القاهرة ـ «القدس العربي»: المجد لكل كائن حي يمشي على أرض القطاع .. المجد لكل أم أنجبت هناك قنبلة ومنحت للوجود صاروخاً، إذ أجبرنا الإنسان الفلسطيني أخيراً في ظل أقسى اللحظات مرارة على رفع رؤوسنا رغم ما يستهلكه هذا الشعب الثائر من مخزون دمائه على مدار الساعة، من حقه الآن أن يرفع رأسه عالياً في سماء توقفت شعوبها عن النظر لأعلى منذ حقب بعيدة.. أن تجبر صواريخ القسام أهالي تل أبيب للهروب نحو المخابئ طلباً للأمن .. أن تضبط الكاميرا أثر الهزيمة والإحساس بالعار على وجه نتنياهو، وعدد من قيادات جيش الاحتلال، فهذا يمثل حدثاً استثنائيا يدعو العالم العربي والإسلامي للفخر ورفع الأعناق أخيراً..
منذ عقود لم نتنفس طعم العزة حتى جاء الفلسطينيون وأهدونا الفرح بدون مقابل.. اكتشفنا أخيرا أننا ما زلنا كائنات قابلة لاستهلاك الأمل بدون أن يطلب منا منتجوه مقابلا على الإطلاق.. لا طلبوا شحنة سلاح ولا دواء أو غذاء.. وحدهم غسلوا عن الأمة عارها، في ما الجامعة العربية تهذي ببيانات سخيفة ومملة ومحروقة سلفا.. على مدار أيام تمارس غزة وحدها جنونها بمنتهى الحكمة، تدفع جيوش الأمة للخجل وسياسييها للانزواء بعيداً عن الحدث.. وحدها غزة تحيط بها القدس تصنع الأخبار ويقف العالم على قدميه في انتظار اللحظة المقبلة، والصاروخ التالي أين سيسقط على تل أبيب أم يافا.. المجد لنبي أخبر البشرية قبل أربعة عشر قرنا بالعبقرية العسكرية الفلسطينية على أبواب بيت المقدس، والمجد لكل فتاة فلسطينية دفنت فستان عرسها كي تخصب الأرض بشهداء جدد.
في صحف أمس الأربعاء 12 مايو/أيار استعادت القاهرة بهجتها الغائبة على أيدي المقدسيين، على الرغم من أولئك المرجفين في المدينة، من بين المنتشرين في الصحف المبشرين بالعصر اليهودي.. وقد تصدرت القضية الفلسطينية والهجوم الإسرائيلي، اهتمامات مجلس النواب، حيث طالب المستشار حنفي جبالي رئيس مجلس النواب، المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة التدخل العاجل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين العزل في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح في مدينة القدس الشريف. وشدد الجبالي على أن قضية فلسطين هي قضية العرب جميعاً ومدينة القدس جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، ولن توجد دولة فلسطينية قابلة للحياة من دون القدس العربية. وندد بالتهجير القسري للعائلات الفلسطينية من منازلهم في حي الشيخ جراح في القدس.
وفي سياق مواجهة الفيروس القاتل أكدت الدكتورة عبلة الألفي عضو لجنة الصحة في مجلس النواب أن عيد الفطر المبارك يتطلب تطبيق إجراءات حازمة ومشددة، لمنع انتشار فيروس كورونا، خاصة في ظل تزايد معدلات الإصابة في الفترة الأخيرة: بضرورة الإسراع بالتطعيم حتي نستطيع السيطرة على انتشار الفيروس، حيث أن نسبة ممن تم تطعيمهم حتى الآن لا تتعدى 2% من الشعب المصري وأنه لابد أن نصل إلى 70% من البالغين حتى نطمئن للسيطرة على الوباء، كما حدث في المملكة المتحدة.. ومن أخبار الرياضيين: قال محمود عبدالرازق شيكابالا، نجم نادي الزمالك، إنه سيقاضى كل المتجاوزين في حقه خلال مباراة الزمالك أمام الأهلي. وقال: سئمنا وطفح الكيل هذا التحرك ليس من أجلي فقط، بل من أجل حماية كل أصحاب البشرة السمراء من لاعبين ومدربين، وحتى يتم التصدي لهذه الظاهرة العنصرية.
شكراً فلسطين
ما يحدث في فلسطين من وجهة نظر فاروق جويدة في “الأهرام” ليس مجرد صاروخ ينطلق هنا أو هناك، ولكن ما يحدث حالة حرب حقيقية.. ومنذ زمن بعيد والعقلاء في العالم العربي وأبناء الشعب الفلسطيني يؤكدون أن المقاومة هي الحل.. وأن الشعب الفلسطيني أولى بقضيته، بعد أن خاض مفاوضات في كل العصور من عرفات إلى الشيخ أحمد ياسين إلى أبو مازن وبقية الرموز الفلسطينية.. كانت لدى إسرائيل قناعة بأن قضية فلسطين لم تعد قضية العرب كما كانت، بل إنها تراجعت في اهتمام العالم بها.. وقد تمادت إسرائيل في مواقفها وهي توقع اتفاقيات سلام مع عدد من الحكومات العربية.. وتصورت أن قضية فلسطين لم تعد تشغل أحداً بما في ذلك الشعوب العربية.. وقد شجعت أطراف عربية كثيرة إسرائيل حتى إنها خرجت من حدودها وبدأت تلعب في مناطق أخرى، كما حدث في قضية سد النهضة.. رغم أنها تعلم أن السد قضية حياة أو موت لمئة مليون مصري.. إن إسرائيل في سنوات حكم الرئيس ترامب تصورت أنها كبرت وبدأت رحلة أطماع أخرى.. ولكن شباب القدس غيروا كل الحسابات وعادوا بالقضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد عالميا وليس إقليميا وقد نجحوا في تغيير مواقف كثيرة.. وكانت المواجهات بين الجيش الإسرائيلي وشباب القدس بداية حسابات أخرى أمام واقع جديد.. هذه المواجهة ستغير حسابات جديدة في العالم العربي شعوباً وحكومات، وسوف تفرض على إسرائيل أن تتراجع عن أشياء كثيرة، وسوف تفرض على الشعب الفلسطيني أن يعيد النظر في قياداته وانتخاباته وظروفه ومواقفه مع أطراف عربية تخلت عنه.. ما حدث في الشارع الفلسطيني ليس شيئا عابرا، ولكنه تحول خطير سوف يتطلب من أطراف كثيرة أن تراجع مواقفها وتعيد حساباتها بما في ذلك موقف إسرائيل.. لأنها أمام جيل جديد لا بد أن تعيد حساباتها معه.. نحن أمام شعب شاهد بحار الدم ولعبت به أطراف كثيرة، إن العبث في مصائر الشعوب له نهاية واحدة أن يعود الحق لأصحابه.. وليس من العدل أن تضيع قضية وطن أمام مصالح وأطماع وحسابات خاطئة.
خسائر نتنياهو
نبقى مع الانتفاضة المباركة بصحبة عبد المحسن سلامة في “الأهرام”، وحسابات الخسارة التي جرها نتنياهو على نفسه: “تُصر إسرائيل على سياستها المعادية للإنسانية، وعدم احترامها الأديان والمعتقدات، ولا تحترم مشاعر الفلسطينيين في أيام وليالى شهر رمضان الكريم، وهم يؤدون الصلاة وسط قذائف قنابل الدخان والغاز. تُصر على تهجير السكان الفلسطينيين في حي الشيخ جراح، لإقامة مستوطنات يهودية فيها، وتقوم باقتحام المسجد الأقصى خلال إحياء ليلة القدر، وتمنع وصول الفلسطينيين للصلاة فيه، وتطلق قنابل الغاز والدخان على من ينجح في الوصول إلى ساحة المسجد للصلاة. ممارسات فجة وعدوانية، رفضتها مصر، وأبلغت السلطات الإسرائيلية موقفها الرافض اقتحام المسجد الأقصى، مشددة على ضرورة احترام المقدسات الإسلامية، وتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين، وصيانة حقوقهم في ممارسة شعائرهم الدينية. للأسف، تحول الفلسطينيون إلى لقمة “سائغة” لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، وورقة للمزايدات الانتخابية. هناك انقسام إسرائيلي حاد، وبعد أن كانت هناك أصوات عاقلة من اليسار الإسرائيلي بأطيافه المختلفة، اختفت هذه الأصوات، وكادت تتلاشى وسط موجات التحريض المتصاعدة لليمين المتطرف. نجح نتنياهو في تدمير البنية السياسية الإسرائيلية، بقدرته الفائقة على تدمير خصومه، كما نجح في ضرب القائمة العربية الموحدة، التي خسرت بعض المقاعد في الانتخابات الأخيرة، التي كانت قد نجحت في اقتناصها في الانتخابات الماضية، بعد أن انقسمت إلى قائمتين. المثير للذهول هو الصمت الدولي، وصمت إدارة بايدن، التي تتشدق بحقوق الإنسان، في وقت يُمنع فيه الفلسطينيون من ممارسة شعائرهم الدينية، ويتعرضون لأبشع أنواع القهر، والذل، والتهجير. ما يحدث في القدس يكشف بوضوح عن ازدواجية المعايير الأمريكية، وهشاشتها، وأن بايدن لا يختلف كثيرا عن ترامب، وربما يكون أسوأ”.
زمن الشجب انتهى
لسنوات طويلة كان المواطنون العرب يسخرون ويتندرون من بيانات الشجب والإدانة والاستنكار، التي تصدرها الحكومات والأنظمة العربية ضد الممارسات العدوانية الإسرائيلية، الآن كما يقول عماد الدين حسين في “الشروق”، لم يعد في مقدور عدد كبير من الحكومات العربية، حتى مجرد إصدار بيان شجب وإدانة واستنكار قوي على مستوى الألفاظ ضد إسرائيل. ليس ذلك تجنيا على هذه الحكومات العربية، بل قراءة هادئة للواقع العربي الأليم، ومن لا يصدق ذلك، عليه بتحليل ومراجعة بعض البيانات التي صدرت قبل أيام من الحكومات العربية ضد محاولات إسرائيل الأخيرة طرد عشرات العائلات العربية من منازلهم في حي الشيخ جراح وحي سلوان في القدس العربية المحتلة، وكذلك الاقتحامات المتتالية من المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، لإكمال مخطط التهويد الكامل. الموقفان المصري والأردني كانا الأفضل نسبيا لأنهما لم يكتفيا ببيانات الإدانة، لكنهما استدعيا السفيرين الإسرائيليين في كل من القاهرة وعمان، وأبلغاهما بضرورة التوقف عن الممارسات غير القانونية وغير الشرعية ضد الفلسطينيين، ورغم ذلك، يظل هذان الموقفان غير كافيين بالنظر إلى الدور المركزي الذي يفترض أن تلعبه كل من مصر والأردن، ليس فقط دفاعا عن القضية الفلسطينية، ولكن عن الأمن القومي لكل دولة على حدة.. لأول مرة في البيانات الرسمية العربية ضد الاعتداءات الإسرائيلية وبدلا من الشجب والرفض صرنا نستمع إلى عبارات لم نكن نتخيل أن نسمعها مطلقا. على سبيل المثال قرأنا في بعض هذه البيانات تعبيرات جديدة مثل «دعوة إسرائيل إلى خفض التصعيد»، وكأن من يصدر هذا البيانات دولة في البحر الكاريبي. «خفض التصعيد». يفترض أنه مصطلح يعبر عن تكافؤ بين قوتين، أو يدعو إلى اتخاذ إجراءات أقل حدة، بما يعني أن إسرائيل تملك شرعية في ما تتخذه من إجراءات، وكل المطلوب منها أنها تخفض من تصعيدها ضد الفلسطينيين.
ليتهم يفهمون
بعض البيانات العربية كما اوضح عماد الدين حسين، استخدمت للمرة الأولى تعبيرات غريبة، مثل دعوتها لسلطات العدوان الإسرائيلي إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس. وهذا التعبير لمن يتابع مجريات الصراع العربي الصهيوني دأبت الولايات المتحدة وعدد من بلدان الاتحاد الأوروبي على استخدامه في وصف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، خصوصا في سوريا ولبنان. لكن المفارقة أن البيان الأمريكي الأخير قبل أيام الصادر عن وزارة الخارجية طالب إسرائيل بالتوقف عن تهجير الفلسطينيين من بيوتهم في حي الشيخ جراح، وهو تطور مهم جدا، خصوصا ما إذا قورن باللهجة اللينة والرخوة في بيانات بعض الحكومات العربية، رغم أننا ندرك حجم الانحياز الأمريكي الفاضح والسافر لإسرائيل، ولولاه ما تجرأت إسرائيل على ممارسة أعمالها العدوانية. تعبير ضرورة «استخدام أقصى درجات ضبط النفس»، قد يفهم في ترجمته الواقعية السماح لإسرائيل بممارسة عدوانها المستمر مع الفلسطينيين، ولكن بصورة مستترة وخفية، ومتحضرة وراقية، حتى لا يحرجوا البلدان التي تؤيدهم! والمفارقة أيضا أن عددا كبيرا من المواقف الأوروبية صارت أقوى بكثير على أرض الواقع من بيانات دول عربية مختلفة، بل إن قناصل العديد من الدول الأوروبية زاروا حي الشيخ جراح أمس في خطوة دعم مهمة ورمزية للعائلات الفلسطينية المهددة بالطرد من بيوتهم. قبل شهور بررت بعض البلدان العربية إقدامها على إقامة علاقات مع إسرائيل، بأنها تهدف إلى إقناع إسرائيل بوقف عدوانها على الفلسطينيين ووقف ضم وتهويد الأراضي الفلسطينية، وتهيئة الأرض لسلام عربي إسرائيلي حقيقي. دعا الكاتب البلدان العربية مراجعة نفسها بهدوء وواقعية، وتستخلص العبر، وتعلن صراحة إما أنها كانت تريد علاقات مع إسرائيل بغض النظر عما تفعله ضد الفلسطينيين والقدس والأقصى، وإما أنها أخطأت الحساب والتقدير، وبالتالي تملك الشجاعة لتصحيح خطئها. ذلك لن يحدث حيث أن عبث بعض الحكومات العربية وصل إلى درجة اللامعقول والكوميديا السوداء.
قراءة في بيان
قرأ علاء عريبي كما أشار في “الوفد” بيان وزارة الخارجية الخاص باقتحام قوات العدو الصهيونى المسجد الأقصى، وتوقف أمام جملتين كالعاجز، قائلا: حاولت بقدر الإمكان الوقوف على دلالة واحدة لكل منهما، لكن للأسف فشلت جميع المحاولات. الجملة الأولى الخاصة بإدانة الخارجية لعملية الاقتحام، الخارجية إدانتها بأشد العبارات: «أعربت وزارة الخارجية عن إدانتها بأشد العبارات اقتحام القوات الإسرائيلية مجددا»، ماذا تقصد بأشد العبارات؟ ما العبارات التي يمكن استخدامها بدلا من أشد العبارات؟ ولماذا لم تستخدم عباراة من هذه العبارات في صياغة الإدانة؟ وما الذي تضيفه بأشد العبارات إلى كلمة إدانة؟ الجملة الثانية التي عجز الكاتب عن فهمها جاءت في الفقرة الثانية من البيان: «تشدد وزارة الخارجية على ضرورة وقف كل الممارسات التي تنتهك حُرمة المسجد الأقصى المبارك، لاسيما في شهر رمضان الفضيل»، ما معنى لاسيما في شهر رمضان؟ المعنى الوحيد الذي وصلني ووصل جميع البسطاء ومحدودي الثقافة أمثالي من الصياغة، أن الخارجية قد توافق على «كل الممارسات التي تنتهك حرمة المسجد الأقصى المبارك» في باقي شهور السنة، بعيدا عن الشهر المبارك، بمعنى آخر فإن انتهاك حرمة المسجد مباح ومتاح طوال العام عدا شهر الصيام. بعيدا عن صياغة البيان بما لها وعليها، متى يتخلص العرب من عبارات الشجب، والإدانة، والإدانة بأشد العبارات، لماذا حبس العرب أنفسهم في هذه الصياغات؟ هل لضعف؟ لعجز؟
للبيت رب يحميه
ما نعرفه ويعرفه العالم أجمع والكلام ما زال لعلاء عريبي، أن بعض بلدان الشرق الأوسط من أغنى بلدان العالم، وبمقدورها فرض كلمة وسياسة قد تأخذ بها البلدان الكبرى، أو تتفاوض حولها، لكن قيادات البلدان الغربية يعلمون جيدا أن الغيرة والحسد هما سيدا الموقف في علاقة بعض الحكام العرب ببعض، بعضهم يحاول تعجيز الآخر وإفشاله. في كل الأحوال القضية ليست في اقتحام مسجد مبارك، بل في احتلال بلد عربي، والمفترض أن نعمل كعرب على تحرير الأرض وليس إيقاف الاعتداء على مسجد، ملك الحبشة هاجم بجيش جرار مكة، وحاول هدم الكعبة، جد الرسول لم يحرض شباب ورجال مكة على التصدي لمحاولة الاعتداء، وقال لابرهة الجملة الشهيرة: «للبيت رب يحميه». المؤكد أننا لا نقصد التحريض على عدم التصدي لمحاولة الاقتحام للأقصى، أو عدم التضحية بالدماء في سبيل حماية المسجد، على العكس لكن نحن نرى أنه من الأفضل أن نضحي بالدماء من أجل تحرير البلد الوطن بما فيه المسجد والكنيسة والبشر من الاحتلال، لكن للأسف الانقسام والمنافسة هي سيدة الموقف بين القيادات الفلسطينية، كل منهم يرتدي ثوب الزعامة والقيادة، وفضل أن ينعم بخيرات السلطة عن تحرير البلاد، ما يقوم به الشباب المقدسي ليس مقاومة للمحتل بل غيرة على حرمة مسجد.
غير مطمئن
أكد عمرو الشوبكي في “المصري اليوم”، أن خبرة مصر مع المظلة الافريقية شديدة السلبية، سواء تلك التي رعتها جنوب افريقيا، أو التي جرت مؤخرا في كينشاسا برعاية الكونغو، وشدد على أن المبادرات التي يطبخها البعض لن تغير في جوهر الموقف الإثيوبي، إنما ستحاول أن تدفعه لتقديم تنازلات شكلية في عملية الملء، أو تعطي بعض المعلومات التفصيلية للجانب السوداني من أجل فصل موقفه عن الموقف المصري، رغم أنه هو الذي سيتضرر وبشكل فورى من الملء الثاني في حال جرى في شهر يوليو/تموز المقبل. واللافت أن المفاوضات التي جرت طوال الشهر الماضي برعاية الاتحاد الافريقي، لم تسفر كما هي العادة عن أي تقدم، رغم حرص مصر على المشاركة فيها، وهو أمر في ذاته ليس ضارا بشرط الاستعداد لكل البدائل، في حال فشلت مفاوضات اللحظات الأخيرة، لأن إثيوبيا تتصور أنها في وضع تفاوضي أفضل منذ توقيع مصر على اتفاق إعلان المبادئ في 2015، وامتلكت ورقة الأمر الواقع، أي بناء السد وفرضه، وروجت لخطاب سياسي ودعائي عبأ خلفه قطاعا واسعا من الشعب الإثيوبي (رغم انقسامه العرقى العميق) ترسخت لديه قناعة بأن السد هو مشروع نهضته وتقدمه، فساهم في بنائه وتمسك بحقه في التنمية، وهو ما لم تعترض عليه مصر، ولكنه تجاهل الضرر الوجودي الذي سيسببه للآخرين. لقد امتلكت إثيوبيا ورقة التعاطف الافريقي.
مطلوب أصدقاء
أشار عمرو الشوبكي إلى أن حياد الإدارة الأمريكية الجديدة بدا وكأنه في صالح الموقف الإثيوبي، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكية عن ضرورة التمسك بالمظلة الافريقية بدلا من التدويل. في المقابل فقد نجحت مصر في بناء تحالف مصالح قوي مع السودان، تجاوز كثيرا من التفاصيل السياسية التي شابت العلاقات بين البلدين عقب الثورة السودانية، ولا يزال صامدا حتى اللحظة رغم محاولات البعض فك عروة هذا التحالف. ودعا الكاتب مصر إلى أن توظف زيارة المبعوث الأمريكي للقاهرة لفتح قنوات اتصال مع الإدارة الأمريكية، وجعل الرباعية (أمريكا الاتحاد الأوروبي الأمم المتحدة الاتحاد الافريقي) هي مظلة مفاوضات اللحظات الأخيرة مع إثيوبيا، والقيام بحملة دولية من أجل إقناع العالم بعدالة قضيتنا، وتبني خطاب سياسي وإعلامي تحريضي يوضح المخاطر الجمة على 150 مليون مصري وسوداني من جراء الملء الثاني وتهديدهم بعطش مائي وبوار لأرض زراعية. مطلوب توظيف كل الأدوات السياسية وتعميق قنوات الاتصال مع مختلف دول العالم والاستفادة من النخب المصرية، خاصة الموجودة خارج الحدود كمحاولة لتحييد الأطراف الدولية التي حتى لو لم تؤيد الخيار المصري فعلى الأقل لا تكون معادية له.
الثقة في الله
نبقى مع أزمة السد والتهديد المائي بصحبة أكرم القصاص في “اليوم السابع”: في كل مرة يتحدث الرئيس عبدالفتاح السيسي، يشدد على أهمية أن يثق المصريون في بلدهم وقدراته، وأن يتمسكوا بوحدتهم، والواقع أن وحدة المصريين وثقتهم في أنفسهم كانت دائما وراء قدرتهم على عبور الكثير من التحديات على مدى عقود، وآخر إشارات الرئيس السيسي في هذا السياق، ما أعلنه من قناة السويس أثناء افتتاح عدد من المشروعات، ومن يريد أن يعرف حجم ما مرّ بنا منذ 30 يونيو/حزيران 2013، حتى اليوم، يمكنه استرجاع شريط الأحداث، من إرهاب أسود ممول ومدعوم من جهات ودول، إلى اقتصاد منهار واحتياطي متآكل، وتهديد للأمن القومي شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، وشكوك وتشكيك في قدرة مصر على الصمود، واليوم وقد عبر المصريون الكثير من هذا، يفترض أن يثقوا في قدرة الدولة على مواجهة بقية الملفات المهمة، وأن السيسي راهن دائما على قدرة الدولة على عبور هذه الأزمات وحل أي ملفات. وتابع الكاتب: قد يكون ملف سد النهضة هو أكثر الملفات تعقيدا، وأحد أهم الملفات التي تواجهها مصر، وكالعادة في زمن السوشيال ميديا، يشهد مئات التحليلات أو الأخبار المزيفة من أطراف وجهات متعددة، وهناك من يتحدثون في الموضوع بلا معلومات من باب القلق، ومنهم من يتعمد إطلاق أخبار ومعلومات مضللة بهدف نشر اليأس أو الغضب أو الخوف والارتباك.
خلال الأعوام الماضية، نظرة على القنوات والمواقع واللجان المختلفة، تكشف كيف كانت هناك، ولا تزال، حملة من التضليل المتعمد بهدف إرباك المصريين أو الإيقاع بين المصريين والسودانيين، مئات الملايين تم إنفاقها للعكننة والارتباك والتضليل وللأسف وقع خلف هذا بعض مواطنينا ممن رددوا أو نقلوا هذا الادعاءات. من هنا تأتي أهمية حديث الرئيس السيسي، في هذا الملف وإعلان مواقف واضحة ومحسوبة للتأكيد على موقف مصر من حقوقها المائية.
تصرف مريب
مجلس النواب وافق مبدئياً على قانون فصل الموظف متعاطي المخدرات.
هناك نقطتان أراد الدكتور محمود خليل مناقشتهما على هامش هذا القانون تتعلق أولاهما كما أوضح في “الوطن”، برفض المجلس إدراج تعاطي الخمور مع المخدرات كشرط لفصل متعاطيها.. والثانية تتعلق ببعض الجوانب الإجرائية التي ستنظمها اللائحة التنفيذية للقانون. في ما يتعلق بالنقطة الأولى، اقترح النائب محمود قاسم، حزب مستقبل وطن، إضافة تحليل الخمور إلى تحليل المخدرات في قانون شغل الوظائف العامة، حيث اقترح أن تضاف كلمة الخمور بعد المخدرات، إلا أن الأغلبية البرلمانية رفضت المقترح، ويقول الكاتب إنه لايجد تفسيراً مقنعاً لهذا الرفض.. فما الفارق بين الخمور والمخدرات؟ كلاهما يذهب بالعقل ويفقد صاحبه القدرة على التفكير أو الأداء الطبيعي السليم.. وكلاهما له تأثير مدمر في الصحة. لماذا يتم استثناء الخمور؟ من المعلوم أن دخول الاستثناء إلى قانون معين يفقده قوته وقدرته على تطوير حياة الناس. وأعرب الكاتب عن تخوفه من أن يكون رفض مجلس النواب لهذا الأمر يعكس رؤية طبقية لمفهوم المخدرات، وهي رؤية قديمة في العقل المصري الذي كان يفرق أيام المماليك بين طبقتين من المدمنين: طبقة مدمني الحشيش، ويوصف واحدهم بـ«الحشاش»، وكان الحشيش هو المخدر الشائع – ومعه البوظة – بين الفئات الأكثر فقراً والأقل من حيث المستوى الاجتماعي، وطبقة مدمني الأفيون، ويوصف واحدهم بـ«الأفيونجي»، وكان الأفيون «مزاج» ولاد الناس ممن يملكون ثمنه. أدوات الذهاب بالعقل لدى فقراء هذا العصر معروفة، وليس من بينها «الخمور».. فالخمور لها ثمنها، الأمر الذي يجعلها بعيدة عن أيدي من لا يملكون.
خيار وفقوس
ليس هناك خلاف كما أوضح الدكتور محمود خليل، على أن القانون سابق الذكر يعالج واحدة من كبرى المشكلات التي نواجهها في عالم الوظيفة، وهي مشكلة لها تأثيراتها المباشرة في أرواح الناس، كما يحدث في عالم «السكة الحديد» أو في عالم «النقل الثقيل» عندما يتورط بعض السائقين في تعاطي المخدرات، فيقتلون الأبرياء في حوادث عشوائية. لذلك فالتكامل والشمول في القانون أوجب وأحوط، وهذا ينقلنا إلى النقطة الثانية المتعلقة بالجوانب الإجرائية التي ستنظمها لائحته التنفيذية للقانون. المرجو أن تسد اللائحة التنفيذية للقانون – بعد الموافقة النهائية عليه – أي ثغرات يمكن أن تظهر عند التطبيق، فمسألة الفصل السريع نتيجة الكشف الفجائي على الموظف – كما يشير مشروع القانون – تحتاج إلى نوع من التأني، لأن الإدمان مرض والمدمن مريض يستحق العلاج، وعلاجه جزء من مهام الحكومة التي تحرص على حماية صحة مواطنيها. عدد المدمنين في مصر ليس قليلاً، وهو يعد بالملايين، ونسبة التعاطي في مصر، كما صرح رئيس صندوق مكافحة الإدمان الدكتور عمرو عثمان، تصل إلى نسبة 10%. وتاجر المخدرات يتم إخضاع مضبوطاته لضريبة الدخل بمجرد القبض عليه، كما صرح بعض مسؤولى المالية منذ أشهر. والدراما التلفزيونية لا تخجل من أن تضع بعض نماذج المدمنين على منصة البطولة. ومعنى ذلك أننا نقف أمام مشكلة بالغة التعقيد، تستحق من الحكومة بذل جهد في مواجهتها، بشرط عدم الاستثناء، لأن عالم الإدمان مافيهوش «خيار وفقوس».. وضرورة تضافر جهود مؤسسات الدولة وتكامل أدوار الأجهزة المعنية بضبط المدمنين مع وزارة الصحة، مع الإعلام حتى تصبح حربنا على الإدمان حرباً حقيقية.
سنية أوسطية
نتحول حول سؤال الهوية حيث شغل سيد علي في “الأهرام”، احتدام الجدل مرة أخرى في الصحف وعلى شبكات التواصل الاجتماعي مؤخرا بمشاركة كبار وصغار.. مرة بمناسبة موكب المومياوات الفرعونية ومرة بسبب شهر رمضان، ودائما بمناسبة أو بغير مناسبة في كل لحظة تأزم وطني، تساءل الكاتب: أليس عجيبا أن تظل نخبة منقسمة حول هويتها الوطنية لأكثر من مئة عام، كما هو حال النخبة المصرية؟ ويظل الدفاع عن «خصوصية» الأمة المصرية وتاريخها، استدعاءات لا تزال قائمة حتى هذه اللحظة ولن تتوقف في المدى المنظور، ليستمر الكل، في سذاجة مفرطة، في التناحر من أجل تحديد هوية مصر، ولن يفعلوا في نهاية المطاف سوى ما فعل ذلك الذي أخذ وقتا طويلا للتفكير، ثم عرف الماء بالماء. هوية مصر هي أنها «مصر»، التي كونت أقدم دولة في تاريخ البشرية، وسعت إلى معرفة الله قبل الأديان الإبراهيمية، وكان موجود فيها سبعة أنبياء قبل الإسلام، وعاشت نحو سبعة قرون دولة مسيحية، وظل المسيحيون يشكلون أغلبية سكانها حتى العصر الفاطمي، أي بعد أكثر من قرنين من الفتح الإسلامي، وهي الدولة التي احتفظت بوضع خاص طيلة زمن الخلافة الإسلامية، الأموية والعباسية والعثمانية، وكانت شبه مستقلة عن السلطة المركزية في دمشق وبغداد وإسطنبول، ومن تولوا أمرها تشجعوا في أغلب الأحيان، على التمرد المعلن أو الصامت على السلطة المركزية، محاولين أن يستقلوا بها، هكذا فعل أحمد بن طولون وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس، ومحمد علي الذي جهز جيشا لمحاربة السلطان العثماني نفسه. لكل هذا، فإن مصر بدت طيلة تاريخها أمة قائمة بذاتها، نشأت على التوالي، طبقات حضارية بعضها فوق بعض، ومن ثم فإن أي محاولة لتفكيك هويتها أو اختزالها في صنف أو لون واحد محكوم عليها بالفشل الذريع،. ولهذا، ليس من قبيل المبالغة أن يقول البعض إن مصر أعطت المسيحية والإسلام من روحها. ويتضح ذلك في خصوصية الكنيسة القبطية والإسلام المصري المعتدل، وحتى الازهر الذي أراده الفاطميون منبرا للشيعة جعلة المصريون منبرا للسنة، وهكذا فشل وسقط كل من حاولوا اختصار هوية مصر في جانب واحد: فرعونية، كما كان ينادي حفيد أحمد لطفي السيد وأسس حزبا لهذا الغرض قبل ثورة يناير/كانون الثاني، وبحر متوسطية كما حلم طه حسين، ومن قبله الخديوي إسماعيل الذي أراد أن تكون القاهرة مثل باريس.
واقع جديد
ضمن توقعات عصر ما بعد الوباء أعربت أمينة خيري في “المصري اليوم” عن اعتقادها بتغير العديد من الطقوس والعادات منها تبخر منظومة «نيش السفرة» إلى غير رجعة.. سيكتشف كل منا أنه أهدر الكثير من الوقت والجهد والمال في أمور سخيفة لا معنى أو قيمة لها. وسيقرر كثيرون التخلص منها إلى غير رجعة. في أمريكا مثلا حفلات التخرج في الجامعات والمدارس الثانوية عادت للانعقاد هذه الأيام. لكنها عادت بشكل مختلف تماما، وهو في حقيقة الأمر ألطف وأجمل. الدفعة الواحدة يتم تقسيمها على احتفالات عدة، يقام بعضها في المسرح المغلق كالمعتاد. وبحسب السعة الاستيعابية للقاعة أو المسرح، يتم وضع خطة الجلوس للطلاب وذويهم، حيث تتم مراعاة التباعد الاجتماعي في وضع المقاعد. وبدلا من الفرق الموسيقية الجامعية التي تعزف موسيقى التخرج والسلام الوطني، و«مارش» التخرج المكون من الطلاب، وعشرات الأساتذة الجالسين على المسرح، وخطب الطلاب ورئيس الجامعة والعمداء، يجري جلوس الطلاب على مقاعدهم المحددة سلفاً قبل بدء الاحتفال، ثم يدخل الأساتذة وعميد الكلية التي يتخرج طلابها، الذي يلقى كلمة سريعة يدمج فيها حديث الوباء من وجهة نظر توائم تخصص كليته. عميد كلية علم النفس يتحدث بسرعة عما فعله الوباء بالصحة النفسية للناس، وكيف يمكن تحقيق استفادة نفسية مما جرى. عمداء كليات الاقتصاد والمحاسبة وإدارة الأعمال يشيرون إلى أثر الفيروس والإغلاق على الأوضاع الاقتصادية، وكيف يمكن للخريجين الجدد أن يساهموا بخبرتهم الأكاديمية التي تلون عام كامل فيها بألوان الوباء وإجراءاته الاحترازية، لإعادة الانتعاش إلى الاقتصاد والأعمال، وضخ أفكار عملية جديدة تناسب الحياة بعد تطعيم الجميع. حتى عمداء كليات الرياضة البدنية وإدارة الرياضة وعلم حركة الجسم البشري (وما أكثرها في الولايات المتحدة الأمريكية) فيتحدثون عن أثر الرياضة في أشهر الإغلاق وأشكالها الجديدة في ما بعد التطعيم، وهلم جرا. ويجري صعود الخريجين والخريجات الجدد على خشبة المسرح لالتقاط صورة التخرج التذكارية بدون «بوس وأحضان». صحيح أن «البوس والأحضان» تدور رحاهما خارج حرم المسرح، لكن الإجراءات يتم تطبيقها بصرامة.
اتركوهم ليعيشوا
من أشد مؤيدي الرئيس كرم جبر في “الأخبار”: «اتركوا البلاد تعيش وشعوبها تستقر، بدلاً من تفاقم الأوضاع بسبب استمرار التدخلات الخارجية وتضييع الوقت، وحتى تستعيد الدول استقرارها ليعود إليها شعبها ويتركوا الدول التي هاجروا إليها». العبارة بين القوسين قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي في إحدى جلسات منتدى الشباب الدولي، وتجسد موقفاً مصرياً استراتيجياً لا يتغير ولا يتبدل، رغم أن المنطقة التي نعيش فيها كل يوم في حال يختلف عن حال. الرئيس يردد دائماً «أن الدول بدلاً من أن تدفع مليارات الدولارات لاستيعاب المهاجرين في الدول الأجنبية، الحل هو أن تتركوهم يعودون إلى بلادهم الأولى بهم، وأن ترفعوا أيديكم عن بلادهم».. وهي رؤية استكشافية في وقتها ويثبت صدقها بعد أن اجتاحت كورونا الدول على حد سواء. الخلاصة هي أن سياسة مصر تتسم بالوضوح التام والرؤية المخلصة، التي تنبع من الحرص على هوية هذه المنطقة، التي تشتتت وتمزقت بسبب التدخلات الخارجية. وتجربة مصر في التعامل مع الهجرة تتم بموضوعية شديدة، فمنذ عام 2016 لم يخرج مركب واحد من الأراضى المصرية.. لأن الدولة استعادت قوتها وقدرتها على ضبط منافذها. وقضت مصر على الهجرة غير الشرعية بعد أربع أو خمس سنوات، ولم تكن تستطيع ذلك قبل استعادة الدولة الوطنية.