مسيرة للمتدينين اليهود والبت قضائياً في أمر “الشيخ جراح”.. هل تقف القدس على فوهة بركان؟

حجم الخط
0

افتتحت الجمعة الأخيرة من شهر رمضان ببشرى إيجابية في القدس. في الصباح، في أعقاب ضغوط من مكتب رئيس الحكومة، أعلن عضو الكنيست ايتمار بن غبير عن إخلاء المكتب المرتجل الذي أقامه أمام بيوت العائلات الفلسطينية التي تقرر إخلاؤها في حي الشيخ جراح شرقي القدس. بعد ذلك، أقام عشرات الآلاف من المسلمين من أرجاء إسرائيل والضفة صلاة الجمعة في الحرم وتفرقوا بهدوء.

بدأ الشعور بالتوتر بعد ساعات الظهيرة في المظاهرة الثابتة لإسرائيليين وفلسطينيين في الشيخ جراح، التي تجري منذ 12 سنة بصورة متواصلة. قبل لحظة من المظاهرة، اعتقلت الشرطة أحد النشطاء البارزين في الحي وهو صالح ذياب. صد رجال الشرطة المتظاهرين بالقوة. ومرة أخرى قاموا بإسقاط وكسر نظارات عضو الكنيست عوفر كسيف، الذي هاجمه رجال الشرطة في الحي قبل شهر أيضاً. وأطلق رجال الشرطة قنابل الصوت وأصابوا متظاهرين إسرائيليين.

قبل دقائق من الإفطار بدأت مواجهات في البلدة القديمة حول بوابات الحرم. في أحد الأفلام التي نشرت عبر الشبكات الاجتماعية ظهر جندي شاب من حرس الحدود وهو يقترب من فلسطينيين ويلوح بصورة مهددة بقنبلة صوت، وبعد ذلك رماها بحركة دائرة غير مبالية بين الأرجل، انفجرت القنبلة بين كرسي متحرك لطفلة صغيرة هربت بذعر. كانت الإشارة الأولى على أن الشرطة قد تلقت تعليمات بالتصرف بشكل صارم مع الفلسطينيين وبدون تسامح.

مثلما في كل مساء في الأيام العشرة الأخيرة في شهر رمضان، التي تعتبر الأيام الأكثر قداسة، تجمع يوم الجمعة آلاف الأشخاص لتناول وجبة الإفطار والصلاة في الحرم. ومثلما في الأيام الأخيرة، برز في الحرم حضور عرب إسرائيل من أم الفحم والناصرة وسخنين. بعد انتهاء الصلاة، سمعت هتافات “من أجل الشيخ جراح وحماس ومحمد ضيف”. عند الإفطار بدأ الفلسطينيون يرشقون الحجارة على رجال الشرطة في منطقة الحرم. فدخلت الشرطة إلى الحرم بقوة كبيرة وتطورت في المكان معركة حجارة وقنابل صوت استمرت لساعات كثيرة. واحتج سكان من غربي المدينة، على بعد بضعة كيلومترات من هناك، من صوت الانفجارات. ألقى رجال الشرطة القنابل على مبنى باب الرحمة المغلق وفيه مئات الأشخاص. واقتحموا عيادة وألقوا داخلها قنابل صوت. معظم المصابين أصيبوا وهم داخل الحرم.

كانت هناك أمور بارزة في الأفلام التي وثقت ما حدث داخل الحرم وفي البلدة القديمة. الأمر الاول هو خوف الأطفال من قنابل الصوت. ظهر رجال الشرطة وهم يطلقون قنابل الصوت والأولاد يصرخون ويهربون بذعر. الأمر الثاني هو عدم خوف الشباب الفلسطينيين واستعدادهم للتصادم مع رجال الشرطة حتى بثمن الإصابة أو الاعتقال. في أحد الأفلام ظهر شاب وهو يتسلق السور عند درج باب العامود للقفز فوق رؤوس عدد من رجال الشرطة المحميين الذين كانوا يقفون في أسفل الدرج. في آخر الليل كان هناك أكثر من 200 مصاب فلسطيني، 88 منهم احتاجوا إلى العلاج، واثنان وصفت حالتهم بخطيرة، أحدهم فقد عينه. في أوساط رجال الشرطة كان هناك 17 مصاباً بإصابات طفيفة.

من الصعب وحتى من المستحيل، الإشارة إلى جهة واحدة تقف من وراء الليلة الأكثر عنفاً التي عرفتها القدس في السنوات الأخيرة. هناك نقاط كثيرة على محور الزمن يمكن البدء منها: قبل بضعة أسابيع كان هناك قرار بوضع الحواجز في منطقة باب العامود مع بداية شهر رمضان؛ وقبل أربعة أشهر صدرت أوامر بإخلاء العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح؛ وقبل سنة عندما ضربت أزمة كورونا اقتصاد شرقي القدس بقوة وأدت إلى نسبة بطالة عالية في أوساط الشباب الفلسطينيين؛ ثم قرار محمود عباس تأجيل انتخابات السلطة؛ وقرار حماس زيادة حدة التصريحات التي تتعلق بالقدس.

هذه الصعوبة لا تعفي الشرطة ومتخذي القرارات من المسؤولية عن سلسلة قرارات خاطئة فيما يتعلق بالقدس. بدءاً من عدم الحساسية بوضع الحواجز، ومروراً بتشجيع سياسي لمنظمات تقوم بتهويد الشيخ جراح، وانتهاء بإطلاق يد الشرطة في شوارع القدس، الذين عملوا أمس وكأنهم جاءوا لصب الزيت على النار بدلاً من إطفائها.

ليس مهماً معرفة النقطة التي نختارها على محور الزمن أو قرار ضابط أو موظف أو قاض كي نعتبره بداية الانفجار، إذ يجب القول في نهاية المطاف بأن القدس مكان غير مستقر، حتى لو مرت سنوات بين موجة عنف وأخرى أحياناً، وحتى لو كانت هناك عمليات مشجعة من التقارب وتقليص الفجوة بين شطري المدينة. في نهاية المطاف، يعدّ نصف المدينة (عاصمة إسرائيل) مكاناً محتلاً، و40 في المئة من سكانه غير مواطنين في الدولة، ويعتبرون إسرائيل سلطة قمعية. على الشرطة والسلطات الأخرى الاعتراف بذلك والعمل على تهدئة النفوس، من خلال الإدراك بأنه لا يمكن إطفاء هذا الحريق بصورة دائمة في الوضع القائم.

ستكون الأيام القريبة القادمة متوترة جداً. كانت الليلة الماضية ليلة القدر، التي هي إحدى الليالي الأخيرة في شهر رمضان والتي يتجمع فيها عادة حوالي 200 ألف شخص داخل الحرم. مساء اليوم تبدأ أحداث يوم القدس بمسيرة لطلاب المدرسة الدينية “مركاز هراف” إلى البلدة القديمة. وصباح الغد سيناقش قضاة المحكمة العليا الثلاثة طلبات العائلات الثلاث في حي الشيخ جراح، طلب إلغاء أوامر الإخلاء ضدها. وفي مساء اليوم نفسه، ستقام مسيرة الأعلام الجماهيرية عبر الحي الإسلامي. كل حدث من هذه الأحداث سيشعل أعمال العنف من جديد. تحتاج القدس اليوم إلى اتزان وعقلانية أكثر من أي وقت مضى.

بقلمنير حسون

 هآرتس 9/5/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية