هيثم ابوخليل في أيام الصبا كنت أتدافع مع الكثير من شباب التيار الإسلامي إلى تقبيل أيادي قيادات الحركة الإسلامية آنذاك ونتفاخر في مجالسنا بذلك وقد رسمت في مخيلتي صورة لهؤلاء تـــقترب من صورة الأنبياء والسابقين دون أي مبالغة وزادني ذلك حبي لعــــبارة التابعي أبن السماك الذي قال حين حضرته الوفـــاة قولته الرائعة: ‘اللهــــم إن كنت قد عصيتك فأني أشهد الله أنني كنت أحب من يطيعـــك’، ومرت الأيام ووقف هذا التصور وهذه الرؤية مع طبيعة التلقيـــــن التي كنا نعتمد عليها في تلقي التوجيـــهات والتعلـــيمات أمام عـــيني وفي وجداني حائلاً في بذل أي محاولة للنــــقاش أو محاولة أو تخيل أن أتناقــــش مع هؤلاء حتى ليس من باب التوضيح وبالطـــبع استحالة الاعتراض أو النقد.
نقرأ كل يوم مواقف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتلطفه الرائع مع المخالفين والمنتقدين، بل وطلبه النصيحة والمشورة في المجالس العامة وعلى الأشهاد ويمر وكذلك للصحابة رضي الله عنهم وتمر علينا هذه المواقف مرور الكرام لأن التعايش الفعال مع النبع الصافي لسيرة سيدنا النبي والصحابة يحتاج لصدق ومجهود لأن عامل الزمن والبعد يوثر في المحاكاة والاقتباس فربما تأثر البعض باجتهاد من ينقل له عن أصل من ينقل عنه..! وهو الأمر الذي فطن له علماء الصوفية مبكراً فقالوا للأتباع والمريدين، أنظر لشيخك كنموذج واقعي ومتمثل أمامك في المعاملات والعبادات وغيرها وأثر ذلك ناجع وقوي ربما أكثر لو قلت له تمثل علم بن العباس أو شجاعة خالد بن الوليد.
ويشاء الله عز وجل أن أتعامل مع بعض من رموز التيار الإسلامي معاملات خاصة نظراً لظروف عمل أو ظروف الدعوة وهناك بون شاسع بين المجالين وبين الميدانين.. وأشهد أنني كما وجدت منهم أناسا على خير كثير وكما توقعت وتخيلتهم قائمين صائمين والأهم من ذلك زاهدين آخذين الدعوة مأخذ الجد.. وجدت آخرين أثرت فيهم زهوة القيادة وآثارها وأنا أتذكر كلمات الإمام أبو حامد الغزالي أن آخر ما يخرج من قلوب الصالحين هو حب الزعامة.. كنت أتساءل حتى ولو كانت النتيجة تنكيل واعتقالات.. فجاءت الإجابة من رجل من رجال الدعوة المخلصين قائلاً: ان هناك من تصور أن الدعوة لن تستقيم إلا بوجوده وأنها ستتأثر كثيراً لو جلس في المؤخرة وهذا النوع تسرب إليه اليسير من حب الدنيا والعجب بالنفس، فالأتقياء الأخفياء يخشون تولي المسؤولية حقيقة وليس إدعاء خوفاً من الحساب وتجدهم يفرون من ذلك بكل ما أوتوا من قوة… ؟ بالطبع ليس المهم المكان الذي تشغله لكن فعاليتك وتأثيرك ودورك فيه، فربما يكون فرد بسيط لا يلقي أحد له بالاً هو السبب في فتح كبير ونهضة ممتدة.. وهل ننسى سلمان الفارسي؟ بل وهل ننسى أن من أقترح على قيادات الجيش المصري أبان حرب 6 اكتوبر المجيدة عندما حدثت إشكالية في ثقل عتاد الجندي المصري أثناء صعوده لخط بارليف بعد الاقتحام، خاصة من يحملون مدافع وذخائر، فجاء الحل عندما طرح الأمر لجمهور الجنود في حضرة القيادات من جندي (عادة) أمي يعمل بائعا للمياة الغازية في محطة قطار باب الحديد آنذاك وكان الحل هو العربة اليدوية التي تنقل بها الصناديق من السيارة للمحال ولقد كان الحل بالفعل مع بعض التعديل الطفيف..! الأمور يسيرة وسهلة وعقل ألف ليس كعقل عشرة وعقل مليون ليس كعقل ألف لكن لابد ان تكون هناك القابلية للتغير ولتقبل الآراء المختلفة بتواضع دون أن يرى البعض أنه يرى ما لا يراه الآخرون فهو الخبرة والقيادة التي لا يشق لها غبار.. لابد أن تكون هناك مراجعات علنية وشفافة وكفى تبريرات تصيب التطور بشلل والكساح.. فلنطو صفحة الماضي ونبدأ صفحة جديدة، فالأمور الآن تختلف وأصبحت الحركة الإسلامية وما يمثلها من أحزاب شأنا عاما ويجب أن نقدم النموذج للمراجعات والاعتراف بالأخطاء فنقول: نعم أخطأنا في كذا وكذا ولن نكرر دعاية انتخابية أمام اللجان لأن هذا مخالف للعرف وما أتفق عليه.. نعم أخطأنا في تخطي حاجز التمويل للحملة الإنتخابية وتخطي المبالغ المقررة.. نعم أخطأنا في تقديم سيرات ذاتية لبعض المرشحين غير دقيقة بل وغير حقيقية. المحاسبة سياج واق ومانع للفساد ويمنع النفوس الضعيفة من الوقوع في الأخطاء والتماهي مع الفاسد طالما لم يصبه عقاب. ما المانع أن نعلن عن الأخطاء والعقاب فهذا أدعى للمصداقية، فنحن تجمع بشري يصيب ويخطئ.. الاعتذار والاعتراف بالأخطاء رسالة كبيرة تحمل كما هائلا من التضمينات أن الحق قديم وأن الرجوع للحق هو الأهم وأننا بشر وخير الخطائين التوابون.’ ناشط سياسي وحقوقي