رقص على أنغام ثورية وقبل أن يلبس ربطة عنق ظل يقاطعها أيام حكمه ثم ظهر في ملعب كرة قدم ليشارك بعض الشباب اللعبة الأوسع انتشارا وشهرة. فعل ذلك وأكثر، لكن فارق الأصوات البسيط لم يسمح للرئيس المتخلي بأن يجدد الإقامة في قصر قرطاج.
فقد بدا واضحا منذ البداية وحتى قبل أن تغلق مكاتب الاقتراع وتسارع قنوات التلفزيون للتهليل لفوز السبسي، أن الكفة تميل لصالح المرشح الذي لم يملك قدرة الدكتور المنصف المرزوقي أو مهارته القديمة على الكتابة، ولا الجديدة على الرقص ولعب الكرة، الذي وقف وهوعلى اعتاب التسعين لينافس على رئاسة بلد قيل يوما إن شبابه أطلق ثورة اشعلت ما حولها، لتتمدد بعد ذلك على الكون بأسره.
لم يمنع تقارب الأصوات بين المتنافسين مدير حملة السبسي من ان يسارع للاعلان بشكل حاسم وسريع وبمجرد غلق مكاتب الاقتراع عن انتصار «البجبوج» لان اي نتيجة اخرى كانت اشبه ما تكون بالمعجزة الصعبة والبعيدة في عصر ولت فيه المعجزات والخوارق، بعد أن مهد طريق قرطاج وفرش سجادها الأحمر امام السبسي بمباركات شيوخ المقامات والزوايا والمغنين ورجال الاعمال، وحتى رؤساء اندية الرياضة. ما بقي «للمرشح الوطني»، كما وصف نفسه بعد ان حصل على تأييد بعض الاحزاب ووجوه المجتمع والسياسة هو قص شريط افتتاح المهرجان او العرس الانتخابي، وتحضير كلمته إلى الناخبين من بيته، ثم الانتقال الى مقر الحزب والاحتفال مع انصاره بعد ان سبقه مدير حملته الانتخابية في زف بشرى انتهاء «المؤقت» بدون رجعة»، بعد ان عشنا ثلاث سنوات من الفقر المؤقت والارهاب المؤقت»، بحسب ما قاله للحشود التي جاءت للرقص والاحتفال بالفوز المبين.
سكرة الانتصار التي سيطرت على معظم الصحف التونسية وجعلتها تخرج في اليوم الموالي للاقتراع بعناوين بارزة على صفحاتها الاولى من قبيل «فبحيث… السبسي رئيسا»، أو»فبحيث الشعب اختار سي الباجي»، فضلا عما نقلته القنوات التلفزيونية من تحاليل وآراء اتفقت كلها على نهاية «المؤقت» وبداية المرحلة «الدائمة»، حجبت عن الانظار سؤالا مهما حول طبيعة «الشعب» الذي صوت للباجي، مقابل «شعب المواطنين»، الذي تحدث عنه المرزوقي في الكلمة التي وجهها لانصاره بعد غلق باب الاقتراع، والتي اعتبر فيها ان ذلك الشعب قد انتصر على» الآلة القديمة»، على حد تعبيره.
ما شغل جزءا واسعا من الاعلام المحلي بعد الدورة الاولى من انتخابات الرئاسة، هو كيف أمكن للمرزوقي الذي لم يحصد حزبه سوى اربعة مقاعد فقط في الانتخابات البرلمانية من ان يحصل على اكثر من مليون صوت في الاستحقاق الرئاسي.
أما الاتهامات فقد ألقيت مباشرة وعلى الفور على حركة النهضة، بالتلميح احيانا وبالتصريح احيانا اخرى، بان حيادها المعلن لم يكن سوى حيلة ومناورة أرادت من ورائها مداراة وقوفها الخفي ودعمها غير المعلن لحليفها السابق في ائتلاف الترويكا. حتى قبيل الدورة الثانية ظلت الاتهامات تلاحق النهضة، وظل مطلوبا منها ان تدحضها وتنفيها. لقد كتب مدير صحيفة اسبوعية افتتاحية بعنوان «لا مقارنة بين قائد السبسي والمرزوقي»، بدأها بهذه الكلمات «لن أصوت لفائدة المنصف المرزوقي انطلاقا من قناعات ثابتة ولن اهتم بالجزئيات مثل فواتير انونيموس او ميزانية رئاسة الجمهورية، لأن التاريخ وحده سيحكم له أو عليه… لن أصوت له لأسباب عديدة، أولها لأنه مرشح حزب النهضة، واقليات متشددة وعنيفة وبعض رافضي رجوع الوجوه التجمعية، ومرشح له قناع وكل شعبيته اسندت له من طرف النهضة…». المنطق ذاته هو الذي استخدمه الباجي قائد السبسي في حديثه لقناة فرانس 24، عندما صرح بأن «حركة النهضة دعمت المرزوقي في الدور الأول من الانتخابات، وأن إطارات النهضة كانت في الصفوف الأولى من اجتماعاته إلى جانب أن مراقبيها للانتخابات التشريعية كانوا على ذمته في الرئاسية…»، قبل ان يوجه لها دعوة «بالابتعاد عن سياسة التحفظ التي انتهجتها في الدور الأول للرئاسيات واتخاذ موقف واضح في الدور الثاني بالكشف عن مرشحها».
لم يعد هناك شك أو لبس في أن المطلوب لم يعد فقط إقصاء المرزوقي وإبعاده عن قصر قرطاج، بل قنص النهضة والتخلص منها من خلال توريطها في معركة يحركها المنطق الأرعن المعروف لبوش «من ليس معي فهوضدي».
جلسات مجلس الشورى كانت صاخبة وحادة ولم يكن سهلا أو بسيطا أن يحسم الموقف لصالح طرف على حساب آخر. فقد كانت وحدة الحركة على المحك، فإعلانها الوقوف مع السبسي لم يكن ليقبل بسهولة من جانب ناخبيها وأنصارها كما أن إعلانها الوقوف مع المرزوقي كان يعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع الباجي ومن ورائه الآلة والمنظومة القـــديمـــة التي تســيطر على مفاصل الدولة. وهي مواجهة لم تكن النهضة في وضع يسمح لها بخوضها بشكل انفرادي مباشر وتحمل تبعاتها وعواقبها المكلفة. أما الخروج من المأزق فكان بالاتفاق على صياغة بيان يدعو أبناء الحركة وأنصارها للتصويت لمن يرونه «الأصلح» للرئاسة.
ما تلا ذلك هو فسح المجال لتبادل الرسائل المشفرة والمفتوحة، ومثل كل مرة كان المكان الأنسب هو القناة التلفزيونية الخاصة «نسمة» راعية السبسي والمشرفة على حملته الانتخابية. ظهر الشيخ راشد الغنوشي ليطمئن الخائفين من عودة الاستبداد ويقول لهم، إن ذلك لم يعد واردا، بل أن الخوف هو من الفوضى والارهاب.
ولم تكن كلمات الشيخ بحاجة الى تأويل كبير فقد التقطها الطرف المقابل بترحيب حذر ليظهر الباجي على القناة التلفزيونية نفسها وهو يقول تعليقا على الموقف الجديد لحركة النهضة بأنه «ليس الموقف نفسه الذي اختارته في الدور الأول حين قالوا بالحياد لكنهم صوتوا للمرزوقي، بل وعملوا معه كمراقبين… أما في هذه المرة فالتعليمات أشد، طالبوا بالحياد الفعلي وهذا ما نريده». الحياد الفعلي اذن هو ترك المرزوقي يواجه مصيره الانتخابي منفردا مقابل وعود غامضة بتشريك النهضة في حكومة وحدة وطنية مرتقبة. وما تبقى هو مناقشة التفاصيل وانضاجها على نيران هادئة.
لا يعرف في الأثناء ان كان المرزوقي قد علم بما يدور من حوله، لكنه أعلن على محطة إذاعية خاصة عن اكتشاف مثير فقد صرح لإذاعة شمس بأنه «اكتشف أن منافسه الباجي قائد السبسي لا يعرف مجموعة البريكس عندما سئل عن ذلك»، قبل أن يضيف ربما من باب تثقيف الجمهور بأن» مجموعة البيريكس تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا وسميت بهذا الاسم اختصارا للحروف الاولى لاسماء الدول المكونة لهذا التجمع». لكن السبسي الذي لم يعرف بيريكس مثلما قال المرزوقي كان ملما بكل التفاصيل الدقيقة التي تؤمن دخوله الظافر الى قرطاج. فقد اغدق الوعود على اليمين والشمال بالأمن ومحاربة الإرهاب وخفض الأسعار والترفيع في قيمة المنح الجامعية للطلاب، وحتى إعادة النظر في قانون المخدرات باتجاه تخفيف العقوبات، لكن الأهم من ذلك أزاح من طريقه أي إزعاج قد يسببه وجود المراقبين التابعين لحـــركة النهضة يوم الاقتراع باتفاق ضمني على تقليص أعدادهم وتخفيف رقابتهم عملا بمقولة «لا عين رأت ولا أذن سمعت»، وتحقيقا للحياد الرسمي المعلن.
في آخر ايام الحملة الانتخابية كان كل شيء قد حسم تقريبا وهو ما فهمه الطرفان، فالمرزوقي خاطب أنصاره قائلا «أيا كانت النتيجة فالأهم هو ظهور شعب المواطنين»، والسبسي دعا إلى «طي صفحة الماضي والعمل من أجل المستقبل». والنتيجة كانت أن الغول الذي خشيه البعض وحذر منه البعض الآخر صار الآن واقعا وحقيقة لا مفر منها. فقد استحوذ السبسي على ثالوث السلطة في تونس، أي قرطاج والقصبة وباردو. كيف سيتصرف بعد ذلك وهل سيصغي «لشعب المواطنين» الذي انتخب المرزوقي، أم أنه سيدير له الظهر ولن يعرفه مثلما لم يعرف من قبل «بيريكس»؟ ذلك ما ستجيب عنه الأيام والشهور القليلة القادمة بعد أن تنجلي الصورة وتتضح معالم المشهد الجديد في تونس.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية