غزة –”القدس العربي”: لم تفلح الوساطات التي قامت بها كل من مصر وقطر والأمم المتحدة، منذ بدايات التصعيد العسكري الكبير في قطاع غزة، بين المقاومة وجيش الاحتلال، في إنهاء موجة التصعيد العسكري حتى مساء الثلاثاء، بسبب رفض إسرائيل القبول بإعادة الهدوء، بعد أن أنذرت بتوسيع دائرة الاستهداف، في الوقت الذي بدأت فيه المقاومة بالاستعداد ليس لأيام من القتال فقط، بل لاستخدام أدوات مقاومة مسلحة أكثر إيلاما، حيث أسفرت غارات الاحتلال حتى عصر الثلاثاء عن استشهاد 26 فلسطينيا، بينهم نشطاء وأطفال، فيما أعلنت إسرائيل عن سقوط قتيلين.
وعلمت “القدس العربي”، أن مصر نشطت من وساطتها خلال الساعات الماضية، على أمل التوصل إلى تهدئة، غير أن حكومة الاحتلال رفضت الوساطة المصرية، كما رفضت التعاطي مع باقي الوسطاء، وأكدت أنها ستمضي في خطة أقرتها ووصلت للمستوى العسكري للتنفيذ، تقضي بتوجيه ضربات مؤلمة لغزة، أكثر من اليوم الأول للتصعيد، الذي أوقع 20 شهيدا، بينهم تسعة أطفال، واستهدفت فيه قوات الاحتلال بعشرات الغارات العديد من المواقع في غزة، بعد أن أطلقت اسم “حارس الأسوار”، على هجماتها ضد غزة.
وفي غزة التي نقل إليها تهديدات الاحتلال، أعادت مع الوسطاء تهديدات أكثر شدة، وقد عبرت عنها مبدئيا بإعادة توسيع نطاق الصواريخ لتصل إلى مديات أبعد من غلاف غزة، منذرة باستهداف مدن مركزية كتل أبيب والقدس الغربية، وألمحت إلى أن ردها ربما يصل إلى أكثر من ذلك، وذلك بعد استهدافها مناطق مخيطة بتلك المدن الرئيسة.
لكن مصادر مطلعة أكدت أن الوسطاء لم يقطعوا قنوات اتصالهم مع تل أبيب وغزة، من أجل إعادة الهدوء، ومنع تدرج المواجهات المسلحة لتصل لمرحلة حرب جديدة ضد غزة.
وحتى عصر الثلاثاء، كانت حصيلة الشهداء الذين سقطوا في غزة، جراء الغارات الإسرائيلية 26 شهيدا، وفق احصائية وزارة الصحة، علاوة عن عشرات الاصابات، التي طالت أطفال ومسنين.
واستشهدت، فجر الثلاثاء، امرأة ورجل مقعد ومواطن ثالث، بعد أن قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي شقة سكنية تقع في عمارة سكنية مكونة من عدة طوابق في مخيم الشاطئ غرب غزة، حيث جرى الاستهداف بدون سابق إنذار، وأعلنت طواقم الدفاع المدني، أن عملية انتشال الشهداء دامت لعدة ساعات، كذلك قصف الطيران الحربي شقة سكنية في أحد الأبراج بحي الرمال، وقالت سرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي، إن القصف أسفر عن استشهاد ثلاثة من قادتها الميدانيين وهم، محمد يحيى أبو العطا وسامح المملوك وكمال قريقع، فيما أصيب آخرون بجراح مختلفة، كما أصيب عدد من المواطنين القاطنين في البناية بجراح بينهم أطفال.
وأعلن أيضا الجناح العسكري لحماس، أن الاحتلال قصف هدفا، كان يتواجد فيه مجموعة من عناصره، في إطار رفع الجهوزية والاستعداد لصد العدوان، ما أدى إلى سقوط شهداء ومفقودين.
وفي إسرائيل، أعلنت السلطات هناك عن مقتل اثنين وإصابة آخرين في قصف صاروخي على مدينة عسقلان، حيث أصابت صواريخ المقاومة العديد من المباني بشكل مباشر.
وأعلنت كتائب القسّام، أنها أطلقت 137 صاروخا تجاه مدينتي عسقلان وأسدود الإسرائيليتين المحاذيتين لقطاع غزة، خلال خمس دقائق، وقالت إنها استخدمت صواريخ ذات قوة تدميرية، من نوع “السجيل”، بتكتيك معين، تجاوز القبة الحديدية، وحذرت الاحتلال من مغبة الإقدام على قصف منشآتٍ مدنية أو منازل، وقال الناطق العسكري أبو عبيدة، إن ردهم على ذلك “سيكون قوياً ومؤلماً وفوق توقعات العدو”.
وقد وصفت تقارير عبرية القصف الذي استهدفت فيه المقاومة مدينة عسقلان بـ “الجنوني”
وفي خضم الوساطات، وعقب ورود رسائل التعنت الإسرائيلي، أصدرت غرفة العمليات المشتركة للمقاومة، فجر الثلاثاء بيانا، قالت فيه “إن عهد استفراد الاحتلال الإسرائيلي بالقدس والأقصى قد ولى إلى غير رجعة”، معلنة إطلاق اسم “سيف القدس” على المعركة الجديدة التي بدأتها مع الاحتلال، لنصرة سكان القدس المحتلة، وأضافت منذرة “نقول للعدو بأننا سبق وأن حذرناه من التمادي في عدوانه على مقدساتنا وأبناء شعبنا، لكنه استمر في غيّه بلا وازعٍ ولا رادع، لذا فقد آن الأوان له أن يدفع فاتورة الحساب”، وتابعت “لقد راكمنا قوتنا لحماية أبناء شعبنا في كل مكان ولن نتخلى عنهم مهما كانت التبعات، فسلاحنا هو سلاح لكل شعبنا أينما كان”.
وكان أبو عبيدة الناطق باسم القسام، هدد الاحتلال برد جديد فجر الثلاثاء، في حال لم يفك الحصار عن المرابطين المعتكفين في المسجد الأقصى، وأمهلهم ساعتين، ليعلن بعد ذلك عن انسحاب قوات الاحتلال من المسجد القبلي، وخروج المعتكفين إلى الساحات الخارجية.
وأكد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، أن معادلة ربط غزة بالقدس “ثابتة ولن تتغير، فعندما نادت القدس لبّت غزة النداء”، وقال هنية في تصريح صحافي “قررنا أن نستمر ما لم يوقف الاحتلال كل مظاهر العدوان والإرهاب في القدس والمسجد الأقصى المبارك”.
أما الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، فقد أكد أن الجهود السياسية لوقف إطلاق النار لا معنى لها إن لم يتوقف العدوان على مدينة القدس المحتلة، وقال في تصريح صحافي “العدو بدأ العدوان على القدس وإذا لم يتوقف العدوان على القدس فلا معنى للجهود السياسية لوقف إطلاق النار”.
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقالت إن المقاومة أوصلت رسالتها للاحتلال بأن المساس بالشعب الفلسطيني ومقدساته “خط أحمر وإذا فكر بارتكاب المزيد من الحماقات سيدفع الثمن غالياً”، وأكدت أن “المقاومة ستواصل معركتها البطولية حتى رضوخ الاحتلال لشروط المقاومة والكف عن ارتكاب الجرائم”، ودعت إلى مواصلة النضال وتصعيد الاشتباك مع الاحتلال في كافة الساحات.
واستخدمت المقاومة في هذه الجولة أساليب جديدة في إطلاق القذائف، اشتملت على كثافة النيران في آن واحد، وذكرت تقارير عبرية أن الجناح العسكري لحماس استخدم بطاريات لإطلاق رشقات كبيرة من الصواريخ في هذه الجولة.
وكشفت كتائب القسام، أن الضربة الصاروخية التي وجهتها للقدس عصر الاثنين نفذت بصواريخ من طراز A120 تيمناً بالشهيد القسامي رائد العطار، وأوضحت أن هذه الصواريخ تحمل رؤوساً متفجرة ذات قدرةٍ تدميريةٍ عالية، ويصل مداها إلى 120 كم، وجرى استخدامها لأول مرة.
وبشكل كثيف قصفت كتائب القسام، مدينة عسقلان برشقات من الصواريخ، حيث ذكرت تقارير عبرية أن ثلاث منازل تعرضت لسقوط صواريخ بشكل مباشر، ما أدى إلى وقوع عدة إصابات، وأعلنت كتائب القسام أنها وجهت ضربةً صاروخيةً كبيرة، رداً على استهداف البيت الآمن على رؤوس ساكنيه غرب مدينة غزة، مما أدى إلى استشهاد مواطنة وإصابة أطفالها، مهددة الاحتلال بجعل عسقلان “جحيم” إذا كرر استهداف البيوت المدنية الآمنة.
كما قامت فصائل المقاومة الأخرى سرايا القدس وألوية الناصر صلاح الدين وكتائب المقاومة الوطنية وكتائب أبو علي مصطفي، بإطلاق رشقات صاروخية صوب المستوطنات والمدن الإسرائيلية، كما استخدمت في القصف قذائف الهاون التي وجهتها لثكنات عسكرية قرب الحدود.
وعلى إثر تلك التهديدات من قيادة المقاومة، ردا على رسائل إسرائيل، فتحت سلطات الاحتلال الملاجئ في تل أبيب وجميع مستوطنات غلاف غزة، عقب توسيع مدى صواريخ المقاومة.
إلى ذلك فقد استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي بالصواريخ العديد من المواقع والأهداف في القطاع، محدثا دمارا كبيرة في المواقع المستهدفة وفي محيطها، إذ تضررت العديد من واجهات البنايات السكنية، كما تسبب القصف بانقطاع التيار الكهربائي عن مناطق سكنية واسعة وسط وشمال القطاع، بسبب استهداف أماكن قريبة من محولات وخطوط الكهرباء الرئيسية.
كما طال القصف الإسرائيلي الذي نفذته طائرات نفاذة وأخرى مسيرة، وكذلك زوارق حربية العديد من المباني المدنية، عدا عن مواقع للمقاومة الفلسطينية في كافة مناطق القطاع، ما أسفر عن حدوث دمار كبير، ووقوع العدد الكبير من الشهداء والجرحى، وبينهم من أصيب بجروح خطيرة.
وأعلن ناطق باسم جيش الاحتلال، أن الطيران الحربي شن عشرات الغارات الجوية على أهداف تابعة لحماس والجهاد الإسلامي في القطاع، وزعم أن جيشه يواصل قصفه، وأنه ضرب مواقع لإنتاج الوسائل القتالية ومخازن ومعسكرات تدريب و أنفاق هجومية، وقال إن “حماس هي العنوان الوحيد للضربات في غزة”.
وقال أيضا أن العملية في بدايتها، مشيرا إلى أن جميع الاحتمالات موضوعة على الطاولة، وزعم أيضا أن منظومة القبة الحديدية اعترضت تسعين بالمائة من القذائف الصاروخية، التي أطلقت من القطاع، ولم يستبعد تنفيذ عملية برية في ظل التوترات القائمة حول قطاع غزة.
وبسبب الغارات الجوية العنيفة، وسقوط الشهداء والجرحى، دعت وزيرة الصحة مي الكيلة، المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية، إلى التدخل لوقف العدوان على المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، وأشارت إلى أن وزارة الصحة على تواصل مستمر مع مراكزها ومستشفياتها في قطاع غزة لتلبية أي احتياجات قد تنجم عن هذا العدوان الغاشم
وشابهت أجواء قطاع غزة، تلك الأجواء التي كانت قائمة في الحرب الأخيرة على غزة صيف العام 2014، حيث شنت إسرائيل وقتها الحرب، مع بدايات شهر رمضان، فيما بدأت هذه الموجة من التصعيد الكبير في نهايات الشهر، إذ حرم التصعيد السكان من ممارسة الشعائر الدينية في المساجد.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إنه تقرر في ختام اجتماع لتقييم الوضع في “قيادة الجبهة الجنوبية”، زيادة حدة ومعدل الهجمات على قطاع غزة، وأضاف “نحن في خضم معركة”.
كما أمر وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس، باستمرار الهجمات على القطاع، بعد جلسة تقييم أمنية عقدها مع كبار الضباط، تم خلالها استدعاء جنود من جيش الاحتلال إلى المستوطنات القريبة من غلاف القطاع، وقد أعلن غانتس في اليوم الأول من التصعيد عن “وضع خاص” في منطقة الجبهة الداخلية على مدى 80 كلم من حدود قطاع غزة لمدة 48 ساعة، فيما أعلنت 21 مستوطنة قرب حدود غزة عن تعليق الدراسة الثلاثاء بسبب التوترات، كذلك توسعة دائرة وقف خط سير القطارات في المناطق القريبة من الحدود، مع استمرار منع المزارعين الإسرائيليين من الوصول إلى الحقول المجاورة للحدود، خشية من عمليات قنص.
وكان المتحدث باسم جيش الاحتلال قال إن جيشه يتجه نحو أيام من القتال في غزة “لكي تشعر حركة حماس بذراع الجيش القوي”، متوعدا بهجمات قاسية، فيما ذكرت تقارير عبرية أن المجلس الوزاري المصغر للشئون الأمنية والسياسية، صادق على خطة تقضي بتوجيه ضربات جوية قاسية لغزة، بدون عملية برية.
كما وقرر رئيس الأركان الجنرال افيف كوخافي تعليق تمرين “عربات النار” في مناطق الشمال، وأوعز إلى جيشه بالتركيز على الاستعداد لأي تصعيد محتمل، وطالب باستهداف مواقع إنتاج وتخزين الوسائل القتالية التابعة لحركة حماس والجهاد الإسلامي وكذلك استهداف النشطاء.
إلى ذلك فقد أبقت سلطات الاحتلال على إجراءاتها العقابية ضد غزة، من خلال استمرار قرار إغلاق المعبرين المخصصين لمرور الحالات الإنسانية ولنقل البضائع، كما أبقت على حصار البحر، ومنع الصيادين من العمل.
يذكر أن الهجوم العنيف الذي تشنه قوات الاحتلال على غزة، يأتي بعد أن بدأ جيش الاحتلال قبل يومين، بإجراء “المناورات الأضخم في تاريخه”، والتي تحاكي حربًا على عدة جبهات، حيث تحاكي المناورات سيناريوهات حرب في الشمال والجنوب والضفة الغربية، وتشارك فيها قوات نظامية واحتياط بالإضافة للفرق العسكرية المختلفة.
وتحاكي المناورات عملية توغل واسعة النطاق، وعمليات للقوات الخاصة، كما سيتم التدرب على الانتقال السريع من الوضع الروتيني إلى حالة الطوارئ.