من وراء إيقاظ عفريت «داعش» في العراق مرة أخرى؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

اتهامات لبعض القوى السياسية بانها توفر للتنظيم، مستلزمات البقاء والتحرك بين آونة وأخرى، مع ملاحظة ان التدهور الأمني لا يقتصر على تزايد هجمات «داعش» بل يشمل تغول الفصائل.

بغداد-»القدس العربي»: تطور نوعي لافت تميزت به هجمات تنظيم «داعش» الإرهابي مؤخرا في العراق، وسط تساؤلات مشروعة عن سر قدرة التنظيم على الاستمرارية وعجز جيوش جرارة من القوات المسلحة وعشرات الأجهزة الأمنية والاستخبارية، عن إنهاء هذه الظاهرة التي تبرز تارة وتختفي أخرى، تبعا للأزمات السياسية والصراعات بين أحزاب السلطة والمصالح الإقليمية والدولية.
وقد تابع العراقيون والمراقبون بقلق، تناميا متصاعدا في عمليات تنظيم «داعش» في العديد من مناطق العراق، مع تطور ملحوظ في أساليب شن الهجمات، ما يدل على تطور قدرات عناصر التنظيم على امتصاص الحملات والإجراءات الحكومية والإفلات منها وإحداث العديد من الاختراقات الأمنية الخطيرة.
وعقب سلسلة هجمات على مواقع عسكرية وأهداف مدنية في مدن العراق، نسبتها السلطات العراقية إلى تنظيم «داعش» وجه الكاظمي الأجهزة الأمنية الاتحادية والبيشمركه، «بتنشيط الجهد الاستخباري لبسط الأمن والاستقرار». إلا ان شكوكا تراود الجميع في قدرة الحكومة العراقية على إنهاء هذه الظاهرة بسهولة، رغم الحديث عن تنفيذ حملات أمنية متواصلة لملاحقة عناصر التنظيم الذي أعلنت حكومة بغداد القضاء عليه منذ عام 2017.
وكان تطورا نوعيا لافتا قيام العشرات من عناصر التنظيم، بشن هجمات منسقة على المواقع الأمنية في قضاء الدبس التابع لمحافظة كركوك، حيث شن عناصر التنظيم هجوما واسعا على موقع أمني للبيشمركه أدى إلى قتل 6 من عناصره وفرار الباقين منه، وسيطر التنظيم على الموقع حتى اليوم التالي عندما شنت قوة كبيرة من البيشمركه هجوما على الموقع، ليعود التنظيم إلى مهاجمة نقطة أخرى للجيش في نفس المنطقة بعد ثلاثة أيام، كما شن التنظيم عدة هجمات في مناطق أخرى من كركوك.
ونفس السيناريو تكرر في نقطة حدودية تابعة للجيش قرب مدينة القائم على الحدود العراقية السورية، حيث شن العشرات من عناصر التنظيم هجوما على الموقع وسيطروا عليه حتى اليوم التالي واستولوا على الأسلحة فيه بعد انسحاب عناصر الجيش منه، حتى شنت قوات حكومية هجوما كبيرا واستعادت الموقع.
والأسلوب الآخر الذي نفذه التنظيم في الطارمية شمال بغداد وديالى ومناطق أخرى، هو تفجير عبوات ناسفة قوية في طريق الدوريات العسكرية، ثم نصب كمائن (قنص وهاونات) لضرب القوات التي تحضر إلى مكان الهجوم للنجدة، من أجل إيقاع خسائر أكبر في القوات الحكومية، فيما شن عناصر «داعش» خلال رمضان، ثلاث هجمات على نقاط عسكرية في محافظة صلاح الدين بأسلحة القناص وقذائف الهاون. وفي العديد من الحالات كان التنظيم يشن عدة هجمات في مناطق متفرقة وفي وقت واحد، مما يدل على مرونة وقدرة التنظيم على تنسيق هجماته.
أما الأسلوب الأخطر في الهجمات، فهو استهداف آبار النفط وأنابيب نقله وخطوط نقل الطاقة الكهربائية، حيث وقعت عدة هجمات على الحقول النفطية في كركوك وتسع هجمات على حقول نفط خانة في ديالى خلال الأشهر الأخيرة، أدت إلى سقوط قتلى وجرحى وخسائر مادية، فيما تكررت الهجمات على أبراج نقل الكهرباء، وخاصة المستوردة من إيران في ديالى.
ولعل أبرز الثغرات التي يستغلها التنظيم، هي الحدود الواسعة بين العراق وسوريا، إذ يتنقل عناصره بين المناطق الحدودية المشتركة بشكل واسع، وكذلك في المساحات المحصورة بين مناطق سيطرة القوات الاتحادية والبيشمركه شمال العراق، حيث يوفر عدم التنسيق بين الطرفين (بسبب غياب الثقة) مجالا لتحرك الإرهابيين، إضافة إلى تحركه في المناطق النائية الوعرة التي يضعف التواجد الأمني الحكومي فيها، بحيث تشير مصادر عسكرية إلى رصد تحرك مجموعات كبيرة (بالمئات) من عناصر «داعش» في تلك المناطق أحيانا.
ورغم تعهد السلطات العراقية بالقضاء على التنظيم ووقف عملياته، إلا أن تساؤلات تثار عن أسباب استمرارية الهجمات، التي أقر العديد من النواب وقيادات أحزاب السلطة انها مرتبطة بالوضع السياسي، والصراع بين الأحزاب واستخدام ورقة «داعش» من عدة أطراف، فيما عزا المحللون استمرار الهجمات إلى ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية الحكومية والحشد الشعبي والبيشمركه، إضافة إلى ضعف كفاءة الكثير من القيادات العسكرية والأمنية التي فرضتها المحاصصة الحزبية والفساد.
وفي مثال على استغلال ورقة «داعش» سياسيا، فإن حكومة الإقليم تستغل تصاعد هجمات «داعش» كمبرر للمطالبة بإعادة البيشمركه للمناطق المتنازع عليها وخاصة كركوك النفطية. وطالما حمّلت حكومة الإقليم، بغداد مسؤولية استمرار مسلسل الهجمات المتكررة التي يشنها التنظيم، مطالبة بالسماح بتواجد البيشمركه في المناطق المتنازع عليها لضمان الاستقرار فيها، وهو ما يثير مخاوف ورفض القوى الشيعية والتركمانية، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات.
ومثلما تعد ورقة «داعش» أحد مبررات التواجد العسكري الأمريكي في العراق وتأخير الانسحاب منه، فانها تخدم أيضا التدخل الإيراني، بغطاء دعم الحلفاء من الفصائل الولائية التي تلاحق أبناء المكون السني في المحافظات المحررة من «داعش» بحجة كونهم حاضنة للتنظيم.
وهكذا يبدو واضحا، أن جهات عدة، محلية وخارجية، مستفيدة من عودة نشاطات تنظيم «داعش» بل هناك اتهامات لبعض القوى السياسية بانها توفر للتنظيم، ظروف ومستلزمات البقاء والتحرك بين آونة وأخرى، مع ملاحظة ان التدهور الأمني وتزايد الخروق الأمنية في العراق، لا يقتصر على تزايد الهجمات الإرهابية لتنظيم «داعش» فحسب، بل ويشمل تغول الفصائل وتكرار قصفها الصاروخي على القواعد التي يتواجد فيها جنود أمريكان، وسلسلة الحرائق الأخيرة في المستشفيات والمراكز التجارية والمؤسسات الحكومية، وتصاعد التظاهرات، بما يؤكد بأن توتير الأوضاع والخروقات الأمنية، ليست حوادث عابرة منفردة، بل هي انعكاس للتوترات السياسية والصراعات الحزبية قبيل الانتخابات، إضافة إلى تداعيات الصراع الإيراني الأمريكي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية