخاطئة، بأن مسألة نجاحها مسألة وقت محدود، لن يتجاوز الأشهر.
واستناداً إلى دراساتي لتاريخ نشوء الحركات السياسية والفكرية في مصر، وتطوراتها، ومن خلال قراءاتي حول المجتمع المصري، وتاريخ الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين والسلطات العسكرية المصرية؛ هذا فضلاً عن اطلاعي على أبعاد وخلفيات معاناة الأقباط المصريين؛ وجدت أن الصورة الوردية التي كانت تُقدم لا تتطابق مع الوقائع التي كانت في ذلك الحين، ولا تستقيم مع المنتظر من المتغيرات والتطورات. لذلك تدخلت، وتوجهت بالحديث مباشرة إلى محمود عزت قائلاً له: المشكلة التي تعاني منها مجتمعاتنا تتمثل في محاولات فرض الرأي الواحد، أو اللون الواحد على مجتمعات متنوعة بطبيعتها. علينا أن نحترم الآخر المختلف. ومصر لا تُحكم بالإخوان أو الإسلاميين وحدهم، ولا بالقوميين وحدهم أو الليبراليين لوحدهم، وغيرهم. لذلك ينبغي اعتماد مشروع وطني مصري عام، تشارك فيه سائر القوى المصرية، ويطمئن كل المصريين.
وفوجئت بجوابه المبشّر. إذ قال لي: وهذا ما سنفعله بالضبط في مصر. النتائج التي حققناها مع نتائج حزب النور تمنحنا أغلبية مريحة، وتمكّننا من الحكم. ولكننا لن نفعل ذلك، وإنما سنبحث عن الآخر المختلف، لنبني معاً حكومة تجسّد الوحدة الوطنية المصرية. ارتحت لجوابه، بل سُعدت له، ولكن فيما بعد فعلوا العكس بكل أسف.
وقد علمت لاحقاً من صديق مطلع على أحوال الإخوان المصريين، بأن قيادات إخوانية استشارته، وطلبت رأيه في موضوع تقدّم الإخوان إلى انتخابات الرئاسة، وذلك قبل ترشيح محمد مرسي. وكان جوابه، وفق ما أخبرني به، هو ألا يتقدم الإخوان بأي مرشح رئاسي، ومن الأفضل لهم ولمصر أن يدعموا مرشحاً آخر؛ حتى أنه اقترح عليهم اسم عمرو موسى وغيره، مبيناً لهم أن ذلك سيحقق الاستقرار في المرحلة الانتقالية بعد الثورة، وهي المرحلة التي عادة ما تكون قلقة بعد كل الثورات. ولكنهم لم يأخذوا بذاك الرأي، وربما لم يأخذوا بآراء أخرى قدمها أصحابها لهم من موقع الحرص على مستقبل المصريين ومستقبل مصر. وكانت النتيجة التي نعلمها جميعاً.
وما أتذكره في هذا السياق، هو أنه بعد وصول مرسي إلى الرئاسة، وتصاعد نبرة التبرم والشكوى، وحتى التذمر، لدى القوى الليبرالية والديمقراطية والعلمانية والشبابية المصرية، كانت لنا لقاءات مع ممثلي الدول الغربية؛ وكان رأيي دائماً هو أن يتم التغيير عبر انتخابات حرة. فالإخوان إذا تمكنوا من حل مشكلات مصر في ميادين السكن والتعليم والعمل والمرور وغيرها الكثير، فسيحصلون على تأييد شعبي يمكّنهم من مواصلة الحكم، وتقديم المزيد من الإنجازات لصالح الشعب المصري. ولكن إذا أخفقوا، فإن المصريين سينتقدونهم، ويعاتبونهم، وسيسحبون منهم الثقة. فيُبعدون عن الحكم، وتنزع عنهم هالة الضحية التي تضفي على صاحبها عادة صفات القداسة، لتأتي قوة، أو قوى، سياسية أخرى لتحكم. ولكن يبدو أن هذا الرأي لم يكن هو المعتمد من جانب المؤسسة العسكرية المصرية، ولا من طرف مراكز القرار الإقليمية والدولية التي كانت تنسق معها، وكانت الحجة أن هناك خشية من اعتماد الإخوان إجراءات من شأنها سد المنافذ أمام عملية انتقال سياسي سلمية؛ فكان الانقلاب العسكري، وكانت العودة إلى البلاء المستمر الذي منيت به الدول العربية ذات النظام الجمهوري منذ تأسيسها، ونعني به الصراع بين العسكريين الذين تبنوا الأيديولوجية القومية، والإخوان الذين التزموا الأيديولوجية الإسلامية، وكان الصراع بين الطرفين اللذين كانا يستندان إلى شرعية عابرة للحدود الوطنية.
وعلى الأكثر سيستمر هذا الصراع في المدى المنظور، ما لم يتم التركيز على الشعب والوطن. فجهود الطرفين كانت تسعى دائماً إلى توجيه الأنظار نحو ما وراء الحدود الوطنية، وهي حدود نعلم جميعاً أنها قد فرضت بقوة الإرادات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وهي قائمة منذ قرن على الأقل، ولا ندري إلى متى ستستمر. ولكن ما يستشف من المعطيات الراهنة هو أنه لا توجد إرادة دولية بإحداث تغييرات فيما هو قائم. وهذا ما يستوجب التركيز على المشاريع الوطنية التي تضع على رأس قائمة أولوياتها تأمين حاجات الناس، وتوفير المقدمات الفعلية لتنمية مستدامة تضمن مستقبلاً أفضل للأجيال الشبابية الراهنة والمستقبلية، وذلك عبر البحث عن القواسم المشتركة، وتحسين قواعد العيش المشترك، بين مختلف المكونات المجتمعية والتيارات السياسية الوطنية.
لقد استغلت المؤسسة العسكرية حالة الإحباط، ومشاعر التأفف لدى قطاعات واسعة في المجتمع المصري من ممارسات وتوجهات الإخوان، والخشية من إلغاء النظام المدني التعددي نتيجة تفرّد الإخوان، وسعيهم من أجل توفير المقدمات التي تمكّنهم من البقاء في الحكم لأطول مدة ممكنة؛ وذلك تماشياً مع عقلية أنظمة منطقتنا التي تحرص على استخدام الآليات الانتخابية لتدوير نفسها، حتى تظهر وكأنها تحترم إرادة الناس، ونتائج صناديق الاقتراع. ولبلوغ ذاك تعمل على إصدار القوانين، وحتى تعديل الدساتير، أو إضافة مواد جديدة إليها، بهدف الحد من احتمالات فوز المنافسين، بل وسدّ أبواب الحكم أمامهم بصورة نهائية.
وقد جاء هذا الاستغلال على شكل انقلاب عسكري واضح، ادعى منظموه بأنه ثورة استمدت مشروعيتها من إرادة الشعب. ولكن سرعان ما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وبدا واضحاً بأن ما حدث كان انقلاباً عسكرياً استهدف تصفية الإخوان، وتهميش القوى السياسية المصرية الأخرى، بتغطية سياسية إقليمية ودولية. وقد تجلى ذلك بوضوح في المواقف الصامتة من المحاكمات الصورية، والحالات غير المسبوقة التي شهدتها المحاكم المصرية من جهة إصدار أحكام الإعدام على الخصوم السياسيين؛ الأمر الذي أثار اعتراضات كبرى من جانب منظمات حقوق الإنسان الدولية التي طالبت بمراعاة حقوق السجناء، وإجراء محاكمات عادلة تتوفر فيها على الأقل أدنى الشروط القانونية.
ولكن السلطات العسكرية المصرية استمرت في تجاهل الاعتراضات، واستخدمت تلك المحاكمات وسيلة لقهر إرادة المصريين. وكان شعار محاربة الإرهاب هو السيف المسلط على رقاب المعارضين، وهو الشعار نفسه الذي استخدمه، وما زال يستخدمه، النظام السوري في مواجهة ثورة السوريين.
وقد كان الاعتقاد في بداية الأمر هو أن الأحكام لن تنفذ، وإنما ستظل في خانة التهديد ريثما يتم التوصل إلى توافقات؛ ولكن تبين لاحقاً أن الأمر لم يكن كذلك. فقد نفذت حتى الآن عشرات الإعدامات بحق المعتقلين السياسيين، وهناك حالات وفاة نتيجة ظروف الاعتقال المزرية، وعدم وجود الحد الأدنى من الرعاية الطبية المطلوبة. وقبل أيام، وفي شهر رمضان المبارك، كانت هناك موجة من الإعدامات التي شملت شيخاً قد تجاوز الثمانين، الأمر الذي أثار الانتقاد والاشمئزاز، بل والإدانة من قبل معظم المنظمات الحقوقية والإنسانية المعروفة على المستوى العالمي؛ وكل ذلك يؤدي إلى ارتفاع وتيرة الاستقطاب في المجتمع المصري، ولا يساهم في حل جملة المشكلات المستعصية التي يعاني منها هذا المجتمع.
مصر اليوم في حاجة إلى مصالحة وطنية شاملة، مصالحة تتحقق عبر حوار وطني عام، تشارك فيه كل القوى السياسية التي تعلن التزامها بالمشروع الوطني المصري، وتحترم الخصوصيات والحقوق على مستوى الجماعات والأحزاب والأفراد. مشروع هدفه دولة مدنية تعددية ديمقراطية؛ تُفسح المجال أمام الجميع للمشاركة في الإدارة وتعزيز الأمن والاستقرار والتنمية؛ وتوفير المقدمات الضرورية لتأمين أساسيات العيش الكريم الضرورية للمواطن المصري، لا سيما في ميادين التعليم والعمل والصحة والخدمات العامة.
مصر قوة رئيسة في المنطقة. وتصالحها مع ذاتها، واستقرارها يساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها. وهي تستطيع أن تؤدي مع القوى الإقليمية الأخرى دوراً فاعلاً في إعادة التوازن إلى إقليمنا المضطرب.
واليوم، هناك تحركات على أكثر من صعيد، وأكثر من مستوى، تبحث عن تفاهمات إقليمية، ولكن هذه التفاهمات ما لم تستند إلى استقرار داخلي في الدول المعنية يتحقق عبر حل المشكلات الداخلية، فإن الأبواب تظل مفتوحة أمام جميع الاحتمالات غير المبشّرة بالنسبة إلى شعوب المنطقة، ومستقبل أجيالها المقبلة.
* كاتب وأكاديمي سوري