ابراهيم نصرالله: الشاعر المايسترو

حجم الخط
0

عمر صبري كتمتو كأني به حين يكتب شعرا فانه يبدأ بتناول أدواته ومفرداته بعناية فائقة ثم يوزعها على الورق كما يفعل مايسترو الموسيقى بتوزيع وتقنين وتوسيع أصوات فرقته العازفة. هكذا يعيش شاعرنا المبدع ابراهيم نصرالله لحظات كتابة القصيدة، وهي توحى اليه شيئا فشيئا كي تخرج الى الوجود بحلة متميزة عن معظم ما يكتبه الشعراء المحدثون، خاصة شعراء القصيدة النثرية، وكذلك شعراء التفعيلة الفراهيدية بحداثتها وخروجها عن صدور القصائد التقليدية وأعجازها، ذلك الشكل التقليدي المعروف لقصيدة الشعر العربية منذ ما قبل الاسلام مرورا بعصر صدر الاسلام، ومن ثم العصور الأدبية المعروفة المتتالية من أموي وعباس وأندلسي وصولا لعصر النهضة وأخيرا العصر الحديث الدي نعيشه الآن، والذي أنتج أشكالا، وهياكل جديدة للقصيدة العربية التي يعتبر شاعرنا ابراهيم نصرالله واحدا ‘-برأيي – ‘من أهم شعرائها.”في قصيدته (المجانين) بقول ابراهيم نصرالله:’المجانين، مثل الصباح يدورون بين البيوتينصتون لصوت النوافذخشخشة الورق الساقطالخطوات التي تترصد أحلامهم في الهواءوفي غرف الريح فوق السطوحالمجانين لا، لا يقولون شيئايمرون بين رصيفين كالعربات الجديدةلا يحملون كلاما على ظهورهم لا، ولا قمرا في الجروحيهمسون لمن يسمع أو يشتهي أن يبوحعن هشاشة عظم الخيولوعن سحب من طحالب سوداء فوق أغان وروحالمجانين مروا مرور الكرامولم يتركو للمدى خلفهمغير ناي يغني وناي ينوحليس من الصعب على من يراجع أشعار ابراهيم نصرالله أن يتعرف على قصائده حتى لو نشرها من غير توقيع، لأنه حدد معالم أسلوبه المتفرد سواء من حيث تناوله للموضوع أو من حيث صياغته للقصيدة، فمثله في الشعر كمثل الرسام السوري الكبير الراحل فاتح المدرس في الفن التشكيلي، عندما تقرأ قصيدة لنصرالله في مجلة مختصة بالشعر وبين عدد كبير من القصائد، فانك سوف تكتشف أنه هو صاحبها حتى لو لم يذيلها باسمه، وهكذا الحال حينما تدخل الى صالة عروض للفن التشكيلي وتنظر الى العدد الهائل من اللوحات الجميلة، فانك ولا شك سوف تتعرف على لوحة فاتح المدرس حتى ولو لم يكن قد وضع توقيعه عليها.

ولا شك أن التمايز في الشعر هو حقيقة نتلمسها فقط لدى الشعراء الكبار، الذين تركوا بصمة قوية وواضحة في شعرنا العربي الحديث وهذه هي الميزة التي تفوق فيها نصرالله في مجموعته الشعرية الواسعة (لو أنني كنت مايسترو)كلما أبصرتني راحت تردد:

ها شبت قبليتنشر خصلاتها في الهواءتفتش عن شعرة قد رماها البياض بأسمائهوتردد: لا شيءها شبت قبليوتسألني فجأة:

هل رأيت خروجي من جنتيوضياعي هنا في مكاني المقيدفي خطوتيوانفراط عصافير روحي صباحا على عتباتيمساء على حزن أغنيتي؟

هكذا يخاطب الشاعر أمه في قصيدته (أمي) ويدور بينهما الحوارالذي فيه شيء من الدعابة، وترد عليه بروح الدعابة أيضا فيخرج من حوارهما التشبث بالوطن، لأن الشاعر يبتعد في معظم قصائده عن المباشرة والمبالغة بالحديث عن الوطن، الذي يظهر فجأة ومن قصيدة لأخرى بأنه هاجسه وبأنه يعيش بين ضلوعه وأحاسيسه التي تتناوب صورا من وراء صور وانسجاما مع الفكرة التي أساسها الأم التي تمثل كل الأمهات حينما ينتهي الى القول بلسان أمه:’لم تر مثلي وقد شبت قبلي!! وتضحك: لولا ارتعاش يدي القليلوهذا الوهنحينما أصعد الدرجاتلقلت بأني صبيةتصعد جبلاوتهبطه جبلا أو وطنا’بعد هذا الحوار الذي يفوح منه عبق الحب الذي تكنه الأم لابنها يختم الشاعر قصيدته قائلا:’وتعيد السؤالأقول لهالن يغار العجوز- الفتى من شبابكوتضحك ثانيةاعترفت!! أهز لها الرأس كي لا أقوللقد شبت قبلك، هذا لأني أنا من رأىيا وليفة هذا الصباح المعذب كل عذابكفي هذه المجموعة الشعرية الكبيرة لابراهيم نصر الله، لا تكاد تقرأ قصيدة الا وتبدأ أخرى ولا تدري أي القصائد أجمل. فهو يستخدم أحيانا بعض الكلمات التي لم نألفها في مفردات الشعر لتصبح شعرا ويخوض في مواضيع وعناوين عادية لقصائد لا نلبث أن نتبين كم هي جديرة تلك القصائد بعناوينها بعد أن ننتهي من القراءة.

ان العدد الكبير لقصائد الديوان يجعل الأمر أكثر صعوبة لتحليل القصائد كلها، لكنه وبعد أن تراجعه تدرك أن الاستمتاع بقراءته أسبغ عليك حب قراءته من جديد، ذلك لتنوع مواضيعه وايقاع قوافيه وجمال مفرداته وابتعاده عن المباشرة واتصاله الجميل بالواقع حتى وان كان الواقع ليس جميلا.

قليلا.. يسقط القتلى بلا عددقليلا.. يرحل الموتى على السفنقليلا تمسك الأرواح بالأعتابأمام الريح والقمر الرمادي والذي يتفقد الأعشابولا يبقى سوى الزمن.. هنا وطني!!!! لقد اختار الشاعر ابراهيم نصرالله عناوبن فرعية لديوانه ‘لو أنني كنت مايسترو’، ووضع لكل جزء عنوانا واحدا لقصائد متعددة، بدأت بالعنوان التالي: تضاد، ثم عتبات تحاول الدخول وأخيرا مواويل، حيث نقرأ قصيدته بعنوان دفتر كبير:

كان وجهك أقرب ما يكون الىوجه طالبة تأخرت عن حصة الأدبيدك تشد على دفترك الكبيردفترك الذي يحجب صدركونصف عنقك الدقيق كشبابة!

كنت انتظرت وصولك من جهة أخرىجهة لا تشبه الحلمولا تلك الخضرة التي تضيء عينيك بخفرجهة لا تعرف ما الذي يمكن أن يخسره العالم حين تهبالريحوفي هذا الجزء أيضا يعيد علينا ابراهيم نصرالله ذكرى الأكاديمي الفلسطيني المتميز المرحوم الناقد الكبير احسان عباس في قصيدة طويلة بعنوان القديس جاء فيها:

ويهبط هذا النهار على ظلنا مطرافيه من لغة الناي حزن قديموشيء من الله والأنبياءويهبط غيما مضيئا بحكمة زيتوننافي دروب المساءويهبط أغنية تتجول في غرف البيت باحثة عن خيولوعن أنهر وفضاءويهبط هذا النهار.. نراك هنالك في شمسه شجرايحرس الروح في زمن الموت يا أبتيويرد البحار التي سقطت من ثياب السماء’ليس من السها أن تدرك دائما مقاصد الشاعر، أو تحاول تفكيك رموزه وصياغاته، لكن الأمر يختلف عند شاعرنا نصر الله لأن صياغاته ورموزه لا تلبث أن تتضح تماما وبشكل كامل بعد أن تأتي على آخر القصيدة أو أحيانا في سطرها الأخير، وغالبا ما تكون النهاية مفاجئة لكنها منسجمة مع تسلسل القصيدة وتداعيها.

انه ومما لا شك فيه أن الشاعر ابراهيم نصرالله حاز جوائز شعرية وروائية عديدة عن جدارة وقدرة كبيرتين في مجالي الشعر والرواية كجائزة عرار للشعر عام 1991 وجائزة تيسير سبول للرواية عام 1994 وجائزة سلطان العويس للشعر العربي عام 1997.’شاعر متميز جدير بالقراءة خاصة في هذا الزمن الذي تراجعت فيه قراءة الشعر.” شاعر من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية