يحمل مصطلح الحرية في طياته الكثير من المفاهيم والتأويلات، ويرغب كل إنسان أن يستثمر مبدأ الحرية للتعبير عن رغباته، وطريقة حياته، وتحقيق طموحاته وأحلامه، ومن هنا تأتي أهمية معرفه المدى المفيد لحرية الشباب .
ومن الطبيعي أن يرغب الشباب بالاستقلال في شؤونهم الخاصة، فيشعر الشاب أنه قد وصل إلى المرحلة التي تمكنه من الاعتماد على نفسه، وعدم الانقياد لأحد .
لذلك فالمفهوم المثالي للحرية يتركز على أساس قاعدة عدم تبعية كيان لكيان آخر مهما كان موقعه، طبيعته، إمكانياته وصلاحياته. كما يعني التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه سواء كانت مادية أو معنوية، والتخلص من الإجبار والفرض، والعبودية لشخص أو جماعة.
وعرّف جون لوك الحرية بأنها: «التحرك ضمن القوانين الطبيعية وإمكانية إتخاذ القرارات الشخصية والقرارات بشأن الملكية الخاصة بدون قيود، كما يريد الإنسان وبدون أن يطلب هذا الإنسان الحق من أحد، وبدون التبعية لإرادات الآخرين».
وتمثل الحرية إحدى أهم قضايا الشعوب التي تطمح لاستقلال بلادها وأن تكون حرة في اتخاذ القرارات لمصلحة الجماعة أو المجتمع، لكن الحريات تُفقد عند كثير من البشر نتيجة القمع والاضطهاد والظلم المتواصل، أو حالة النشوء في العبودية، أو نتيجة فرض السلطة نظماً أو معتقدات أو أفكارا مقيدة للحريات.
وفي لبنان الذي يمر بمخاضات عسيرة، فإن للشباب آراء مختلفة حول مفهوم الحرية، نتيجة الخلفيات العقائدية والدينية والمذهبية والولاءات السياسية، هذا إلى جانب أن قطاعات واسعة من الشباب لا تعني لهم الحرية شيئا، وذلك بسبب صراع المفاهيم من جهة، وعدم وجود أحزاب وتيارات علمية فاعلة لتثقيف هذا القطاع من المجتمع .
«القدس العربي» استطلعت آراء عدد من الشباب حول مفهوم الحرية، أو ماذا تعني لهم الحرية.
الناشط السياسي الدكتور سمير حسن عاكوم قال: «تعرف الأشياء بأضدادها وبنقيضها، فالظلمة والبرودة تتوضح ماهيتها بالضوء والحرارة، والتخلف والإنغلاق تَظهر أهميته بالرقي والإنفتاح، والشعور بالجوع يبين معاني الشبع، والعبودية بمختلف أنواعها تعطي قيمة التعرف على الحرية ومستوياتها».
مشددا على أن لا قيمة لأي جوهرة أو ثروة مهما علا شأنها بعيداً عن التوظيف الإنساني لها ووضعها في مكانها الصحيح، فقدرة التوظيف الإنساني لأشعة الشمس الحارقة في الصحاري الجافة هي من حولها إلى طاقة ثمينة تؤمن احتياجات الطاقة للفرد والمجتمع، وتوظيف العلوم في إسعاد الآخرين لزيادة مستوى التفاعل الإنساني وتحقيق تزاوج الأفكار هو ما يعطي القيمة الحقيقية لقهر الجهل والإنغلاق، كما يسمح التعامل مع الطعام المختلف بما يحقق توازن حاجات الجسد بدون تخمة أو سمنة تأمين الشبع مع لذة التذوق وخدمة مصالح الجسد.
من هنا ندخل لفهم معنى الحرية الحقيقية لمواجه نقيضها أي العبودية، فعدم استيعاب مفاهيم الحرية كثروة إنسانية قد تحرمنا منها وتحول هذه النعمة الأثمن من مسار الرقي الإنساني إلى مكان قد يكون أسوأ من استعباد الآخرين لنا، فلا قيمة لأي حرية بعيداً عن ربطها بمفهوم المسؤولية الواعية، فالتربية على الحرية هي تربية على المسؤولية للإنسجام مع الذات ومع الآخرين.
فالإنسان الحر الذي استحق لقب خليفة الله في الأرض مرتبط بإدراكه واستيعابه لمفهومي الحرية والمسؤولية معاً، بحيث تحقق له هذه المعرفة توازنه النفسي والاجتماعي والإنساني، وتعطيه شرف خدمة البشرية وإعمار الأرض عبر تطوير الفكر والتفاعل الإنساني بين مختلف الثقافات والأعراق والأديان.
صنعت الحرية المسؤولة والمتوازنة عظماء التاريخ والإنسانية، بالمقابل فإن الحرية اللامسؤولة تعيد الإنسان إلى أدنى مراتب العبودية، من عبادة للشهوات والإدمان عليها، أو عبر التراخي عن الدور الإنساني والعقلاني للإنسان بإتجاه دور لا يليق بسموه ورقيه، أضف إلى أن مفاهيم الحرية لا يمكن أن تتوافق أبداً مع ثقافة الكره والعنصرية والاستعلاء.
التوازن النفسي والقوة المتزنة أساس الحرية، والتفاعل الإنساني مع تطوير التحليل العقلي وتجاوز عقبات العداوة المرتبطة بالجهل أساس الحرية، واحترام القيم والتعامل من خلالها والسعي دوماً للاستفادة من التوالد اللامتناهي للتزاوج الفكري بين الثقافات كلها من أسس الحرية وصولاً إلى حب الخير للآخر المختلف ومتابعة السعي المستمر للتحرر من الظلم والإضطهاد والعنصرية، ومن المهم أن نعرف أن هذه الحرية تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين.
نعم، الحرية جوهرة ثمينة ويجب علينا تعلم كيفية صقلها وتطويرها والمحافظة عليها باستمرار، كما يجب معرفة طرق توظيفها، والإرتقاء من خلال الحرية المسؤولة، المنفتحة والواعية لخدمة كل تفاعل إنساني سليم.
ويعتقد الناشط السياسي والاجتماعي حسن دبوق، أن «عبارات مثل الحرية والديمقراطية وما شابهها تحمل عدة معاني وبالتالي لا يكفي القول أريد أن أكون حرا بدون أن أحدد معنى هذه الحرية.»
«الحرية كمفهوم تتجاوز المعنى الليبرالي للكلمة فالحرية في الليبرالية تقتصر على الحرية السياسية أساسا كالرأي والتعبير والدين والمعتقد وغيرها أما الحرية الإنسانية فهي أوسع من هذا بكثير وهنا مفهومي للحرية، فهي تنطوي على تعاطينا الإيجابي بين بعضنا كبشر وهذا أمر لا يمكن تحقيقه عبر عزل الفرد عن مجتمعه تحت عنوان الحرية، الحرية لا يمكن أن تتحقق إلا ضمن المجتمع وهذا ما يعطي للحرية السياسية قيمتها الفعلية، فما الفائدة في أن يعبر الأفراد عن رأيهم وتغيب قدرتهم على المبادرة والفعل مثلا؟ كيف يمكن للفرد أن يكون حرا فعلا ومعيشته ومستقبله وقدرته على الفعل مرتبطة بتبعية سياسية أو اجتماعية لهذا الفرد أو لتلك المجموعة أيا كان نوعها؟ هذه الحرية التي أتحدث عنها لا يمكن الوصول لها إلا من خلال بناء نظام ديمقراطي حقيقي، أي ديمقراطي شعبي يبني مؤسسات حقيقية يمكن للأفراد من خلالها العمل والفعل متحررين من التبعية والاستغلال».
«طبعا الحرية تقف عند التعدي والتحريض على الآخرين أو المجتمع، يعني أن يخرج مثلا من يعتدي أو حتى يطالب بالإعتداء على مجتمع ما أو فرد ما هذا ليس حرية، هذا اعتداء على الحرية وتفتيت للمجتمع ويتناقض مع نظرتي للحرية الإنسانية ومن علامات الإنهيار السياسي والنفسي والأخلاقي وتخل عن مطلب الحرية الإنسانية لصالح الأهواء والمصالح والأحقاد الشخصية».
بينما أشار الناشط الإعلامي الوليد يحيى إلى أن معنى الحرية بالنسبة له كشاب عربي يعيش في بلاد يحكمها الاستبداد، هو التخلص من هذا الاستبداد لذلك الحرية بالنسبة له كما قال، «كل ما هو مفقود في بلادنا من حيث حرية الممارسة السياسية خارج الأطر الضيّقة والموجهة التي أخضعتنا لها الأنظمة، وحرية النقد والتعبير بكافة أشكاله وألوانه التي حُرمنا منها، واختراق الأسقف التي وضعوها لنا وتحطيمها لصالح فضاء مفتوح ولا نهائي.
ادراكنا عموما كشباب عربي ولد وترعرع في ظل ظروف الاستبداد، لمفهوم الحرية، كان إدراكا لما ينقصنا، وأدركنا انه ينقصنا حين بدأنا ننفتح على العالم ونرى المتغيرات الواقعية التي حولنا سواء عبر الفضائيات أو الإنترنت، وهنا أتحدث كشاب من مواليد أواخر الثمانينيات وعشت في سوريا، البلد الذي بقي مغلقا بشكل مطبق على العالم حتّى بعد العام 2000 حين دخل الستلايت والإنترنت إلى البلاد، ورأينا انّ حياةً أخرى خارج قوقعتنا فيها الكثير من التغيير والمساحات التي تنقصنا.
مع بدء الثورات العربيّة عام 2011 أصبحنا أكثر جرأة على توسيع إدراكنا للحريّة، ففي خضم الجدل الذي أحدثته الثورات، صار ما نريده اكبر من مجّرد حريات سياسية وفكرية في دولة مؤسسات تكون نقيضة للأنظمة الديكتاتورية الأحادية، وبدأنا ندرك أهميّة استيعاب وتشجيع الاختلاف والحضّ عليه، والغوص في مساحة حرّيات كانت محرّمة وما زالت كذلك في الذهنيات التقليدية. فبالنسبة لي مفهوم الحريّة الذي أتبناه وأحلم بأن يتجسّد، يشمل حرية الفرد باختيار ما يريد وممارسة ما يشاء بدون ان تتحكم ايّة سلطة في خياراته، وبالتالي ان لا يتحول هو سلطة تتحكم بغيره وتؤثّر في خياراته غيره. هكذا أفهم الحريّة والتي يحتاج تحقيقها لمسار طويل، أرى انّ بدايته قد أعلنت مع انطلاق أوّل تظاهرة من تونس قبل عشر سنوات، وامتدّت إلى دول كثيرة كسرت فيها هيبة الديكتاتوريّة وعرّتها وأظهرت الحاجة التاريخية الملحّة للتخلّص منها، وهو مسار طويل وشاق على كل حال».