أنقرة تؤكد على التفريق بين الميليشيات والقوات النظامية الشرعية
إسطنبول-»القدس العربي»: مع تراجع خطر المواجهة العسكرية والتقدم الحذر في العملية السياسية في ليبيا، بدأت تتصاعد تدريجياً أصوات ليبية ودولية تضغط على تركيا بضرورة سحب قواتها من ليبيا للمساعدة في دفع العملية السياسية وإنهاء التدخلات الأجنبية في البلاد وهو ما تنظر إليه أنقرة بحذر بالغ لا سيما في ظل استمرار العديد من الأطراف الدولية بتقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري لمعسكر الانقلابي حفتر وترى فيه خطراً ما زال يهدد نجاح العملية السياسية والعاصمة طرابلس والمكتسبات التي حققتها أنقرة من خلال تدخلها العسكري في ليبيا.
وإلى جانب الضغط على تركيا لسحب قواتها من ليبيا وهو ما يعني إنهاء مذكرة التفاهم العسكري التي تدخل الجيش التركي بموجبها في ليبيا، فإن أنقرة تواجه أيضاً مساعي أطراف دولية مختلفة للضغط على الحكومة الليبية لإلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين الجانبين، وهما أمران في حال حصولهما يمكن أن يعيدا تركيا إلى نقطة الصفر في الصراع الإقليمي وأزمة شرق المتوسط وخسارة كافة المكتسبات التي جرى تحقيقها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
وعلى الرغم من أن خطر إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لا يبدو كبيراً كونها محصنة باتفاقيات رسمية ومودعة في الأمم المتحدة، إلا أن الضغوط المتعلقة بتواجد القوات التركية تبدو جدية أكثر من أي وقت مضى وباتت تمثل أرقاً للجانب التركي الذي عزز تحركاته في الأيام الأخيرة لا سيما زيارة كبار المسؤولين الأتراك إلى طرابلس وعلى رأسهم وزير الدفاع خلوصي أقار ووزير الخارجية مولود جاوش اوغلو ورئيس الاستخبارات هاكان فيدان وغيرهم من المسؤولين.
وفي الأيام الأخيرة، تصاعدت المطالبات الدولية بضرورة سحب القوات التركية من ليبيا من خلال الحديث عن ضرورة انسحاب كافة «الميليشيات والمرتزقة والقوات الأجنبية» وصدرت تصريحات عن الإدارة الأمريكية تؤكد على هذه النقطة بشكل خاص، في حين طالبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بشكل واضح من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان خلال اتصال هاتفي بضرورة انسحاب القوات الأجنبية من ليبيا، إلى جانب العديد من التصريحات التي صدرت عن فرنسا ودول أوروبية ومصر ودول عربية مختلفة.
هذا الموقف الدولي ورغم أهميته، لا يبدو جديداً ولا يشكل ازعاجاً كبيراً لتركيا بقدر الازعاج الذي شكلته تصريحات وزيرة الخارجية الليبية الجديدة نجلاء المنقوش والتي أثارت الكثير من الجدل طوال الأيام الماضية من خلال إصدارها تصريحات مختلفة دعت فيها بشكل واضح ولا لبس فيه بضرورة انسحاب الميليشيات والقوات الأجنبية والقوات التركية بشكل خاص. حيث عملت أنقرة بقوة على ترسيخ مبدأ للتفريق بين «الميليشيات المسلحة غير الشرعية» وبين «القوات التركية النظامية المتواجدة بموجب اتفاق رسمي مع الحكومة الشرعية».
وقبل أيام قالت المنقوش في تصريحات نقلتها وكالة «آكي» الإيطالية إن بلادها بدأت «حوارا مع تركيا ومصممون على انسحابها من البلاد» وهو ما أثار ردود فعل واسعة حيث اضطرت الخارجية الليبية إلى إصدار توضيح قالت فيه إن الوزيرة «لم تقصد تركيا وطالبت بسحب الميليشيات» في حين أكد كبار مسؤولي طرابلس على التزامهم بمذكرة التفاهم العسكرية مع تركيا وشرعيتها.
إلا أن الوزيرة التي أثبتت مجدداً أنها تحمل توجهات سياسية مناوئة لتركيا عاودت وخلال المؤتمر الصحافي مع نظيرها التركي تكرار موقفها ومطلبها بضرورة انسحاب القوات التركية وذلك من خلال التأكيد على عبارة «سحب القوات الأجنبية» وعدم الاكتفاء بالمطالبة بسحب «الميليشيات» وقالت المنقوش: «ندعو تركيا إلى اتخاذ خطوات لتنفيذ مخرجات برلين حول ليبيا وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والتعاون معاً في إنهاء تواجد كافة القوات الأجنبية والمرتزقة في ليبيا حفاظا على سيادتها».
وفي نقاش على الهواء مباشرة، رفض الوزير التركي مساواة تواجد قوات بلاده في ليبيا بما وصفها بـ»المجموعات غير الشرعية» وقال: «هناك أصوات تتعالى تريد مساواة وجود تركيا في ليبيا مع المجموعات الأخرى غير الشرعية.. التعاون في إطار مذكرة التفاهم منع ليبيا من الوقوع في حرب أهلية، ودعمنا مهد الطريق لمنح الفرصة لوقف إطلاق النار وتشكيل سلطة سياسية جديدة موحدة» وأضاف: «وقفنا مع الليبيين في الأوقات الصعبة (…)، بالنسبة لنا ليبيا مقدسة بشرقها وجنوبها وغربها» مجددا دعم بلاده للحكومة الجديدة.
هذا الجدل تكرر مجدداً خلال مؤتمر صحافي بين جاوش أوغلو ونظيره الألماني هيكو ماس في برلين، الخميس، حيث رد الوزير التركي على مطالبات ألمانيا بسحب القوات الأجنبية بالتأكيد على أن «تركيا وألمانيا تتفقان على ضرورة مغادرة جميع المرتزقة الأجانب ليبيا، لكن أنقرة لديها اتفاقا ثنائيا مع الحكومة الليبية بشأن تمركز قواتها هناك» وقال: «القوات التركية في ليبيا موجودة بموجب اتفاق مع حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة وينبغي عدم الخلط بينها وبين المرتزقة الأجانب المتمركزين هناك».
وما يزيد من القلق التركي أن تصاعد هذه الضغوط يأتي بالتزامن مع رصد لتحركات متزايدة للانقلابي خليفة حفتر وداعميه ولدت مخاوف من نيته تفجير الأوضاع العسكرية في البلاد مرة أخرى لا سيما عقب منعه عقد اجتماع الحكومة الذي كان مقرراً في بنغازي بالتزامن مع عودة الحديث عن وصول طائرات أسلحة لميليشياته التي كثفت تحركاتها مع تكثيف حفتر اتصالاته السياسية التي وصفت بـ»المشبوهة» إلى جانب الخشية التركية من التحركات اليونانية لدفع الحكومة الليبية لمراجعة وإلغاء مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا.
وخلال لقائه جنود وضباط أتراك في طرابلس، أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أقار أن وجود الجنود الأتراك في ليبيا «جاء من أجل حماية حقوق ومصالح الليبيين ومساعدتهم» وأكد أقار أن الوجود التركي في ليبيا مهم للغاية من ناحية «حماية مصالحها وحقوقها في شرق البحر المتوسط» وأن أنقرة مستمرة في أنشطتها شرقي المتوسط بما في ذلك اتفاقية مناطق الصلاحية البحرية مع ليبيا، مشدداً على أن «مساعي اليونان من أجل إبطال هذه الاتفاقية عقيمة، وأن تركيا تدعم حل المشاكل بالطرق السلمية والحوار وحسن الجوار والقانون الدولي».
وفي لقاء بث على قناة «الجزيرة» الأربعاء، أكّد رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، أن بلاده «لن تفرّط» في الاتفاقية البحرية الموقَّعة بين ليبيا وتركيا، وقال: «نختلف مع اليونان في تقييم الاتفاقية البحرية الليبية التركية، التي تخدم الليبيين، ولن نفرّط فيها».
وعلى الرغم من حصول أنقرة على تطمينات ليبية مختلفة من رئيس الحكومة ورئيس المجلس الرئاسي ووزير الدفاع ورئيس الأركان حول سير العمل بذكرتي التفاهم البحرية والعسكرية، وتفهم فكرة أن وزيرة الخارجية جاءت من توجه سياسي مختلف في إطار توافقات حكومة الوحدة الوطنية، إلا أن التقديرات بحصول المنقوش على دعم من المحور الداعم لحفتر عربياً وأوروبياً واستمرارها في إثارة ملف القوات التركية وربما لاحقاً الاتفاقية البحرية في المحافل الدولية يبقى أمراً مزعجاً ومقلقاً لتركيا طوال المرحلة المقبلة.